الرئيسية » مقالات » الفرق بين الربيعين: التركي والعربي

الفرق بين الربيعين: التركي والعربي

لا شك أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تمر في مرحلة تحولات اجتماعية وسياسية عاصفة وبوتيرة متسارعة، وذلك بفضل العولمة التي هي نتاج الثورة المعلوماتية والتطور المذهل في وسائل الاتصال والنقل، والاختلاط بين الشعوب بشكل غير مسبوق.

فثورات الشعوب العربية كانت ضد حكومات علمانية مستبدة، تمادت في قمع شعوبها، وفشلت في حل مشاكلها وبالأخص الاقتصادية منها، الأمر الذي بلغ نقطة الانفجار، بدأت بقيام الشاب التونسي محمد بوعزيزي بإضرام النار في نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد احتجاجاً على ما ناله من تعسف على يد السلطة المحلية، فكان بمثابة الشرارة التي أشعلت براميل البارود في تونس ومنها انتقلت إلى بلدان عربية أخرى فكان ما كان مما سمي بالربيع العربي وإسقاط حكومات جائرة. أما الربيع التركي فهو يختلف عن الربيع العربي في الأهداف والنتائج والاستحقاق التاريخي، نوضحه كالتالي.

إن انتفاضات الربيع العربي قامت بها جماهير من مختلف الأعمار، وخاصة الشباب الذين يشكلون القسم الأعظم من الشعوب العربية، وكانت عفوية، ذات أهداف حداثوية وديمقراطية واقتصادية. ولكن مشكلتهم أنهم لم يكونوا منظمين في أحزاب، ولم يملكوا خبرة سياسية ولا قيادة موحدة، ولا أهداف محددة متفق عليها مسبقاً. وحتى الأحزاب العلمانية الديمقراطية التي شاركت في الانتفاضات كانت ضعيفة ومفككة بسبب ما نالها من قمع السلطات الجائرة على مدى طويل. لذلك استطاعت الأحزاب الإسلامية اختطاف الانتفاضات العربية، والسيطرة عليها وقطف ثمارها، وذلك لتمتع الأحزاب الإسلامية بحسن التنظيم والتماسك الفكري والأيديولوجي وقيادة موحدة، وانضباط حديدي وطاعة عمياء للقيادة. كذلك استفاد الإسلاميون من سكان الأرياف الذين يشكلون نسبة كبيرة من الشعوب العربية وهم على العموم ذو وعي سياسي متدني، وديني محافظ، مما ساعد الإسلاميين على الفوز عبر صناديق الاقتراع، وبالتالي انتقال السلطة من حكومات علمانية جائرة إلى حكومات إسلامية لا تقل جوراً، وتعادي الحداثة والديمقراطية والمرأة وحقوق الإنسان، وليست لديها أية حلول علمية لمشاكلها الاقتصادية.

أما الوضع في تركيا فيختلف تماماً عما عليه في البلاد العربية. فالشعب التركي تشرب بالثقافة الديمقراطية العلمانية منذ تأسيس الجمهورية في أعقاب سقوط الامبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. ولكن في نهاية القرن العشرين حصل فساد إداري وتفاقمت أزمات اقتصادية، فعاقب الناخبون الأحزاب العلمانية الحاكمة بالتصويت لحزب (العدالة والتنمية) الإسلامي، خاصة وقد وعد أردوغان، زعيم الحزب، بحماية العلمانية والحريات الشخصية. إذ قال «في عام 2002 بأنه يريد ويحلم بتركيا التي لا يوجد فيها قوانين تحد من حرية الفرد»، فصدقه الناخبون. وبتعبير آخر، فما تحقق في البلدان العربية عن طريق انتفاضات الربيع العربي، تحقق في تركيا عام 2002 بهدوء عبر انتخابات نزيهة وعادلة وبدون ثورات أو انتفاضات.

والجدير بالذكر، أن حزب (العدالة والتنمية) لم يحصل على الأغلبية المطلقة (50+) من الأصوات، وإنما بالأغلبية النسبية، أي دون الخمسين بالمائة. وهذا يعني أن غالبية الناخبين لم يصوتوا لحزب أردوغان. إذن، ما الذي حصل وأدى إلى تفجير الوضع ضد أردوغان الآن؟
لقد تخلى أردوغان عن جميع وعوده بحماية العلمانية والحريات الشخصية، وقاد تركيا إلى نظام قريب من حكم الفرد المستبد والنظام الإسلاموي، وحتى هناك تذمر من قياديين داخل حزبه.

