الرئيسية » مقالات » واجبنا الفكري تجاه المجتمع

واجبنا الفكري تجاه المجتمع

في واقعنا المعاصر تفجعنا الصورة التي عليها واقع الامة من تخلف وتشرذم وضعف مقابل ما نعول عليه من تقدم وازدهار ونهضة وبناء للحضارة .
وان حاجتنا للفكر توجب علينا اكتشاف ذواتنا او كما يسميها المفكر حسن بن حسن الوعي الذاتي والتي يقصد بها معرفة الانسان ما هو واين هو وما ينقصه والى اين يريد ان يصل وما هي الادوات لذلك .
فالحاجة للفكر هي حاجة للوعي الذاتي والتي من خلالها يكتشف الانسان الفجوة بين الواقع والممكن عن طريق العلم والمعرفة والقراءة ثم يتبعها العمل. ومن خلال زيادة نصيبه من الممكنات التي اودعها الله في شكل استعدادات اساسية ينتقل من حال الى اخر افضل منه .
فالإنسان قادر على كل شيء ولو نظرنا الى الانسان البدائي وكيف انه يختلف عن انسان اليوم وكيف انه اكتشف كل هذه الممكنات نعلم ان ما لم يكتشف هو اكبر بكثير مما نراه اليوم وان كنا نريد ان نخرج ما تبقى فالطريق الى ذلك هو الوعي بالحاجة لذلك الشيء وزيادة المعرفة والعلم والقراءة .
والانسان كائن له ممكنات وولد بممكنات واستعدادات مجردة ونصيبه التاريخي من هذه الممكنات تزيد وتنقص بحسب نجاحه في القراءة.
وهناك علاقة بين الممكن والحاجة للفكر وبين تحويل الممكن والفعل او الحاجة الى الفكر وبين رفع سقف الوعي المعنوي والروحي والصورة التي نحملها عن انفسنا وعن قدراتنا . وهناك ممكنات كبيرة ومهمة مهدورة في حياة الامة من هذه الممكنات سؤال التغير متى ننجح ومتى نحقق ما نتطلع اليه وما هو الطريق الى ذالك .
يقول مونتسكيو كل نظام يحمل في طياته اسباب الفساد او الصلاح والبحث في هذا الامر هو البحث عن الاصلاح واسعاد الناس .
ان نداء الفكر في بدايته يبدا برفض الواقع ومقاومته وكسر حاجز الياس والخوف والظروف القاهرة وتجاوز الثقافة السطحية من خلال نظرية نقدية والخروج بمشروع او مشاريع حضارية معلومة الاتجاه وممكنة الوصول اليها كدعوة رفع مستوى الثقافة والوصول بالفكر الى سقف عالي والاهتمام بالجانب الروحي والمعنوي والاداري والاختلاط بالجمع الواعي المدرك لذاته وقدراته ثم الاضطلاع بأدوار تاريخية كبرى . والمتمثل لوجوده تمثلا وضيعا لايمكن ان ينتج شئ وتحقيق هذا الشرط في النفس مهم جدا في مجال التفكير والاجتهاد والابداع . والمطالب والممكنات في حياتنا كثيرة جدا وهي المحرك الاساسي للفرد وللشعوب وهي الديناميكية التي تعطي الروح لصاحبها ومن خلال اعمال العقل والفكر يمكن ان نحقق هذه الممكنات .
فالواجب الفكري في هذه الحالة يكون عبر تحرير الممكنات المهدرة والتي لا تتحرر الاعن طريق العلم والفكر ونقد التاريخ والاطلاع على تجارب الاخرين من نجاح او فشل واستخلاص الدروس والعبر منها.
ان ازمتنا في هذا العصر تكمن في المسافة البعيدة بين الامة والوصول الى الممكنات والنهوض الحضاري عبر الوعي الذاتي والاصلاح ولهذا نجد انفسنا اقرب الى التخلف منه الى التقدم .
وان الوظيفة الحقيقية اليوم لأي مفكر هي التجديد والتجديد في كل شيء واحداث ثورة فكرية داخل المجتمع عبر اعادة المفاهيم والتصورات المسبقة وخلق حالة جديدة تخدم نهوض الامة والخروج من هذا التيه والضياع ومن ثم ايجاد مشاريع اصلاحية في كل المجالات ورسم الخطة والاستراتيجية لها.(1)
إنَّ من مهام المفكر العظيمة مساهمته في إيجاد حراك اجتماعي في المجتمع, ونقده للأفكار القديمة, وطرحه للأفكار الجديدة, فالمجتمع الذي لا يحدث فيه هذا الحراك يتأسّن ويصير مثل الماء الراكد, وهذا يؤدي في النهاية إلى تخلّفه وتراجعه, ومن واجب المفكّر أنْ يطرح أفكارًا جديدة من أجل ذلك.
والواجب على المفكر أن يُوصل رسالته بمقدار ما يستطيع بأي طريقة يراها مناسبة أكان ذلك بالتلميح أو التصريح.
