الرئيسية » مقالات » عن الذي أفتى بـ (أبو + أذية)

عن الذي أفتى بـ (أبو + أذية)

21-6-2013

هناك صفات اتفق المختصون على ضرورة توفرها بالباحث العلمي الجاد. منها الصبر والمثابرة وكثرة القراءة والأمانة والموضوعية. لكني تعلمت من أساتذتي الكبار في طرق البحث، ان هناك صفة لا تقل أهمية عما سبق ذكره من صفات، وهي الجرأة او الشجاعة في اقتحام السائد من الأفكار التي صار بعضها مسلمات بين الناس أو الباحثين مهما ذاع صيتهم. ففي الغرب، مثلا، يحتل فرويد مكانة النجم في ميدان العلوم النفسية. مع هذا تجد هناك شبابا في مقتبل العمر أجروا بحوثا علمية جريئة لتفنيد الكثير من آرائه. فشل بعض ونجح البعض وما زال هناك من يبحث في نقد نظرياته. المهم هو عدم الاستسلام للآراء التي لا يسندها دليل قاطع او لنقل منطقي على الأقل.

في منتصف التسعينات القيت محاضرة في ديوان الكوفة بلندن حول الظواهر المهمة في الأدب الشعبي العراقي ومنها البوذية وأسباب تسميتهما. كنت اعرف ان هناك باحثين كبار نجلّهم قد تطرقوا لتلك الظواهر مستغلين سمعتهم الطيبة فأفتوا باسباب تسميتها من دون دليل علمي او سند ملموس. منهم الدكتور مصطفى جواد والأب انستاس الكرملي. كنت حذرا جدا وانا اتدرج بأدلتي لتفنيد رأييهما. وجدتهما كمن يمسك بـ “الدرنفيس” و “البلايس” ليفكك حروف “بوذية” ثم يعيد تركيبها لعلها “ترهم” على اسم في باله.  الدكتور جواد قال انها مأخوذة من غناء فارسي اسمه “دوبيت” ثم فرّها الى “بوديت” ثم اضاف لها نقطة من عنده لتصبح “بوذيت” ومع الزمن تحولت الى “بوذية” او “أبوذية” كما يسميها!  أما الذي “افتى” في  انها مركبة من كلمتين: (أبو + أذية)، فهو الكرملي.  جاء في “فتواه”، التي أستسلم لها وآمن بها كل من بحث بعده في سبب التسمية إلاّ ما ندر، ان “أبو” تعني ذو أو صاحب. أما “ذية” فهي عنده “تخفيف أذية لأن ناظم تلك الأبيات ينطق بها بعد أن يصاب بأذية خارجة كانت أم باطنة، عقلية أم جسدية، أدبية أو حسية أو انه يحاول التأثير في نفوس الغير بما يؤذيها”!

وقبل ان اعلق على هذا الرأي الساذج وغير المسنود بدليل منطقي واحد يجعل من المغص والإسهال مصدرا لنبع شعري غنائي جميل وكأن من يكتبه جالس بالمرحاض، اجلكم الله،  ضربت امثلة كثيرة عن أخطاء الكرملي في مجال بحثه عن تسميات أخرى. فهو يقول، مثلا، ان “الموال يعرف اليوم في العراق باسم  الميمر”. وهذا خطأ فضيع يكشفه بسهولة ابسط مختص بأوزان وفنون الشعر الشعبي. وهو أيضا من قال ان “الدارمي هو البستة”، والصحيح انه ليست كل بستة دارمي وان كان كل دارمي يصلح ان يكون بستة.

لاحظ عليّ الدكتور محمد مكية، صاحب ديوان الكوفة، حذري لاني كنت احسب حساب بعض الجالسين الذين يرون تفنيد آراء الأسماء العراقية المعروفة كفرا ان لم يكن عندهم “خيانة وطنية” او جنحة مخلة “بشرف” الوطن. رفع الدكتور مكية يده طالبا الحديث فانبرى بكلام ممتع وجريء جدا سهل عليّ قول ما اريد. قال انه عاشر الكرملي وكان من بين أصدقائه المقربين لكنه وجده يستعجل ويجتهد خاصة في مجال الأدب الشعبي حتى قال ان نصف خصوماته “الأخوية” معه كانت بسبب ذلك.

وللحديث تكملة.

المدى