الرئيسية » مقالات » الجمود الفكري أسبابه واثاره

الجمود الفكري أسبابه واثاره

الجمود والسكون والركون كلها صفات الميت، ليس في الإنسان فقط بل في كل المخلوقات لو رأيت شيئاً واقفاً غير متحرك فاقطع بأن يوشك على الهلاك والفناء، حتى الماء الراكد لا يجوز التوضؤ منه، فكيف بعقل الإنسان اذا توقف عن التفكير والنظر والاستدلال، فهذا الذي أصاب الحضارة الإسلامية بعد أن كانت في قمة النشاط العقلي، حيث ساهم علماؤها في وضع وايجاد العلوم المختلفة، مع شروحات واضافات نوعية للعلوم القديمة، فعندما تركوا النشاط العقلي تراجع المسلمون، وغدوا يدورون في دائرة مفرغة، لا يأتون بجديد بل يكررون ما قاله غيرهم في الفترات الماضية، ويرددون المقولة (ليس بالإمكان أحسن مما كان) وهذا أدى إلى شل حركة الحياة ومن ثم تراجع الحضارة الإسلامية والاشتغال بالأمور الثانوية التي لا تغني ولا تسمن من جوع، بل كانت الجهود كلها منصبة لما لا يبنى عليها العمل الأمور الخلافية، بعكس الغرب المختلف الذي ترك الخلاف وبدأ يبحث عن مناطق القوة والوحدة، فانصبوا للعقل والعلم فغدوا قادرين على الإبداع والتطوير، بشكل انبهر به المسلم الذي كان اباؤه قادة يتبعهم معلمو الغرب.
إن الإسلام باعتباره آخر الشرائع السماوية قد تضمن من المبادئ ما يجعله يساير الزمن، ويواكب الحياة المتطورة، ومن ثم كان اجتهاد الأئمة الأوائل الذين خلفوا لنا ثروة واسعة عظيمة، ومع أن هؤلاء الأئمة لم يحجروا على العقول، ولم يوجبوا على الناس التقليد الأعمى لمذاهبهم، ولم يزعموا أن آراءهم هي القول الفصل الذي ينبغي أن يلتزم الناس بها، لأنهم كانوا يؤمنون بأن كل قول يصح أن يؤخذ منه وأن يترك، إلا قول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، مع هذا فقد ظهرت نزعة تدعو إلى تقليد المذاهب وسد باب الاجتهاد.
وقد عارض كثير من رجال الفكر والإصلاح هذه النزعة، ولكنها برغم ذلك لم تَختفِ تمامًا من سماء الفكر الإسلامي؛ بل كانت من وقت لآخر تترقب الظروف التي تحقق لها السيطرة، وقد تهيأت لها الظروف في عهود الركود، فسيطرت نزعة التقليد للمذاهب القديمة – سواء مذاهب العقيدة، أو مذاهب الفقه – سيطرة قوية، وطغت التبعية المطلقة لهذه المذاهب، بحيث أصبح التابعون لمذهب معين لا يمكن أن يتخلوا عن تقدير هذا المذهب، ومنحه سلطة عليا في التوجيه والاعتقاد أو العمل، في كل رأي من آرائه، والخطر الذي يهدد الجماعة – أية جماعة – لا يكمن في تعدد مذاهبها في التفكير أو الاعتقاد أو الفقه؛ بل في تحكم هذه المذاهب وسيطرتها على التابعين، بحيث يهاب هؤلاء التابعون نقدها، وإبداء الرأي في قيمتها.
وعلى أية حال فإن علماء الدين الرسميين وخاصة الفقهاء، قد انصرفوا في تلك الفترة – فترة الركود – عن البحث في قضايا الدين، وعرضها عرضًا يتلاءم مع تطور الحياة الاجتماعية، ورضُوا لأنفسهم أن يقفوا موقف الجمود والتقليد، ونادوا بأن باب الاجتهاد قد أُوصد.