قلنا في مقال سابق: “أن التظاهرات التي اجتاحت المدن التركية هي ليست احتجاجاً على “تحويل حديقة تاريخية تدعى (غازي بارك) في اسطنبول إلى مركز ثقافي وتجاري” فحسب، وإنما كانت هناك تراكمات تغلي تحت السطح، وتذمر شعبي واسع ينمو بصمت، وما قضية تغيير حديقة تاريخية في اسطنبول إلا القشة التي قصمت ظهر البعير، والشرارة التي أشعلت فتيل الانتفاضة، إذ هناك أسباب كثيرة. لقد تمادت حكومة أردوغان في الاستبداد، والتضييق على الحريات الشخصية، وتقليص العلمانية، وتطبيق أحكام دينية تدريجياً… كذلك زجت حكومة أردوغان بالمئات من الضباط والصحفيين والكتاب العلمانيين في المعتقلات بتهمة التآمر على النظام الديمقراطي، وفصل الكثير من القضاة وتعيين المتعاطفين مع أيديولوجية حزبه مكانهم، الأمر الذي بات يهدد النظام العلماني الذي تشرب الشعب التركي بثقاته منذ مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة التركية الحديثة وإلى الآن.” (1)

وهناك خطر آخر على أردوغان من الجيش، إذ ذكرت صحيفة (SPIEGEL ONLINE) الالمانية في تقرير لها بعنوان: (قبضة أردوغان على السلطة بدأت تضعف)، أن هناك تهديداً لحكومة أردوغان، إذ بدأ الناس يتهامسون أن الجيش يوزع كمامات واقية ضد الغازات المسيلة للدموع على المتظاهرين وليس على البوليس، الرسالة التي تعني أن الجيش يدعم المحتجين.(2)

والاختلاف الآخر بين انتفاضات الربيع العربي والربيع التركي هو أن في تركيا أحزاب علمانية عريقة وقوية كانت تحكم تركيا قبل مجيء حزب أردوغان الإسلامي للسلطة، مثل حزب الشعب الجمهوري، وأحزاب أخرى، إضافة إلى وجود نقابات العمال والحرفيين، ومنظمات المجتمع المدني، المستقلة تماماً عن تأثير الحكومات، الحالية والسابقة.

يحاول بعض المعلقين الإسلاميين، الأتراك والعرب، الطعن بمبررات انتفاضة الشعب التركي وشرعيتها بوصفها أنها من أجل المشروبات الكحولية!! وذلك لأن بعض الشباب والشابات تعمدوا في أخذ قناني البيرة معهم إثناء تظاهراتهم في ساحة تقسيم في اسطنبول كدلالة رمزية في تحد لقرارات أردوغان في الحد من الحريات الشخصية.
إن وصف الإسلاميين الانتفاضة بأنها من أجل مشروبات كحولية دليل على سطحية تفكيرهم، وكمحاولة منهم لتشويه سمعة الانتفاضة الشعبية. إذ كما أكد جورسال تكين، نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية في حديث مع صحيفة «الشرق الأوسط»: « إن ما يحصل هو ثورة على العقلية الأردوغانية التي تستمد قوة استمرارها من منع كل شيء، مثل منع الكحول وتطبيق نظام التعليم 4+4 وتشبيهه معدي الدستور القديم [كمال أتاتورك وعصمت اينونو] بأنهما اثنان من المخمورين، وتطاوله على المذاهب الأخرى بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وتحويل الحكم البرلماني في تركيا إلى حكم الرجل الواحد، ومحاولة جمع كل الصلاحيات بيده. جميع هذه السلبيات أدت إلى انفجار الوضع في جميع أنحاء البلاد».(الشرق الأوسط، 11/6/2013)(3).
كذلك لتدخلات أردوغان بشؤون دول الجوار، العراق وسوريا، وجر تركيا إلى صراعات طائفية وإقليمية دور في هذه الانتفاضة، إذ أجاب القيادي في حزب الشعب الجمهوري قائلاً: «عندما ننظر إلى خريطة الشرق الأوسط نرى بجوارنا سوريا والعراق وإيران، وجميعها يوجد لنا معهم صلة قرابة بين العائلات. فبعضها (العائلات) يعيش في تركيا والآخر يعيش في سوريا أو العراق أو إيران. والتصعيد يخلق مشكلات وعداء مع هؤلاء الجيران وهذا ليس بالمعقول ولا بالمنطق. ولهذا ستجبر حكومة تركيا على تغيير سياستها العدائية التي تمارسها حيال الجيران خاصة بعد هذا الانفجار الذي عم جميع مدن تركيا. » (نفس المصدر).

