الرئيسية » مقالات » الرابحون والخاسرون في الحراك الأحتجاجي في تركيا ؟

الرابحون والخاسرون في الحراك الأحتجاجي في تركيا ؟

21-6-2013

مقدمة :
الأحداث الجارية في تركيا اليوم ، بالغة الأهمية ليس  بالنسبة الى تركيا فقط ، بل  ودول الشرق الأوسط والمجتمع الدولي بأسره أيضاً ، نظراُ للمكانة البارزة ، التي تحتلها تركيا ودورها المهم على الساحتين الأقليمية والدولية . وهذا يفسر ما حظي به الحراك الأحتجاجي فيها من تغطية أعلامية واسعة و ردود فعل ساخنة في شتى انحاء العالم ،  وخاصة في الدول الغربية . وتعددت وجهات النظر حول الأسباب الحقيقية لأندلاعه ، وهي في معظمها رؤى أحادية الجانب ،  تعكس آراء ورغبات الأعلاميين والمحللين السياسيين ، اكثر مما تعبر عن واقع الأزمة التركية الراهنة.
الأحتجاجات ،ضد مشروع  ” تحديث ساحة تقسيم وحديقة غازي “ ،  لها أسباب عديدة ولا يمكن أختزالها في سبب واحد وان كان مهما  ، مثل الدفاع عن البيئة أو محاولة أسلمة المجتمع التركي عن طريق أصدار قوانين تحد من الحرية الشخصية وتفرض على الجيل الجديد  نمطاً معيناً من أسلوب الحياة ، ومن المستبعد أن تكون لهذه  الأحتجاجات علاقة  بالدور الأقليمي المؤثر لتركيا في منطقة الشرق الأوسط وخاصة في الأزمة السورية  ، حيث لم يرفع المحتجون  أي شعار له علاقة بالموقف التركي المؤيد لثورة الشعب السوري ضد النظام الأسدي .
 
شيء من التأريخ:
 
كانت ثمة في موقع ساحة ” تفسيم الحالية “ في ثلاثينات القرن الماضي ثكنة عسكرية لصنف المدفعية –  والتي تريد حكومة أردوغان أعادة الطابع العثماني لها ، وليس  تحويلها الى مركز تجاري كما أشيع مؤخراً – و ملعب صغير لكرة القدم  تقام عليه المباريات الرسمية .وفي زاوية من حديقة غازي  نادي (كازينو تقسيم )،  مركز الحياة الليلية في أسطنبول في الأربعينات و الخمسينات . وفي السنوات اللاحقة تمت ازالة البناية وقطع الأشجار وزراعة أشجار أخرى . وظهر بالقرب من الحديقة مجموعة من المتاجر و غالاريه فني.
 في السبعينات نظمت النقابات اليسارية و المنظمات غير الحكومية في ساحة ” تقسيم “  احتفالات صاخبة لمناسبة عيد الأول من أيار. وفي عام 1977 ، ادت الأحتجاجات في الساحة وما أعقبها من فوضى الى مقتل 42 شخصاً، وقد شهدت الساحة في تلك الفترة تجمعات جماهيرية لأحزاب و حركات مختلفة من أقصى اليمين الى اقصى اليسار .
 
تويتر وفيسبوك يقودان أحتجاج الشباب التركي :
 
عندما بدأ الأحتجاج على المشروع الحكومي في حديقة ” غازي “ لم يشارك فيه سوى عشرات المدافعين عن البيئة ولكنه  سرعان ما تحول الى احتجاجات جماهيرية وأنتقلت شرارتها الى عدد من المدن التركية الكبرى ، بعد استخدام  الشرطة الغازات المسيلة للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين واعتقال عدد كبير منهم  وحدوث بعض أعمال العنف – ومنها أقتحام بعض المتاجر و أحد المساجد القريبة من الساحة وأقامة المتاريس ومهاجمة الشرطة ( او للدفاع عن النفس لا فرق ) برمي قنابل مولوتوف والحجارة – التى تعاملت الشرطة معها  بقسوة غير مبررة .
لعبت مواقع التواصل الأجتماعي ( فيسبوك ، تويتر على وجه الخصوص )  دوراً كبيرأُ في حشد التأييد للحراك الأحتجاجي وتأمين الأتصال المستمر بين المحتجين وتغطية الأحداث المتلاحقة بسرعة فائقة عن طريق نشر التقارير الأخبارية والصور و أفلام الفيديو ، التى اعدها وارسلها المحتجون أنفسهم ، كما اهتم الأعلام الغربي عموما أهتماما شديدا بما كان يجري في ساحة تقسيم ، على خلاف وسائل الأعلام التركية بشتى توجهاتها ، التي لم تقم بتغطية كاملة للأحداث. هذا التناقض الصارخ بين اعلام الداخل والخارج أدى الى غضب الشباب وصب الزيت على النار .
 