ولم يقتصر موقفهم هذا على العلوم الدينية؛ بل إنهم حاربوا العلوم الطبيعية والكونية، واتهموا أصحابها والمنادين بها بالكفر والمروق، وأن هذه العلوم توشك أن تفسد على الناس عقائدهم، ونسي هؤلاء أن الإسلام قد حث أتباعه على العلم، وعلى النظر في الكون، والتأمل في مظاهر الطبيعة؛ حتى يفهموا حكمة الله وآياته في كونه.
لقد أساء هؤلاء إلى الدين، وفتحوا الباب بذلك للطعن في عقيدته؛ لأن العقيدة التي تخشى أضواء العلم لا يمكن أن يقول أصحابها إنها أسلم العقائد، وأقربها إلى العقل، ولو أن هؤلاء فهموا عقيدتهم، وفطنوا إلى حقيقة دينهم؛ لعلموا – كما يقول الأفغاني – أن الإسلام لا يصح أن يخالف الحقائق العلمية… وقد عم الجهل، وتفشى الجمود في كثير من المرتَدِين برداء العلماء، حتى اتهم القرآن بأنه يخالف الحقائق العلمية الثابتة، والقرآن بريء مما يقولون.
وينبغي أن ننبه إلى أن التفكير العقلي والتقدم العلمي ما كان يستطيع أن يصمد في هذا الجو الذي ساد فيه أهل الجدل من الفقهاء والمتكلمين، فانطفأت جذوة التفكير، واندثر العلم، ودخلت الأمة الإسلامية في سباتها العميق، فتخلفت عن الركْب، وسبقتها أوربا التي تتلمذت عليها وعلى ثقافتها طيلة العصور الوسطى. وأصبح التقليد عندنا هو السائد في مجالات العلوم الفكرية، في الوقت الذي سار فيه الغرب نحو التقدم وباتت هناك فجوة كبيرة بين الجانبين.
ولا شك ان أحد ملامح موت الأفراد والأمم ،هو الجمود والركود ، الذي يسيطر على الفكر والعقل البشري بحيث تسيطر على مختلف الفعاليات العقلية.
والجمود هو عكس المرونة بمعنى عدم القدرة على إيجاد أو ابتكار أفكار وأراء متنوعة من أجل حل مشكلة ما. او يعني عدم القدرة على تغيير الاتجاه نحو افاق اخرى. ان الجمود الفكري يشترك مع مفاهيم اخري من حيث الاسباب والاثار ومن اهم هذه المفاهيم ( الدوجماتية والتعصب والتصلب )
ينطوي مفهوم التعصب على عدة مقومات
-1 حكم لا أساس له من الصحة، ويحدث بدون توفر الدلائل الموضوعية.
-2 مشاعر سلبية تتسق مع هذا الحكم.
-3 توجهات سلوكية حيال أعضاء الجماعات موضوع الكراهية.
* التعصب من العصبة والعصبية أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته ظالمين كانوا أو مظلومين
ويشير مفهوم التصلب إلى العجز النسبي عن تغيير الشخص لسلوكه أو اتجاهاته عندما تتطلب الظروف الموضوعية ذلك، والتمسك بطرق غير ملائمة للسلوك والشعور وقد أشارت نتائج بعض الدراسات أن الأشخاص ( ضعاف العقول) والذين حدثت لهم إصابات في الدماغ يتسمون بالتصلب لكنهم ليسوا منغلقي الذهن وفي البحوث العربية التصلب والدوجماتية يعتبران وجهان لعملة واحدة.
إن الشخصية الدوجماتية باعتبارها شخصية منغلقة ذهنيا على معتقدات وقيم معرفية جعلها تتصف بسمات معينة اهمها:
1. الرفض السريع لأي دليل أو مناقشة تتعارض مع معتقدات الفرد.
2. عدم الرغبة في اختبار البرهان الجديد إذا ما تكون الرأي فعلا.
3. معاداة أصحاب المعتقدات المخالفة.
