الرئيسية » مقالات » ؛جهاد؛ فاسد لنصرة النصارى واليهود

؛جهاد؛ فاسد لنصرة النصارى واليهود

23-6-2013

عندما يصرف مشايخ الأمة المسلمين عن الجهاد الواجب لتحرير القدس، وينتقلون من تحريض المسلمين على جهاد آثم في موالاة محرمة شرعا مع النصارى واليهود، إلى قتال مدمر بين المسلمين من السنة والشيعة، يكون قد أصبح من الواجب على المسلمين التمرد على هذا الفقه الكهنوتي المخرب لدار الإسلام وعقيدة المسلمين.

العالم مريض بمشرقه، بل هو مصاب في قلبه حول جزيرة العرب التي باتت مجددا موطنا لصراع عالمي حول إعادة تقسيم خارطة النفوذ. فقد افتضح ما سمي بالربيع العربي، على أنه كان مسارا ممهدا لأم المعارك الدائرة الآن في بلاد الشام، وقد نجح من فجره وأداره، على الأقل، في تفكيك ما بقي من التضامن العربي، وهو يعمل بخطوات حثيثة على تقسيم العالم الإسلامي، وتمزيقه في مواجهة مذهبية مقيتة بين السنة والشيعة، انساقت إليها النخبة السياسية والدينية من الطرفين، على خلفية الترويج لحرب مذهبية في سورية، بعد أن خبت نار نظيرتها في العراق أو تكاد.

دعاة الفتنة بين الشيعة والسنة

بعض دول الخليج وعلى رأسها السعودية وقطر، نقل مقر الدعوة إلى هذه الفتنة إلى مصر، الموبوءة أصلا بفتن داخلية متعاظمة، من خلال تنظيم محفل جامع لمشايخ الدين والدعاة من أهل السنة بزعامة الشيخ القرضاوي، لم يتردد فيها المشايخ في دعوة السنة من المسلمين إلى جهاد مفتوح ضد الشيعة من المسلمين في بلاد الشام وما حولها. وبنفس المنطق وبذات النفس المذهبي، غرر بالرئيس المصري لينخرط في هذا المسار الخطير القاتل، بإعلان قطع العلاقات الدبلوماسية بين مصر وسورية، وتوجيه دعوة صريحة لإقامة منطقة حظر طيران بسورية، يعلم مسبقا أن حلف النيتو المشرك هو وحده من يمتلك أدواتها.

وللمرة الألف تخدع النخب الدينية والسياسية من أهل السنة، ويستدرج الجميع إلى ارتكاب الخطيئة العظمى، والدخول من الباب الخطأ في صراع ليس للعرب والمسلمين فيه ناقة ولا جمل، هم فيه محض ساحة ووقود لحرب عالمية بين القوى العظمى من أجل إعادة توزيع مناطق النفوذ، واقتسام أسهم إدارة العلاقات الدولية وما يترتب عنها من اقتسام للثروات على رأسها النفط العربي..

المخادع والمخدوع من أهل السنة

وقبل أن يجف الحبر الذي حرر به بيان محفل شيوخ ودعاة أهل السنة، وخطاب الرئيس مرسي، الذي أسس لأول قطيعة دبلوماسية بين بلدين عربيين في التاريخ الحديث، كان الأفرقاء من الدول العظمى في نادي الثمانية الملتئم بإرلاندا، يتوافقون في السر على صيغة تجنب دول القطبين الدخول في مواجهة صريحة على خلفية نزاعهم المفتوح في سورية، ويبقون على حظوظ إيجاد مخرج سلمي تفاوضي للصراع، ينتهي برسم حدود خارطة النفوذ في المنطقة بين القطبين الشرقي والغربي، فبدا وكأن تحريك الغرب لوكلائهم وأتباعهم في المشرق العربي في اتجاه التصعيد بلهجة مذهبية، إنما هو من قبيل تجميع أوراق تفاوضية ليس إلا، تماما كما كان سماح الروس بتدخل حزب الله إلى جانب الجيش السوري، محض توظيف لورقة تقوي موقفه التفاوضي في الصراع، يحمل رسالة إلى دول الخليج تحديدا، لا يبدو أنهم قد تلقوها وقرؤوها قراءة صحيحة.