مقارنة في غير محلها :
 
ثمة من يتحدث عن ربيع تركي على غرار الربيع العربي أو عن ( الفوضى الخلاقة ) التي قد تجتاح تركيا أيضاً .
لم تكن احتجاجات الشباب التركي  في بدايتها مسيسة ، وهي لا  تشبه  ثورات الربيع العربي بأي حال من الأحوال وساحة ” تقسيم “في اسطنبول غير ساحة ” التحرير “  في القاهرة ، والأهم من ذلك ،  ان الجمهور مختلف والمطالب مختلفة ومقارنة أردوغان بمبارك وغيره من الحكام العرب المستبدين ، الذين أطاحت بهم الجماهير الغاضبة ، أمر يدعو الى الأستغراب .
البعض ،  تعامل مع الحراك الأحتجاجي  التركي من منطلق التشفي والشماتة ،و لم يتوان عن الكشف عن رغبته الدفينة برؤية تركيا من دون اردوغان ،  ولكن هذه  الآراء ، لا تعكس حقيقة ما يحدث في تركيا ، بل تزيد المشهد غموضاً .
 
ان مقارنة أحداث ساحة ” تقسيم “ في اسطنبول  بأحداث ساحة ”  التحرير “  في القاهرة ، أمر ينم عن الجهل بالتأريخ التركي القريب ، ويكفي ان نقارن تطور الأحداث في كلا البلدين خلال العقدين الأخيرين ، ليتبين لنا مدى غرابة مثل هذه المزاعم .!
 
عندما فاز حزب الوطن في الأنتخابات التشريعية عام   1983وتولى زعيم الحزب الرئيس الراحل ”  توركوت أوزال “   تشكيل حكومة تكنوقراط برئاسته في نوفمبر عام 1983 ،  كانت الأزمة الأقتصادية وأعمال العنف  تعصف بالبلاد ، فشرع على الفور في تنفيذ خطة علمية مدروسة لأنعاش الأقتصاد و الحفاظ على أمن واستقرار البلاد واجراء أصلاحات شملت كافة جوانب الحياة ، وأدت في نهاية المطاف الى أرساء اسس الديمقراطية . وواصل أوزال تنفيذ اصلاحاته الأقتصادية و السياسية اللاحقة بعد تسنمه منصب رئيس الجمهورية في نهاية اكتوبر عام 1989 وحتى وفاته في 17 نيسان عام 1993 ، و لنجاحه الباهر في  معالجة مشاكل بلاده الأقتصادية على وجه الخصوص أطلقت عليه مجلة  Time  الأميركية اسم “السيد …  اقتصاد “ ، وكان يعتقد ان الأزدهار الأقتصادي هو السبيل الوحيد لأستقرار الأوضاع العامة في تركيا . وقد واصل أردوغان نهج أوزال في التنمية و الأقتصاد الليبرالي واجتذاب الأستثمارات الأجنبية الى البلاد . وشهدت تركيا خلال السنوات العشر الماضية نهضة أقتصادية غير مسبوقة ، وارتفع الناتج القومي الأجمالي  بمعدل سنوي لا يقل عن 5% ووصل عام 2009 الى 11% وبلغ معدل دخل الفرد أكثر من 13000 دولار سنوياً
 
أما في مصر فقد جرت الأمور على النقيض من ذلك و اتخذت الأحداث منحى آخر تماماً .
اتبعت مصر منذ نهاية السبعينات ،  نمط غير فعال من التنمية الأقتصادية أدت الى تفاقم التناقضات بين النخبة السياسية الحاكمة وبين الأغلبية الساحقة من الشعب المصري ، التي كانت وما تزال تعاني الأمرين من سؤ الأحوال المعيشية نتيجة لتردي الوضع الأقتصادي. وزيادة معدلات البطالة والفقر ، واعتماد البلاد على المساعدات الأجنبية ودخل قناة السويس وتحويلات المصريين المغتربين . ولم تعرف مصر في فترة الجمود هذه ، اية تغييرات ديمقراطية ولا أية تعددية  سياسية حقيقية  و حارب مبارك المعارضة بشتى السبل واجرى انتخابات شكلية تضمن له البقاء على سدة الحكم لفترة غير محددة ، كل هذه العوامل مجتمعة مهدت الطريق لثورة  25 يناير عام 2011 و ولا تزال مصر تعاني من أزمة أقتصادية خانقة ،
حتى ان صحيفة أجنبية قالت أن مشكلة مصر الأساسية هي كيفية توفير الخبز لملايين الجياع .
 