4. النظر إلى الأمور الجدلية على أساس أبيض وأسود فقط
ويمكن توضيح سمات الشخصية الدوجماتية في النقاط التالية:
1. جمود الأفكار، فهو غير قادر على التخلي عن آرائه حتى لو بدا له خطؤها على عكس صاحب الفكر المنفتح الذي يتشوق لمعرفة الجديد سواء كان موافقا لما يرى أو مخالفا له
2. اللغة التي يستخدمها الشخص الدوجماتي تميل إلى المغالاة والقطعية فهو يستخدم جملا من نحو: فلان دائما يكذب، أنا لا أقول هذا أبدا، كلامك لا يمكن قبوله. فالمفردات التي نستخدمها ذات دلالة قوية على رؤيتنا للأشياء وعلى طريقة تفكيرنا، والواحد منا حين يستخدم الألفاظ الصارمة يعطي للآخرين شعورا خفيا بعدم وجود جدوى للحوار، أو وجود إمكانية لتغيير الآراء
3. لا يشعرك صاحب الفكر المنغلق بأنه شخص عقلاني منطقي وهذا أمر طبيعي فتصلبه الذهني يؤدي إلى تخلف طرحه وتقادم مفاهيمه ومقولاته.
4. حساسية صاحب الفكر المنغلق لمشاعر الآخرين ضعيفة، لذا نجده يعبر عن أفكاره بدون أخذ في الاعتبار مشاعر المستمعين، وكثيرا ما تكون تعميماته للأوصاف السيئة على الشعوب والقبائل والشرائح العريضة هي السبب في ذلك
5. يعطيك صاحب الفكر المنغلق انطباعا بأن لديه جواب لكل سؤال، والسبب في ذلك أن ممارسته للمشاركة في التحدث قائمة على عدد محدود من المبادئ والمفاهيم الجاهزة والمحدودة، و التي يحفظها عن ظهر قلب ويسارع إلى استخدامها في محاوراته، ولا نجد لديه .مشكلة نحو الآثار التي تترتب على عدم صحتها
6. صاحب الفكر الدوجماتي ميال إلى مثالية، تأبى طبائع الأشياء تحقيقها، فهو ينشد الكمال في الوسط الذي يعيش فيه، ويرفض المعلومات الناقصة عن أي شيء ظنا منه أن الأمور لا تسير بغير ذلك، هذا يعني قلة الخبرة بواقع الحال.
7. تمسك صاحب الفكر المنغلق بما هو عليه يوحي إليه أن الطريق الذي يسلكه والأسلوب الذي يستخدمه والحل الذي صار إليه أمور وحيدة في نوعيتها، ولا يمكن الاهتداء إلى بدائل لها، لذا فإنه لا يعطي أي اهتمام لمسالة البحث عن بدائل أكثر نفعا. وهو مستعد لتحمل المشاق والآلام إلى مالانهاية حيث لا يخطر في باله أن ثمة مخرجا مما هو فيه
8. يوجد الفكر المنغلق لدى صاحبه نوعا من الارتباك والتناقض وكثيرا ما يرى الدوجماتيون متورطون في العمل على تنفيذ آراء خصومهم في حياتهم العملية، وتجسيد أهدافهم،
9. وذلك أن الانغلاق الذهني يجعل صاحبه يخسر انسجامه الذاتي، كما يجعله عاجزا عن إدراك مدى منطقية أعماله واتساق مقدماته مع نتائجه وهذا كثيرا ما يجعله يعمل لصالح خصومه
وفي الأخير يمكن القول أن الانغلاق الذهني له دور وتأثير على العلاقات الاجتماعية والمكانة الاجتماعية للفرد في وسط مجتمعه، لأن غلق الفكر على معتقدات معينة له سلبيات جمة مما يدعو إلى الانتباه إلى طريقة تعاملنا مع أفكارنا ومعتقداتنا.
يرى روكيش أن العقل الدوغمائي بتنوعاته يقوم على موقف حاد من مجموعتين من الأفكار والمبادئ فهو من جهة يؤمن إيمانا مطلقا بمجموعة من المبادئ ويتشكل منها ثم هو في نفس الوقت يأخذ موقفا حادا من الأفكار المخالفة لما يؤمن به.
ويرى روكيش أننا يمكن أن نحدد درجة دوغمائية أو وثوقية أو تحجر عقل ما بناء على مجموعة من المعايير . من أهمها :
أولا : يمكن تحديد دوغمائية عقل ما من خلال حدة و شدة فصله بين المعتقدات التي يقتنع بها والمعتقدات التي يرفضها.