وأخيراً، تدخل الشيخ يوسف القرضاوي على الخط في دعم حكومة أردوغان، فأصدر رسالة باسم (الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) الذي يترأسه، شن فيها هجوماً حاداً على عشرات الآلاف من المتظاهرين الاتراك المطالبين بالديمقراطية واتهمهم بالانسياق وراء “مؤامرات خارجية”. والجدير بالذكر أن القرضاوي دعم الأعمال الإرهابية في سوريا والعراق، والاعتصامات في العراق، وأفتى بقتل الشيعة.(4)

والمضحك المبكي أن أردوغان وصف المتظاهرين، بأنهم أقلية متمردة على الديمقراطية، وأنهم إرهابيون ومتطرفون ولصوص..الخ، علماً بأن التظاهرات شملت نحو 40 مدينة تركية، ولكنه (أردوغان) في نفس الوقت يدعم تظاهرات الأقلية الرافضة للديمقراطية في العراق ويدعمها بجميع الوسائل. كما وقابل أردوغان التظاهرات السلمية في بلاده بمنتهى الوحشية مما أثار سخط وانتقاد الحكومات الديمقراطية في العالم وخاصة دول الاتحاد الأوربي. (شاهد رجاءً الفيديو في الهامش وحشية تعامل البوليس التركي مع المتظاهرين)(5 و6).

دروس الربيع التركي
هناك عدة دروس يمكن استخلاصها من انتفاضة الشعب التركي. أولاً، أثبتت أنه لا يمكن التنبؤ بأي ثورة أو انتفاضة شعبية. ثانياً، أعطت الانتفاضة درساً بليغاً للحكام، أن لا يأخذهم الغرور حتى وإن جاؤوا عبر انتخابات نزيهة. لأن فوزهم هذا لا يمنحهم الحق في التجاوز على الديمقراطية والحريات الشخصية، والاستبداد والتفرد في الحكم، فالجماهير التي أتت بهم يمكن أن تركلهم عندما يتجاوزون حدودهم. وكل الدلائل تشير إلى أن أردوغان أصابه الغرور وتجاوز صلاحياته إلى حد أن لم يتحمله الشعب فثار عليه، وهو في طريقه إلى السقوط لا محال.
رابعاً، يمكن اعتبار الربيع التركي هو انتفاضة على الحكم الإسلامي والعودة إلى حكم العلمانيين، ومن المتوقع أن يحصل الشيء ذاته في بلدان الربيع العربي في المستقبل القريب كمرحلة ثانية لإتمام المشوار، أي للإطاحة بحكم الأحزاب الإسلامية وإقامة حكم ديمقراطي علماني صحيح.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالموضوع
1 عبدالخالق حسين: هل يطيح الربيع التركي بأردوغان؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=585

2- تقرير صحيفة اشبيغل الألمانية
Revolt in Turkey: Erdogan Losing Grip on Power – SPIEGEL ONLINE
http://www.spiegel.de/international/world/revolt-in-turkey-erdogan-losing-grip-on-power-a-903553.html
3- جورسال تكين: ما يحصل ثورة على الأردوغانية.. ولا حل أمامه سوى التراجع
http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=731976&issueno=12614#.UbbzkOeThdE

4 القرضاوي يحرّم الربيع التركي ويصف التظاهرات بـ ( المؤامرة(!
http://www.akhbaar.org/home/2013/6/148799.html

5 فيديو: الديمقراطية التركية، قمع بوليسي للمتظاهرين
http://safeshare.tv/w/GWrJiyDNKJ

6 فيديو يكشف عن وحشية تعامل البوليس التركي مع المتظاهرين
Turkish Revolution – police brutality COLLECTION – Istanbul Taksim #Occ
A shocking 10 minute video from TURKEY and the Police Savagery. Make sure to see what happens at the minutes of 5:42, 6:22, 7:00 and 8:00. Absolutely sad and horrible…
http://youtu.be/iu-wDrZ-bsM

13-6-2013