فقبل انعقاد قمة نادي الثمانية كان الرئيس الروسي قد وجه أكثر من رسالة في اتجاه قادة ونخب العالم العربي، في لقاء مع قناة روسيا اليوم، حاول فيه طمأنة القادة والشعوب العربية، بتذكيرهم بتاريخ روسيا من جهة، وسوابق الولايات المتحدة والغرب مع العرب والمسلمين من جهة أخرى، وتأكيده أن روسيا، وعلى خلاف الولايات المتحدة والغرب، لم تكن يوما في عداء مع العالم العربي والإسلامي، ولم تكن دولة استعمارية على حد قوله، ولم تشارك في نهب خيراته، وهي فوق ذلك بلد غني عنده ما عند العرب من الثروات النفطية، ليس عليه ديون كما هو حال الولايات المتحدة والغرب، وأن ثباته في الموقف من الصراع في سورية هو دليل على أن روسيا الجديدة، لا ولن تتخلى عن أصدقائها وحلفائها كما كانت تتهمم دوما.

بين روم الشرق ونصارى الغرب

هذه المغازلة الروسية للعالم العربي والإسلامي ليست جديدة، لكنها كانت هذه المرة أوضح، وعلى لسان الرئيس الروسي، الذي أراد تقديم وجه جديد لروسيا وللقطب المتحالف معه، على أنه بوسع العرب أن يثقوا بروسيا، وأن يستعينوا بها للتحرر من التبعية والهيمنة الأمريكية والغربية، أو على الأقل، التفكير في مغانم العرب والمسلمين الكثيرة من تحرير إدارة العلاقات الدولية من هيمنة القطب الأمريكي الأوحد.

وكيفما تكون نظرة العرب والمسلمين إلى الموقف الروسي من العالم العربي والإسلامي، فإنه يبقى مختلفا عن الموقف الأمريكي والغربي من قضايا شعوب ودول المنطقة، ليس فقط فيما ذكر به الرئيس الروسي، ولكن من حيث استماتة هذا القطب الشرقي الناشئ في الدفاع عن مبدأ احترام سيادة الدول، ومعارضة أي شكل من أشكال التدخل الأجنبي في الشأن الداخلي للدول، وهو موقف ثابت على الأقل في السياسة الخارجية الروسية منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، وهو الموقف الذي تشترك فيه أغلبية الدول العربية والإسلامية، وأحد مبادئ الجامعة العربية واتحاد الدول الإسلامية، كما كان موقفها دائما داخل منظمة دول عدم الانحياز.

وإذا كان العالم الإسلامي قد خدع من قبل بتقديم أبنائه وقودا في الحرب الأفغانية بالوكالة ضد الاحتلال السوفييتي لهذا البلد المسلم، قبل أن يسقط تحت الاحتلال الأمريكي وحلفائه في النيتو، وخدع العرب والمسلمون مرة أخرى بالمشاركة في العدوان الأمريكي على العراق، فإن الانقياد مجددا إلى قتال بالوكالة في سورية، والانسياق خلف هذه الدعوات التحريضية المذهبية لمواجهة بين المسلمين من السنة والشيعة، يكون بكل المعايير خيانة لمصالح الشعوب العربية والإسلامية، فضلا عن كونه خيانة للقضية المركزية للعرب والمسلمين في فلسطين، والتي لم تحظ منذ نكبة 1948 بإجماع كهذا لمشايخ الدين على الدعوة للجهاد من أجل تحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين.

واجب التمرد على فقهاء النيتو

موطن الغش والخيانة من هذه الطائفة من مشايخ الدين، وبعض نخب الإسلام السياسي، كانت واضحة للعيان بغياب أية إشارة في مؤتمرهم بالقاهرة، لا للاحتلال الصهيوني لفلسطين، أو للاحتلال الأمريكي لأفغانستان، أو لاضطهاد المسلمين في ميانمار وفي الهند.