ثانيا: من معايير الحكم على عقل ما بأنه دوغمائي متحجر أنه لا يميّز بين العقائد والأفكار التي يرفضها. فهو يضعها في سلّة واحدة هي سلّة الخطأ والضلال. دون أن يكلّف نفسه بالبحث في نقاط التقاء وتقارب مع الأفكار المخالفة.
ثالثا : من معايير انغلاق عقل ما وثوقيته المغرقة وتكاثر المسلمات في منظومته الفكرية. فإن كانت كل منظومة فكرية تقوم على عدد بسيط من المسلمات تؤسس للفكر ثم تترك الحرية للناس أن يجتهدوا فإننا نجد أن مسلمات العقل الدوغمائي تتوالد باستمرار لتقفل كل منفذ هواء للاجتهاد والتفكير. ولذا تجد عندنا أن مقولات لأشخاص ربما عاشوا في القرن الثامن الهجري تتحول إلى مسلمات لا يجوز النقاش حولها أو نقدها. كذلك تجد أن التفاسير والشروحات والفتاوى تتحول من كونها اجتهادات بشر تقبل الصواب والخطأ إلى كونها مسلمات وثوابت لا يجوز المساس بها ومن اقترب منها تعرّض لأصناف الهجوم من تكفير وتفسيق وتضليل وغيرها من أدوات الإقصاء.
رابعا: تزداد وثوقية عقل ما وانغلاقه كلما توقف عند لحظة زمنية محددة وتشبث بها وعاش فكريا وروحيا فيها. مما يجعله لا يعيش واقعه ولا يفكر من خلاله وهذا ما يتسبب في غربته وإحداث تناقضات وانفصامات هائلة في اتباعه. دائما تكون هذه اللحظة في الماضي، لحظة نشوء الفكر أو لحظة وقوع أحداث مهمة وجذرية في تاريخه. العقل الوثوقي لا يفكر بمنطق تاريخي ولا يعترف بتغير الأزمان وتغير الظروف لأن من صفاته الثبات والاستقرار بينما منطق الحياة والواقع الحركة والتغير والتحول.
اسباب الجمود الفكري
إنَّ الانغلاق وعدم توفر المنهج النقدي ـ والتفكيكي، وعدم توفر النقد التحليلي الفلسفي عموماً في مجالات كثيرة من حياتنا ، ادى إلى تأخر الإبداع في كلِّ صنوف المعرفة والعلم . ويجب علينا أنْ ندرس ونعرف أسباب ذلك الجمود الفكري والتخلف والانحطاط ، ونضع المعالجات والحلول كي نقضي على ذلك المرض الخطير .
وقبل ان ندخل في سرد الاسباب لابد من الاشارة الى امر مهم وخطير على مجتمعاتنا الا وهو اسلوب التعليم في مدارسنا وجامعاتنا فهي لاتتبع اسلوب الاستنتاج في التعليم . بل اسلوب حفظ المعلومات ومحاولة تخزين اكبر كمية منها في ذاكرته . ولعل معيار الذكاء . من دون ان نشعر. اصبح مقرونا بقدرة الطالب خلال كل فترات دراسته على تخزين وحفظ المعلومات. والعمل بها لاحقا على طريقة افراغها فقط اي لايصبح المحتوى جزءا لايتجزأ من نظامهم الفكري يغنيه ويوسع آفاقه وانما كل مافي الامر يصبح الطالب حافظا لكم من المعلومات اصلا توصل اليها شخص آخر . فنحن لانعلَم الطالب على الاستنتاج او الابتكار أو الاختراع. والطالب ليس أمامه الا هدف واحد ان
يتشبث بما تعلم إما بتثبيته جيدا في ذاكرته واما بالحفاظ على مذكراته. ونرى كيف ان هؤلاء الطلاب يشعرون لاحقا بنوع من الاضطراب تجاه اي افكار أو آراء جديدة تثار حول اي موضوع . لأن الجديد يثير التساؤلات حول الكم الثابت من المعلومات التي حصلو عليها والتي بذلو جهودا مضنية لتثبيتها في ذهنهم . وخاصة تلك الافكار المتغيرة .
