الرئيسية » مقالات » بوذا وأصل (البوذية) العراقية

بوذا وأصل (البوذية) العراقية

22-6-2013

الاجتهادات التي تناولت أصل تسمية “البوذية”، ووصفْتُها بالساذجة والسطحية، ربما يكون سببها ان الاسم  ليس عربي الأصل. غياب ذكرها في القواميس العربية، برأيي الخاص، وفّر فرصة سانحة لكل من يحب ويشتهي ان يدلو بدلوه حتى وان لم يقرأ بحياته سطرا واحدا عن معنى الدراسة او البحث العلمي. ما كان لأي من هؤلاء ان يجرؤ ويكتب وينشر تلك الآراء، لو ان هناك مؤسسات ثقافية وتربوية تهتم بأدبنا الشعبي مثل اهتمامها بما يسمى بالأدب الجاهلي، كمثال. إهمال التراث الشعبي جعله كالمال السائب الذي يعلم على السرقة. اهملوه فصارت حتى “احميدة أم اللبن” تجتهد بشؤونه من دون خوف أو حياء.
أدرك اني لو أردت الاستمرار في الحديث عن  “البوذية” ومناقشة كل رأي قيل في أصل تسميتها قد احتاج الى عشرات الأعمدة. لذا ساكتفي اليوم بالوقوف عند آراء جريئة وشجاعة ومنطقية أيضا بحثت عن أصل تسمية  “بوذية” ولم تسقط في مطبات السذاجة التي انشغلت في تفصيخ حروفها ثم اعادة تركيبها وكأنها لعبة “ميكانو”.
في ردّهِ على عمودي “بوذية أم أبوذية” كتب احد الأصدقاء الذي اختار اسم “المندائيون الآن” على فيسبوك: “اسمحلي بمداخلة سريعة حول عبارة (البوذية) التي اشيع عنها خطأ بانها تعبير عن معنى الأذية. الحقيقة ان العبارة اصلها من اللغة المندائية الجنوبية. فـ (بوثا) تعني نص سماوي، او آية كما في الدين الاسلامي. وهي تعني البث الالهي، او صوت الحي العظيم في اللغة المندائية. لا استبعد ان تكون عبارة (بوذا) السنسكريتية الاصل، التي تعني الدعاء الباطني المتنور كما تفهمها الكثير من شعوب اسيا القصوى، هي عبارة منزاحة عن “بوثا” المندائية برأيي الشخصي طبعاً .
لو توقفنا عند رأي صديقنا الصابئي ووضعناه امام رأي الباحث التاريخي العلامة الشيخ محمد صادق الكرباسي، الذي سعى بجدية وموضوعية في البحث عن علاقة اصل شعر “البوذية” العراقي بالديانة البوذية، لوجدنا ما يجعلنا اقرب الى رد اصل اسم “بوذايتنا” للديانة البوذية. وجد الكرباسي عند اتباع الديانة البوذية، بعد بحث وجهد كبيرين، ابياتا غنائية تطابق البوذية “العراقية” تماما:
بوچامي مونِمْ بهوتبنّام
تنّام پركاتم پرينبوتم ذتاتام
نيكاما كاراپنوجّ كام كاتام
بيكوسام سولو ككاري بجيّة
كنت قد كتبت عن اهمية البحث والجهد الذي قام به العلامة الكرباسي، وتحدثت عن ذلك كثيرا في برامجي التلفزيونية التي كنت اقدمها عن الشعر الشعبي. تصورت ان المهتمين بالبحث في دراسة آدابنا الشعبية وكذلك شعراءنا الشعبيين سيتلاقفون رأي الشيخ ويشبعونه نقدا ومتابعة. للأسف لم اسمع غير شاعر سوق الشيوخ ماجد السفّاح انه اهتم به خاصة وانه بصدد تأليف كتاب عن تاريخ “البوذية”.  أهم ما سمعته منه، أن رجلا معمّرا روى له أن بوذيين هنودا كانوا يأتون برفقة سفن تجارية الى سوق الشيوخ، وكان يسمع منهم أغاني تتطابق لفظا وأداء مع طريقة بنائنا وغنائنا للبوذية العراقية.
كم كان جميلا، وردا للجميل في آن، لو أن القائمين على “مهرجان الأبوذية”، الذي عقد في قاعة الحبوبي بالناصرية مؤخرا، احتفوا بالباحث الكرباسي او أقاموا له مهرجانا خاصا تكريما لاكتشافه القّيم. ان اغفال او عدم الاهتمام بما طرحه الشيخ غبن بحقه وبحق “البوذية” أيضا.
والغبن في العلم أشجى محنة عُلِمت وأبرحُ الناس شجواً عالم هُضما