أين حماة البيئة في تركيا :
 
اما القول بأن الأحتجاجات التركية الحالية هي دفاع عن البيئة ، فهو بعيد عن الواقع ويقود الي استنتاجات خاطئة  ، لأن ثمة أخطار على البيئة في تركيا أكبر وأشد تأثيرا من أزالة حديقة عامة صغيرة نسبياً. ويكفي ملاحظة عوادم السيارات ، التي تخنق الأنفاس في مدينة  أسطنبول لمعرفة الوضع البيئي فيها .
حركة الدفاع عن البيئة وحمايتها في تركيا  ليست بالمستوى المنشود ولا يمكنها حشد جمهور كبير اوالقيام بأحتجاجات بهذا الحجم . حماة البيئة الحقيقيون كان  لزاما عليهم الأعتراض على خطط انشاء جسر ثالث على ” البسفور “ أو أنشاء مطار ثالث في الضاحية الشمالية لأسطنبول ، ولكن هذا لم يحصل .
و لأيضاح مدى تهافت ذريعة الدفاع عن حديقة ” غازي “ التي تضم حوالي 400 شجرة فقط  ، قال أردوغان ، أنه خلال فترة  توليه رئاسة بلدية أسطنبول في التسعينات من القرن الماضي قامت البلدية بزرع حوالي ثلاثة ملايين شجرة ، وأنه من المناصرين لحماية البيئة  ، حيث يتضمن المشروع الحكومي زرع آلاف الأشجار بدلاً من الأشجار التي ستتم أزالتها .
 
من المحتمل ان نية الحكومة أزالة حديقة ”  غازي “   كانت حافزاُ لمختلف الشرائح الأجتماعية ، ليس للدفاع عن البيئة بقدر ما كانت دفاعا عن معالم اسطنبول التأريخية والسياحية ، التي تتميز بها وتعد ركناٌ من أركان هويتها . مدينة اسطنبول متحف كبير مثل مدينة روما ، والمس بأي معلم من معالمها المعمارية والفنية أو المساحات الخضراء فيها
يحدث شرخاُ في النسيج الأجتماعي والثقافي .بأعتباره انتهاكا لهويتها في المقام الأول وليس اضرارا بالبيئة فقط  .
تهميش الأحزاب الصغيرة والتضييق على حرية التعبير :
 
يتميز النظام الأنتخابي في تركيا بالصرامة وبأستحواذ الأحزاب الكبيرة على أصوات الأحزاب الصغيرة ، حيث يتعين على كل حزب كي يتمكن من دخول البرلمان أن يحصل على نسبة 10% من الأصوات العامة في البلاد، وإذا لم يتمكن من اجتياز هذه النسبة فإنه لن يستطيع إحراز أي مقعد في البرلمان ولو فاز بأغلبية الأصوات في بعض المناطق المحلية، وتوزع الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب التي لم تتمكن من اجتياز حاجز الـ10% على الأحزاب الفائزة ، التي حق لها دخول البرلمان- بحسب نسبة الأصوات التي حصل عليها كل حزب.
وقد ساهم هذا النظام المجحف في أقصاء وتهميش كثير من الأحزاب بشتى توجهاتها ،والتي لا تجد متنفساً للتعبير عن آرائها ، سوى اللجؤ الى الأحتجاجات و الأعتصامات و أستغلال كل مناسبة للتعبير عن غضبها و أستياءها ،  لحرمانها من أصوات مؤيديها و تمثيلهم والدفاع عن مصالحهم في البرلمان. 
واذا أضفنا الى ذلك التضييق المتواصل على وسائل الأعلام المعارضة ، وحبس الصحفيين بسبب آرائهم وأنتقاداتهم لسياسات  الحزب الحاكم ، لأدركنا سبب تأييد هذه الأحزاب المهمشة  للحراك الأحتجاجي الشبابي الأخير في تركيا . ويلقى هذا التضييق على حرية التعبير ، انتقاداُ لاذعا من الصحافة الغربية ومنظمات الدفاع عن الصحفيين ، وحقوق الأنسان .
 
بعض آراء أردوغان المثيرة للجدل :
 
من الطريف ان نذكر هنا  بعض نصائح أردوغان للشباب ،  فقد ادلى  قبل عدة أسابيع بتصريح صحفي نصح فيه الشباب  بشربالعيران  ( airan ) التركي  أي ( الشنينة ) بدلا من البيرة ، وبرر ذلك قائلاً ، إن الشعب التركي يفضل مشروب العيران المصنوع من اللبن والخالي من الكحول كمشروب وطني” وقد كرر اردوغان هذه النصيحة خلال ندوة في اسطنبول وقال”أن جده طالب بجعل العيران المشروب الوطني في تركيا حتى يكون للامة جيل سليم صحياً” على حد قوله.
 