وبينما في الدول المتحضرة التي تتبع اسلوبا منهجيا في التدريس يقوم على الاستنتاج المنطقي فالطلاب بدلا أن يكونو مستقبلين سلبيين للكلمات والافكار فإنهم ينصتون ويستمعون ويتجاوبون بطريقة فعالة ومثمرة وتبدأ العملية الفكرية تنشط داخل عقولهم . ان الامر عند هؤلاء الطلاب ليس مجرد الحصول على المعلومات يحملونها معهم الى المنزل للحفظ. وانما كل طالب قد تأثر وتغير . وكل واحد منهم اصبح يشعر بالتغيير بعد الحصول على المعلومة. ويترك لكل طالب فرصته في الاختراع والاكتشاف والتطبيق العملي الفعلي لكل ماتعلمه نظريا .
ولعل السؤال المر الذي يطرح نفسه بقوة …لماذا لايبدع شبابنا ويبرزون علميا او فكريا او اعلاميا .الا خارج حدود بلادهم ؟ لانهم ببساطة يتعلمون في الغرب كيف ينشطون ملكة الابداع والخلق والاستنتاج لديهم التي سبق وجمدت من قبل بإسلوب التعليم في بلادنا .

ان اسباب الجمود الفكري كثيرة نلخصها في النقاط التالية:
1- افتقاد الوعي اللازم لمعايشة الحياة ومواكبتها.
2- عدم تحمل المسؤولية واللامبالاة لأن التفكير والتجدد يفرضان على الإنسان مسؤوليات متعددة خاصة عندما يواجه مجتمعا سيطرت عليه الكثير من الأفكار الجامدة.
3- الخوف من الجديد،وما يأتي من تطورات فالقديم يستأنس به الإنسان ويعرف حدوده ومعانيه،أما الجديد فإنه يتطلب طاقات فكرية واجتهاد،والسعي في هذه الأمور يرهق العقل الذي تعود على التراخي والكسل والأفكار الجاهزة.
4- الترف الفكري وهو يحدث عندما يعجز الإنسان عن حل المشكلات التي يواجهها عن طريق العقل(الفكر)أو يخاف لظروف سياسية او اجتماعية أو اقتصادية أن يواجهها،لذلك نراه يلجأ إلى الترف الفكري الذي يحوي الكثير من الضبابية والهروب من الواقع إلى عالم لا مسؤوليات فيه.
5- ضعف البصيرة بحقيقة الدين، وضيق الأفق في التفكير، وخفة الموازين في العلم.. مما يجعل الفرد يعتقد أنه حاز العلم بمقوماته كلها.
6- قلة الخبرة بواقع الحياة، والعلم بالتأريخ، وسنن الله في خلقه، فتفهم الوقائع على غير حقيقتها، وتفسر وفق أوهام وخيالات لا أساس لها.
7- العادات والتقاليد الموروثه من ملايين السنين .
8 ــ حالة الاستبداد السياسى والتى حاصرت العقل المسلم وجمدت حركته عن العمل والإنتاج.
9 ــ التوسع فى فقه الفرد على حساب فقه الأمة.
10 ــ إهمال فقه المقاصد وعلوم فلسفة التشريع، والتى تمثل الباب الأساسى للنظر والاجتهاد وإنتاج الأحكام والأفكار المتجددة.
11 ــ الخلط بين النص المقدس وآراء السابقين، وتقديس التراث والتقليد الخلفى للتراث والموازى للآخر.
12 ــ سيطرة الدراسات التقليدية فى الأصول وتطبيقاتها فى علوم الشريعة فقط على حساب بقية علوم الحياة الإنسانية والكونية على حد السواء.
13 ــ الصراعات البينية الهشة بين العلماء والفقهاء.
14 ــ الإحساس الداخلى لدى البعض بالانهزام وتوقف الطموح الرسالى .