ويجب على المفكر: ألا يقدّم أيّ طرح متقدم على الأدلة التي لديه, بحيث يصبح لديه دعاوى لا يسندها الدليل والقناعة. وأنْ يطرحَ الأمر بطريقة حكيمة لا تُثير الفتن.
وأنْ يوقن أنَّ طرحه هو طرحٌ اجتهادي قد يصيب وقد يخطئ, وبالتالي عليه أن يكون على جاهزيَّة عالية واستعداد لأن يتراجع عن بعض ما يقول إذا تبيَّنَ له عدم صواب ما ذهب إليه, ويسمع النصح من غيره, وأنْ يعلمَ أنَّه لا يرى كل الواقع, ولكن هو يرى جزء منه, وبالتالي قد تخفى عنه أشياء مهمة, وعليه أنْ يبحث عنها, وإنْ أرشده أحدٌ إلى ما خفي عليه, فيجب أن يستمع إليه !
أنَّ المفكر مثل الفيلسوف الذي يُنتج أفكارًا, ينتفع بها الناس, ويكشف عن زوايا خفية لم تكن معروفة لهم ولا يروها في العادة, ويُفترض أنّه يُدرك من علل المجتمع ما لا يُدركه بقيَّة الناس, لذلك يمكن القول بأنَّ المفكر بالنسبة للمجتمع كالطبيب.
ينتهي المفكر ويفقد مكانته في المجتمع لا أقصد كشخص ولكن أقصد (كقيمة) أو بشكل أخر متى (يموت المفكر)؟ يموت المفكر عندما يكون (بوق) لجهة من الجهات, ويسخر تنظيره وفكره لشيءٍ غير مقتنع به, بل ربما لا يقول به الصبيان, فالإنسان عندما يكون أجيرًا أو موظفًا لا يكون (مفكر). وأيضًا يموت المفكر عندما يتوقف عن التفكير وعن الإنتاج, فيصبح وكأنَّه مع الأموات لأنَّ حياته في إنتاجه واستمرار عطائه. (2)
ويقول علي شريعتي عن معني أن تكون مفكرا ان المفكر المستنير لا هو بالفيلسوف ولا هو بالعالم ولا هو بالكاتب وانما هو ذو وعي ذاتي يحس بروح عصره وحاجيات مجتمعه وعنده رؤية ذات اتجاه محدد ولديه أيضا قيادة فكرية وهذا الوعي والرؤية يتحققان وينضجان في مسيرة التجربة الاجتماعية.
المفكرون هم الذي يواصلون العمل الذي تعهد به الرسل في التاريخ والآية القرآنية الكريمة (وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه ) تعني أن من تعهد بإيقاظ الناس وهدايتهم عليه أن يتحدث اليهم بلغتهم هذا اللسان هو ثقافة قوم ما وروحهم وعواطفهم وحاجاتهم وآلامهم ومتاعبهم وأمانيهم والجو الفكري والاجتماعي عندهم.
والمفكر ارادة واعية وهو عالم بهذه الحقيقة القائلة انه كلما كان الناس أكثر علما بالحتمية التاريخية والقوانين العلمية للحياة والحركة الاجتماعية وبنية مجتمعهم وكلما نضج وعيهم الذاتي الانساني والاجتماعي نضجا علميا وصحيحا سوف تكون لديهم القدرة أكثر علي تحطيم الحتمية التاريخية والطبيعة الاجتماعية التي فرضت عليهم قسرا وفي غفلة منهم ومن هذا الطريق فحسب يستطيع الناس أن يصبحوا الصناع الواعين في المجتمع ”
أن المفكر الحقيقي هو الذي يتعالى على أي انتماء لأنه يشعر بالمسئولية العالية تجاه الآخرين والدفاع عن حقوقهم دون اعتبار سوي لكونه انسان انه الضوء الذي ينير الطريق في غياهب الأحقاد والظلم الذي يدب في المجتمع ويجعل الناس بعيدين عن رؤية السبب الحقيقي لما هم فيه .
وأعظم مسؤوليات المفكر في مجتمعه هي أن يجد السبب الأساس والحقيقي لانحطاط المجتمع ويكتشف السبب الأساس للركود والتأخر والمأساة بالنسبة لمواطنيه ثم يقوم بعد ذلك بتنبيه مجتمعه الغافل الى السبب الأساس لمصيره وقدره التاريخي المشؤوم ويبدي لمجتمعه الحل والهدف وأسلوب السير الصحيح الذي يلزمه من أجل أن يتحرك ويتخلص من هذا الوعي . ويقوم بنقل المسؤولية التي يحسها هو من طائفة المفكرين المحدودة الي السواد الأعظم لمجتمعه . (3)

————————————————–
(1) الواجب الفكري في واقع الأمة حسن بن حسن
(2) يقظة فكر حوار مع د. عبد الكريم بكار
( يجب على المفكّرين أن يأخذوا دورهم الريادي ويساهموا في إيجاد حراك اجتماعي)
(3) العودة الي الذات علي شريعتي (ص 407 ، 444)

16-6-2013