فمع كل التقدير الذي يحتفظ به كل مسلم للعلماء والفقهاء، فإن انخراطهم في مثل هذا التحريض على الفتنة بين المسلمين من السنة والشيعة، مع جهلهم بتداعيات مثل هذا المسار التدميري، الذي هو صنع غربي صهيوني بامتياز، انخراطهم هذا يعفينا من واجب السمع والانقياد مثل الخرفان، بل ويلزمنا بواجب التمرد على مثل هذه الدعوات كيفما كان علم وفقه الجهة التي يصدر عنها.

فمن حظ المسلمين، أن الله سبحانه وتعالى قد حرر رسالته الخاتمة من أي إصر كنسي أو كهنوتي، وقد ألزمنا المحكم من التنزيل بالعودة إلى كتاب الله وسنة رسوله كلما استشكل علينا في أمر من أمور الدنيا والدين بنص الآية: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ” النساء59

الولاء المخرج من الملة..

وكما استهجن المسلمون من قبل استعانة النخبة الدينية والسياسية في العراق من الشيعة والسنة بالنصارى واليهود من الأمريكان وحلف النيتو، واستنكروا استعانة نظرائهم الليبيين بحلف النيتو المشرك على إخوانهم في الدين وشركائهم في الوطن، فإن مقومات الرفض حاضرة أكثر في ما يحرض عليه اليوم من “جهاد” كاذب في سورية، منتج لفتنة كبرى بين المسلمين، وهو فوق ذلك دعوة إلى موالاة من حرم علينا موالاتهم بأية هي من المحكم من التنزيل، لا تقبل أي تأويل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (المائدة51).

وقد استمعت إلى تفسير للآية من شيخ مسلم مجتهد من ترينيداد هو الشيخ حسين عمران، هداه الله إلى تفسير لم يسبقه إليه أحد من كبار المفسرين القدامى والمحدثين، حيث يلفت الانتباه إلى أن الآية الكريمة قد حرمت موالاة اليهود والنصارى “بعضهم أولياء بعض” أي حين يكون بعضهم أولياء بعض، وهذا ما هو حاصل بين بعض النصارى من المسيحيين في الغرب وبعض اليهود، على الأقل منذ تواطئهم على المسلمين في وعد بلفور، وأن الآية تحذر من يواليهم من المسلمين على أنه منهم، أي مثلهم.

المطلع على تاريخ النصارى واليهود، يعلم أنهم كانوا قبل وبعد ظهور الإسلام على عداء متواصل، يكفر بعضهم بعضا، إلى أن نجحت الصهيونية في حمل الكنيسة على مراجعة كتابها المقدس، وحذف ما كلن فيه من تهمة النصارى لليهود بدم السيد المسيح عليه السلام.

..البراءة من الحلف النصراني اليهودي

لا أحد يشكك اليوم في أن بعض نصارى الغرب وبعض اليهود يوالون بعضهم بعضا، كما حذرتنا من ذالك الآية الكريمة، وأن أبرز وجه لهذه الموالاة هو في ذلك الدفاع المستميت للولايات المتحدة وأوروبا عن الكيان الصهيوني من جهة، واشتراكهم في قتال المسلمين في المشرق والمغرب. وقد شهدنا نحن الجزائريون في وقت متقدم قيام تحالف بين يهود الجزائر والنصرانية الاستعمارية، وشراكتهم قبل ذلك في توفير ظروف الغزو الفرنسي الصليبي للجزائر.

وعلى كل من استمع إلى دعوة أولئك المشايخ من الشيعة والسنة، للجهاد جنبا إلى جنب مع النصرانية الغربية المتحالفة مع اليهود، في العراق، ثم في ليبيا، والآن في سورية، عليه واجب إلزام هؤلاء المشايخ بتقديم تفسير آخر للآية الكريمة المحكمة والصريحة، التي تحرم تحريما صريحا موالاة المسلم لليهود والنصارى حين يكون “بعضهم أو لياء بعض” أو صار حل لنا أن نحكم عليهم بما حكمت به الآية على أنهم من النصارى واليهود.