مظاهر واثار الجمود الفكري
ان التعامل العقلي في تلقي ونسخ المعلومات، يفضي إلى التكرار والتقليد الأعمى، وتبني الأفكار والآراء دون وعي أو فهم لها، أو دون إدراك للظروف التي أنتجت هذه الأفكار والآراء والمشاريع . وبالتالي يغيب العقل وراء الموروث أو المستورد ويحل “الانفعال” محل “العقل”، فتأخذ العاطفة مكان العقل في الترويج لهذا الموروث أو هذا المستورد، ويتم الانفعال والتفاعل مع هذا وذاك في لحظة غياب العقل البصير، فلا ينظر هذا الإنسان المقلّد إلى الثقافة بإطارها الزمني، وأطرها الثابتة والمتحولة، وقربها أو بعدها عن المقاصد الحضارية للأمة، وإنما ينظر إليها من خلال عاطفته المشبوبة ورغبته في محاكاة نموذجه الموروث أو المستورد، فيندفع للدفاع عن أخطائه وسلبياته وكأنه في دفاعه عن تراثه يخوض معركة جهادية بأمل ثوابها عند الله، وغاب عن باله أن هذا التراث الإسلامي هو إنتاج بشري، وأنه ليس نصًّا شرعيًّا لا يجوز أن تخالفه، وكذلك غاب عنه أن الفقه نتاج بشري في قراءة النصوص الشرعية لاستخراج الأحكام منها. فالشريعة ثابتة ربانية، أما الفقه فهو نتاج بشري متغير بتغير الظروف والأزمان والحالات.
والحقيقة ان الجمود يضع مجموعة مظاهر سلبية تعطل الاستدلال الفكري الحيوي وتوقف العقل عن ممارسة دوره الطبيعي وتتمثل هذه المظاهر السلبية في:
1- الاهتمام بالقشور والهوامش وترك الأولويات الضرورية فعندما يغوص الفكر في أمور لا طائل منها،وتنحصر المناقشات(حصرا) في قضايا هامشية تغطي على القضايا الأساسية والحيوية.
2- التقليد الأعمى،وهو أحد مظاهر الجمود الفكري وهذه الحالة تنشئ عندما يفرض المجتمع رأيه على أفراده لاتباع فكرة معينة دون نقاش او نقد ويحرم عليه تخطي الخطوط الحمراء التي وضعها..وهنا تقع الطامة الكبرى فهذا السلوك يقضي على الإبداع والتطور ويطمس ملكة التفكير والابتكار لدى الإنسان،والشيء الأسوأ من ذلك،انه يكون قاعدة عقائدية ضعيفة الأسس والمرتكزات تنهار بسرعة عندما تواجهها أفكار أخرى في معترك الصراع العقائدي،لذلك تموت الجماعات التي تفرض على أفرادها التقليد الأعمى بسرعة وتندثر،وبعض هذه الجماعات يحرم على أفرادها خوض نقاشات عقائدية او فكرية.والواقع أن القوة العقائدية والفكر المتين ينبع من القدرة على النقد والتحليل وفهم الحقائق بأسبابها ومسبباتها.
3- التفكير السطحي واللحظي:وهو أحد آفات العقل الإنساني التي تحجم الاستدلال،فالإنسان الذي يغرق في مشاكل حياته اليومية يصبح عاجزا عن التفكير المنهجي والمنظم،وحين تسيطر عليه الجزئيات يصبح تفكيره مجرد رد فعل أي أنه يفكر كالطفل حسب الاستجابات التي تطرأ عليه خارجا فهو حينئذ مجبر على التفكير بقضايا جزئية معينة ويعجز عن خلق أفكار وإبداع أشياء جديدة وهذا يعيش في يومه فقط ولا يفكر في الغد والمستقبل لذلك تصدر اغلب الأفعال عنه بدون تفكير،وحينها يقع في الأخطاء، فإننا(حينئذ)نحاول ان نفكر بذلك ونخلق افكارا لتبرير سلوكنا والدفاع عن أخطائنا…وهذا هو منطق التفكير العاطفي،وهو عكس التفكير المنطقي لأنه يستهدف الدفاع لا البرهان…فالذين يفكرون قبل ان يفعلوا هم قليلون،والذي يفعلون دون أن يفكروا هم كثيرون في مجتمع تعلم وتربى على ان يكون محدودا لا يفكر. وعندما يحاول الإنسان ان يبرر سلوكه الخاطئ ويعمل دون تفكير منهجي منظم مسبق فإنه يستمر في الوقوع في الأخطاء حتى يتأقلم معها وتصبح من الملفات المؤجلة والعادات المتجذرة،فتصبح تدريجيا حالة طبيعية متأصلة في سلوكنا بدون ان نشعر بذلك.
