الرئيسية » مقالات » رئاسة الجمهورية العراقية إلى أين

رئاسة الجمهورية العراقية إلى أين

20-6-2013

تتضارب الأنباء الواردة عن صحة الرئيس العراقي السيد جلال الطلباني الذي يرقد في أحدى مستشفيات ألمانيا الاتحادية منذ ديسمبر / كانون الأول عام 2012إثر تعرضه لجلطة دماغية دخل إثرها في غيبوبة، وقد تواترت الأنباء حول تحسن طارئ في صحته بعد تلقيه العلاج،وحسب تصريح طبيبه المرافق فأن الرئيس قادر على العودة ومزاولة مهامه الرئاسية، ولكن التنويهات الصادرة عن شخصيات مقربة من الرئيس أو ممن أتيح لهم الوقوف على حقيقة حالته الصحية تشير إلى قدرته على تحريك بعض أجزاء من جسده وشفتيه ولكن لم يستعيد ولحد الآن القدرة على تحريك جسده بالكامل أو الجلوس والوقوف على قدميه وتلك تشير إلى كون صحة الرئيس جلال لن تعود إلى ما كانت عليه سابقا مع تقدمه بالسن والسمنة المفرطة التي يعاني منها.في ذات الوقت تدار عدة لقاءات ومشاورات داخل أروقة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني لتدارك المسألة وإيجاد البديل للرئيس جلال الطلباني في حالة وفاته أو عدم قدرته على العودة لمنصبه خلال الفترة المقبلة وتأتي تلك المشاورات على خلفية أقرار جميع الفرقاء في أحزاب وقوى وتيارات السلطة في العراق  بأحقية الكرد بهذا المنصب وحصره بحزب الاتحاد الوطني دون غيره. وضمن السقف الزمني في مثل هذه الحالة فأن المادة الدستورية رقم 75 في الفقرة ثالثا وضعت النائب الأول للرئيس بديلا له عند خلو المنصب وعلى مجلس النواب انتخاب رئيس جديد خلال مدة ثلاثين يوما. ورغم خلو المنصب منذ يوم 17 / 12 / 2012 ولكن لحد الساعة لم يرد تقرير طبي من المستشفى يشير أو يوصف حقيقة الحالة الصحية للرئيس بشكلها الدقيق أو يلمح لقدرته على العودة وممارسة مهام عمله في الفترة القادمة من عمر الفترة الدستورية التي تسبق الانتخابات البرلمانية القادمة مطلع عام 2014.

لكل طرف مشارك في السلطة رغباته وهواجسه ورؤيته لا بل تحفظاته حول ما طرح من شخصيات بديلة لا بل استعرت معركة من الطعون والتلميحات وجهت بالضد ممن عرض بديلا عن شخصية السيد رئيس الجمهورية مما جعل قيادة حزب الاتحاد الكردستاني تصدر بيانا أكدت فيه عدم وجود نية لديها في الوقت الراهن  لترشيح بديل عن الرئيس طلباني، وربط مثل هذا الأمر بما سوف يصدر عن الأطباء من قرار حول حالة الرئيس الصحية مشيرا إلى أتفاق جميع الكتل والقوى والأحزاب العراقية المشاركة في الحكم على مثل هذا وفي ذات الوقت فأنها جميعا تنتظر عودة السيد الطلباني ومباشرته لمهام عمله.

ولكن بعض الأنباء سربت على خلفية المداولات داخل حزب الاتحاد أشارت لشخصية السيدة هيرو إبراهيم أحمد زوجة الرئيس الطلباني كمرشح محتمل لرئاسة جمهورية العراق وعززه لقائها بالسيد مسعود البرزاني وما صدر عن ذلك من تلميحات وأخبار روج لها، أيضا لم يصدر أي تكذيب في هذا الشأن عن السيدة هيرو أو المقربين منها وكانت أنباء أخرى جاءت عن مصادر مقربة من القرار في إقليم كردستان قد  رشحت لذات المنصب السيد برهم صالح ومثله كوستر رسول.

ومع مضي الوقت وتدهور الوضع الأمني وتفاقم الصراع السياسي وتصاعد حدة الأزمات بين رئيس وزراء العراق السيد المالكي وخصومه المتعددين من الشركاء في العملية السياسية وخارجها بات من الواضح إن قضية رئاسة الجمهورية ومرض السيد جلال الطلباني قد أصبحت خلف الواجهة ولم يعد يكترث لحلها المتخاصمون ولايعنيهم ما يتسرب ويثار من تصريحات حولها وإنما الإبقاء على ما عليه الحال يقدم العديد من الخدمات وليس الخسائر للكثير من القياديين وفي جميع الأحزاب المشاركة في العملية السياسية.   