كما اتهم أردوغان مؤسسي الجمهورية التركية “بجعل مشروب البيرة المشروب الشعبي في تركيا”. وفي هذا الصدد نقلت احدى وكالات الأنباء عن أحد المعلقين على موقع التواصل الاجتماعي ” تويتر “  قوله :” لا ينقص سوى إعلاننا من الخائنين للأمة لأننا لا نشرب العيران” وقال معلق آخر “لا شك في أن مشروبنا الوطني هو العيران الذي يريدون أن نشربه لكي ننام”.
 
وقد اججت تصريحات أردوغان هذه مخاوف الأوساط العلمانية  حيال رؤيته الإسلامية للمجتمع التركي. وغالباً ما تتهم الأوساط العلمانية في تركيا أردوغان وحزبه العدالة والتنمية المنبثق من التيار الإسلامي بالسعي في الخفاء إلى أسلمة المجتمع التركي الذي يتصف بالعلمانية.
 
لذا كان المحتجون  الشباب في ساحة ” تقسيم “ يشربون البيرة بأفراط وبشكل استعراضي متعمد مع الموسيقي الصاخبة والضجيج المتعمد في تحد واضح لنصائح أردوغان .
ولم يحرم أردوغان النساء عموما والشابات منهن على وجه الخصوص من نصائحة ، فقد أثارت تصريحاته التي تحدث فيها عن الإجهاض وعن رفضه للعملية القيصرية ” سيزاريان” واعتباره الإجهاض “عملية قتل”،  جدلا واسعا في جميع الأوساط السياسية والمدنية التركية
 
وانتقدت الجمعيات النسائية بشدة نية الحكومة التركية تقديم مشروع قانون إلى البرلمان لتقليص فترة الحمل المسموح خلالها بالإجهاض  واعتبرته انتهاكا لحقوق الأفراد في بلد يأمل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
. هذه الأمور ، غير السياسية  قد تبدو للبعض ،  ثانوية و لكنها جد مهمة من وجهة نظر الجيل التركي الجديد  وهي بلا أدنى شك تعد تدخلاً في الشؤون الشخصية حسب المعايير الديمقراطية الغربية و لا مبرر له في دولة مدنية ومجتمع علماني .
 
من هم المحتجون في ساحة تقسيم ؟:
 
أردوغان يتمتع بكاريزمية يفتقدها القادة الآخرون في منطقة الشرق الأوسط ، وقد واصل نهج الرئيس التركي الراحل توركوت اوزال في التنمية الأقتصادية و الأنفتاح  على العالم ، و فاز حزبه في ثلاث أنتخابات  تشريعية متتالية  ، نزيهة وشفافة بأغلبية مريحة ، لم يحصل عليها أي حزب تركي آخر منذ تأسيس الجمهورية التركية وما زال يحظى بثقة وتأييد أغلبية الشعب التركي .
ولكن من هم المحتجون ضد سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية وأردوغان شخصياً ؟
.لاحظ  مراقبون ان المتظاهرين في ساحة ” تقسيم “  جمهورغير متجانس وشديد التنوع ،  من الساخطين على سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية لأسباب مختلفة ، لا يجمعهم سوى الكراهية للحزب الحاكم وزعيمه أردوغان والرفض القاطع لأسلمة المجتمع التركي .
 
اردوغان وصف المحتجين ب” الفوضويين والمتطرفين “ وهو وصف غير دقيق ولكن
 ليس بعيداً عن الواقع ، لأنه ينطبق على قسم لا يستهان به من المحتجين وليس كلهم .
 
باحثون من جامعة ” بيلغي “ الخاصة في أسطنبول قاموا بأجراء بحث ميداني حول أسباب الأحتجاج الجماهيري ، كما قاموا بأجراء استطلاع عن طريق الأنترنيت شارك فيها ثلاثة الاف متظاهر. وتبين ان معظم المحتجين هم من الجيل الجديد ، الذين ولدوا في نهاية ثمانينات واوائل تسعينات القرن العشرين ، ولا ينتمون الى أي حزب سياسى ، ولم يشاركوا في حياتهم قط  في تجمع سياسي أو أحتجاجي .وأكد حوالي 80٪ ممن تم استطلاع آرائهم  بأنهم ليبراليون أو علمانيون  .