4- الغلو والتطرف:
الغلو: هو مجاوزة الحد في الأقوال، والأفعال، والاعتقادات، والأعمال. لذا، فإن الغلو والتطرف في كل شيء مذموم شرعاً وعقلاً، وهو في الدين أشد؛ ذلك أنه من العلل المفزعة التي تعمل على تشويه صورة الدين في أعين العامة، وتدفعهم للابتعاد عنه وكراهية الداعين إليه. وتشجيع أعدائه على النيل منه؛ فهو صورة سلبية خطيرة، وعلامة على السقوط في علل التدين، التي سقطت بها الأمم السابقة؛ فكانت السبب في هلاكها، قال تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ}. [المائدة،77]. ولأضراره الكبيرة، ومفاسده الكثيرة، وأنه سبب في الهلاك فقد رفضه الشرع، ونهى عنه، قال صلى الله عليه وسلم “إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين” . “هلك المتنطعون” فالغلو ينحرف بالدين عن وجهته الصحيحة، ويحمله ما ليس منه، ومن ثم يفقده أهم خصائصه ومميزاته. ألا وهي: التوازن، الوسطية، والاعتدال. مظاهر الغلو والتطرف، وأسبابها: للغلو والتطرف مظاهر كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر.
5- التعصب للرأي:
وهو التعصب الذي لا يعترف بوجود الرأي الآخر، ولا يقبل المناقشة ولا الحوار؛ لأن كل رأي فيما عدا رأيه هو رأي خاطئ؛ فرأيه صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي غيره خطأ لا يحتمل الصواب، وهو وحده على الحق، ومن عداه على ضلال. وصاحب هذا الاتجاه يجيز لنفسه ما يحرمه على غيره. ويصل به تعصبه إلى الجمود على فهمه وإن كان قاصراً لا يعطي رؤية واضحة للمصالح، ومقاصد الشرع، وظروف العصر، وموازنة ما عنده بما عند الآخرين، من خلال الحوار البناء، الذي ينتهي إلى الوصول للبرهان الأوضح، والرأي الأرجح، والحجة الأقوى.

اما الاثار المترتبة على الجمود الفكري في الفكر الاسلامي
اولا : ترك الاشتغال بعلوم الاجتهاد : كان العلماء المجتهدون يشتغلون بعلوم الاجتهاد ، فيدرسون اللغة العربية ، ويتعلمون القران ، ويدرسون السنة ، ويأخذون علم السلف الصالح ، ويجتهدون في معرفة وقائع عصرهم ونوازله ، وبذلك تتسع افاقهم ، وتقوي ملكاتهم ، ويصبحون منارات يهتدي بها ، فلما ترك طلبة العلم علوم الاجتهاد ، وحصروا انفسهم في كلام الرجال ، وكتب الرجال ، وكثر التقليد نادى كثير من المقلدين باغلاق باب الاجتهاد ، ودعواهم في ذلك ان كثيرا من الجهلة ادعوا الاجتهاد وهم ليسوا بأهل لذلك ، فضلوا واضلوا ولاشك ان ادعاء بعض الجهلة الاجتهاد له اثار سيئة وخطيرة ، ولكن لايعاج الخطأ بخطأ اخر .
ثانيا : محاربة الذين شتغلون بعلوم الاجتهاد : اعلن المقلدون حربا شديدة على المجتهدون وادعوا بانهم يريدون انشاء مذهب جديد ، وانهم اصحاب بدعة جديدة ، وانهم خالفوا الاجماع .