التوصيف الدستوري والقانوني لمركز رئيس الجمهورية لا يحمل أية صيغة تعطيه صلاحيات حقيقية في إدارة الدولة كون النظام في العراق برلماني حسب الدستور ولكن لرئاسة الجمهورية تأثير سياسي مهم ومؤثر فرضته طبيعة الشراكة في السلطة ومن ثم تراتيبية المحاصصة والعلاقات التعاونية السياسية السابقة، وكان للرئيس الطلباني دورا فعالا في حلحلة العقد التي يصنها البعض وعمل بشكل ايجابي على جسر الخلافات بين الخصوم وقدم خبرته السياسية بما ينفع العملية الديمقراطية.

حسب النصوص الدستورية فأن مدة الثلاثون يوما قد انصرمت ومثلها أشهر عديدة أخرى دون أن يلوح في الأفق أي متغير حقيقي يبشر بتحسن الحالة الصحية للسيد الطلباني، لا بل هناك مؤشرات على أن الجلطة الدماغية أثرت على جسده بشكل واضح وهو الآن مصاب بعوق لا يسمح له العودة لممارسة حياته الطبيعية والأدهى من ذلك ماصرح به النائب المستقل والقريب من مصادر القرار السيد حسن العلوي معطيا لوسائل الأعلام صورة عن وضع الطلباني المرضي مشيرا لكون الرئيس في حالة موت سريري.

في جميع الاحوال ومع تضارب الأنباء يتساءل الشارع العراقي عن المهام الكبيرة لرئاسة الجمهورية أو لرئاسة حزب الاتحاد الوطني والذي من الموجب أن يقوم بها السيد جلال الطلباني لو نهض من مرضه، وهو اليوم إن شفي وتعافى بشكل ما فهو يحتاج إلى نقاهة طويلة بعيدا عن هيئات وتنظيمات سياسية كانت أم إدارية وهذا الشيء ربما  يستغرق ما تبقى له من حياة طالت أم قصرت.

ومع أثارة المشكلة بين الحين والأخر وتضارب الأنباء عن صحة السيد الطلباني فإن عملية بلورة رأي موحد داخل العملية السياسية العراقية يؤكد فيه  على الجانب القانوني لحل إشكال غياب الرئيس وحسم خيار ترشيح البديل، يبدو هذا الهاجس المقلق يخضع لحسابات سياسية دقيقة وحساسة ويتعثر دائما برغبات ونزاعات شخصية داخل قيادات حزب الأتحاد الوطني المعني بالأمر وأيضا من خارجه وبالذات من الحلفاء في الحزب الديمقراطي الكردستاني وباقي القوى السياسية العراقية.

فمراكز القوى داخل حزب الاتحاد تتوزع بين عدة رؤوس وأقطاب وبقاء الرئيس جلال حيا لحد هذا الوقت يساعد على تهدئة الأجواء وإخفاء الخلافات  ولو لحين ويبقيها داخل أروقة الحزب وفي ذات الوقت يجعل  تلك القوى مجبرة على الالتفاف حول رمز يحتاجه الحزب بشدة ويعد العنصر الحيوي لأبقاء الجميع في دائرة مركزية القيادة على حساب الطموح. فالمظهر العام يشي لصعوبة أن تتنازل تلك الأقطاب لتعطي الأفضلية لواحدا منها، فالجميع يشعر بأحقيته في منصب قيادة الحزب وحتى استحقاق رئاسة الجمهورية العراقية ولن يحدث أي نوع من التوافق لو أريد حسم الأمر في نهاية المطاف.

وعلى مستوى المشهد السياسي العراقي بشكل عام فهناك رؤى مختلفة وتضارب حول شخصية البديل وفي طبيعة ما يفضي له المشهد لو حسم  حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني خياره ورشح قيادي من كوادره بديلا عن الرئيس جلال الطلباني، فالقوى العربية التي تدير العملية السياسية لها تحفظاتها على العديد من شخصيات حزب الاتحاد الكردستاني وأن وافقت تلك القوى على شخصية ما فأن قوى أخرى لا تمنح تلك الشخصية رضاها وربما تقدم لها جانب الخصومة وترفض التعامل معها، وهذا وحده كان ومازال يمثل عصب المشكلة السياسية في إدارة السلطة في العراق، حين يمتزج الفعل السياسي العام بالخصومة الشخصية والمصالح الحزبية الضيقة ليتجاوز في فعلته هذه أطر وأعراف الديمقراطية وبنود الدستور في بلد ليس لمؤسسات الدولة  فيه غير وجهها المموه والضبابي لا بل الممسوخ.