الرئيسية » مقالات » (بوذية) أم (أبوذية)؟

(بوذية) أم (أبوذية)؟

19-6-2013

تابعت، قبل اسبوع، باهتمام كبير مهرجانا حول “البوذية” اقيم في الناصرية، عبر تقرير تلفزيوني لم يعطني فكرة واضحة عن المهرجان بسبب اختصاره الشديد. تصورت ان المهرجان تضمن حلقة او حلقات دراسية عن هذا الفن الشعري العراقي الأصيل. لكن بعد ان شاهدت مقاطع منه على اليوتيوب، وقرأت عنه تقارير صحفية كانت مقتضبة هي الأخرى، فهمت انه لم يتعد حدود قراءات لنصوص الشعراء مع غياب الإشارة لأي بحث او دراسة نقدية جادة. وللدقة، لم يخلو التقرير الاخباري، الذي قدمته قناة “الحرة عراق” عن المهرجان، من آراء أدلى بها بعض الحاضرين عن تاريخ “البوذية” واسباب تسميتها، لكنها كانت مجرد آراء واجتهادات شخصية دون دليل يسندها. يصر المتحدثون على تقسيم الكلمة الى جزأين هما “أبو” و ” أذيه”، فيصرحون بانها تعنى “أبو .. أذية”.  لا أدري متى صارت “الأذية” و “المؤذين” مصدرا لفن شعري وغنائي غاية في الروعة والإبداع؟

غريب ان نسمع هذا من عراقيين، وبعضهم شعراء متمكنين، استسلموا لتفسيرات خاطئة سندها كتاب تلاعبوا بالحروف ليس اكثر. اضافوا حرف الإلف مرتين: قبل “بوذية” فصيروها “أبوذية”  ثم شقوها نصفين ليضيفوا ألفا أخرى قبل “ذية” لتصبح “أذية”. والله حتى “البنجرجي”، مع احترامي لكل “البنجرجية”، لا يلحم “الركعة” بهذه الطريقة. وليت الأمر وقف عند هذا الحد بل ان هناك من أطلق على نفسه لقب “باحث” في الفلكلور والغناء قلب الأسم على “البطانة” فقال انها “عبّودية” نسبة للشاعر حسين العبادي لان الأخير، بحسب ادعاء صاحبنا “العلامة”، هو اول من قالها! زين شسوي هسه .. الطم على راسي؟

مقابل تلك الاجتهادات الشخصية، مع جل احترامي لاصحابها، التي لا اراها مجحفة، فقط، بل ساذجة وسطحية ايضا، نجد الكاتب اللبناني القدير سمير عطا الله يشير في واحد من اعمدته العذبة، الذي نشر مصادفة في اليوم ذاته الذي اقيم به مهرجان الناصرية الى أن: “هناك شيء يدعى “البوذية”، لا بد أن العراقيين يعرفونه، لكن ما لم نكن نعرفه هو أنه أبو المواويل المعروفة في لبنان مثل الميجانا وأبو الزلف”.

“البوذية” هو اسمها الصحيح كما ذكره عطا الله وكما ينطقه ابناء الأرياف والاهوار الذين هم المعيار الذي يجب الركون اليه، كون “البوذية” من نتاجهم ويتداولونها كما الخبز اليومي. اما “الابوذية” او “أبو أذية” فهذه كلمات ابتدعها البعض فتلاقفها منهم اهل المدن لانها تتماشى مع لهجتهم.

كم كنت اتمنى ان يتوقف القائمون على المهرجان عند مسألة: هل  نسميها “بوذية” أم “أبوذية”؟ شيء ذكرني بقصة سيبويه والكسائي في “المسألة الزنبورية”. ومثلما احتكم المختلفان في “الزنبورية” الى عرب البادية لاكتشاف النطق النحوي الصحيح، فلنحتكم لأجدادنا وآبائنا وامهاتنا في قلب الريف والهور. نغني لهم هناك بيتا من “البوذية” ثم نسألهم عن اسم النص الشعري الذي غنيناه. نعم انا مقتنع جدا بشعار المهرجان: “الناصرية عاصمة الأبوذية”، لكن اراه يصبح أدق وأصدق و أجمل لو اصبح: “الناصرية عاصمة البوذية”.

 ما زالت للعمود بقية.

المدى