ثالثا : شيوع المناظرات والجدال انتصارا للمذهب وردا لاقوال الخصوم من اصحاب المذاهب الاخرى ، لا لبيان الحق والتوصل الى مراد الله من كلامه .
رابعا: الاشتغال بالمسائل المستحيلة والفرضيات فابتعد الفقه في كثير من احكامه عن واقع الناس وحاجتهم العملية والمصالح الزمنية .

يقول مالك بن نبي : ( كُلُّ مجتمعٍ يتكوَّن من ثلاثة عناصر رئيسة هي: عالم الأفكار وعالم الأشخاص وعالم الأشياء).
ثم يقول : ( ويربط هذه المكونات الثلاثة بعضها ببعض علاقة معينة ، تتبدل زماناً ومكاناً ، وحسب نوع هذه العلاقة تتكون شبكة العلاقات الاجتماعية وغيرها بين الأفراد والجماعات ، ويتشكّل محور الولاءات في المجتمع ، ويتحدّد منهج التفكير والفهم فيه ، ويترتّب سُلّم القيَم الذي يوجّه أنماط السلوك ، ويغدو المجتمع في أعلى درجات الصحة حين يكون الولاء لـ (عالم الأفكار) وحين يكون هو المحور الذي يتمركز حوله سلوك الأفراد وعلاقاتهم ببعضهم وكذلك سياسات المجتمع ، في الوقت الذي يدور ( عالم الأشخاص والأشياء ) في فلك ( عالم الأفكار ) ، وفي هذه الحالة تكون الهيمنة لعالم الأفكار ويتسلم القيادة ( أولو النهى) ، الذين يحسنون (فقه) التحديات ، واتخاذ القرارات في مجال السياسة الشرعية وغيرها ويتسم منهج التفكير والفهم (الفقه) بالرسوخ والإحاطة بـ (فقه الأولويات ) و (فقه الموازنات والترجيح ) و (وفقه الواقع ) و (فقه المستقبل ) وتدور اهتمامات الأفراد والجماعات والقيادات ، حول القضايا العامة الكبرى الخارجية والداخلية وهو ما نسميه بـ (فقه الأمة) ، وما تتطلبه من تعبئة وإعداد وتضحيات .
أما حين يكون الولاء لـ (عالم الأشخاص) ويصبح المحور الذي يدور في فلكه ( عالم الأفكار والأشياء ) ، فإنّ السمة الغالبة في المجتمع هي الهيمنة لأصحاب الجاه والسطوة والقوة ، يسخّرون (الأفكار والأشياء) لمصالحهم الخاصة ، وينحصر التفكير والفهم في إطار العائلة أو العشيرة أو الإقليم ، ويغدو التفكير والفهم متّصفاً بالسطحية والجزئية والانغلاق ، وتدور الاهتمامات في أطر القضايا التي تثيرها المنافسة الداخلية ، دون أن يكون متسع للقضايا الكبرى ( يعني : فقه الأمة ) وحين يصبح الولاء لـ ( عالم الأشياء ) هو المحور ، ويدور ( عالم الأفكار والأشخاص ) في فلك الأشياء ، فإن الهيمنة تكون لأرباب المال وأصحاب التجارة ، وصانعي الشهوات ، وتسود ثقافة الترف والاستهلاك ، وتتمزق أواصر العلاقات الاجتماعية ، وتصبح الأفكار والقِيَمُ بعضَ سِلَعِ التِّجَارةِ، وبعض مَوادِّ الاسْتِهْلاكِ ، ويتوقف التفكير والفهم ويصابان بالشلل ، وينشغل أبناء المجتمع بحاجاتهم وأشيائهم اليومية ، ويلفظ المجتمع أنفاسه الأخيرة ، لأن موت الأفكار هو موت للأسس التي تقوم عليها حضارة الأمة والمجتمع ، فتنبعث منه روائح الموت ، وتنجذب إليه برابرة الشعوب ، كما تنجذب صغار الوحوش إلى جثة الثور الكبير ، لتنهش لحمه وتقطع أوصاله ، بعد أن كانت في حياته تُملأ رعباً من منظره وحركته وحيويته ) .

15-6-2013