الرئيسية » مقالات » الوجه الآخر للرضا والغضب

الوجه الآخر للرضا والغضب

بمجرد ماتحل بالمجتمعات الغربية، كارثة من الكوارث الطبيعية، كالزلازل، أو الطوفان، أو الرياح العاتية، إلا وتصفها القنوات العربية، والجرائد العمومية والخاصة، والمنابر، بقولهم .. إنها غضب من الله تعالى، وسخط منه على أوربا واستراليا، والولايات المتحدة الأمريكية، وتصل مثل هذه العبارات البريد، بسرعة خاطفة، وكأن مرسلها يزف بشرى، تتطلب التعجيل.

وفي نفس الوقت، لايذكرون غضب الله تعالى، حين تحل بهم نفس المصائب والمحن. والسؤال المطروح، على أيّ أساس، تمّ تثبيت الغضب على هؤلاء؟، وتقسيم الرضا على أولئك؟.

المتتبع للظواهر الطبيعية التي تضرب الغرب، يرى أن شدّتها عنيفة قاسية، تتعدى أحيانا طاقة البشر .. فالأمواج التي ضربت اليابان، تجاوزت صورا، طوله 11 متر، وتعرضت لانفجارين نوويين، وسرعة الرياح في الولايات المتحدة الأمريكية، تجاوزت مئات الكيلومترات في الساعة، والأمطار الطوفانية، جاوزت حدّ الوصف أحيانا.

لكن رغم هذه الأهوال والصعاب، إلا أن عدد القتلى معروف، ومحدود جدا، والخسائر المادية محصورة، وسرعة بعث الحياة من جديد، تتم بشكل سريع جدا ومنظم، وتتبعها برقيات إعلام على مدار الساعة، عن أحوال الطقس والطرقات والخسائر، ويتعامل معها أفراد المجتمع، بكل مسؤولية وأمانة، فترى الفرد المصاب، يحترم الطابور، ويستهلك مثل ماكان يستهلك من قبل من كمية ونوع، أو أقلّ.

وفي المجتمعات العربية والإسلامية، تغرق في قطرات ماء، وتُغلق على إثرها الطرقات، وتُعطل حوائج الأمة. وإذا تعرضت لزلزال خفيف جدا، كان المشهد، مرعبا في فَقْد الأرواح، وحزينا كئيبا في الخسائر المادية.

الغضب لايكمن في ماينزل من السماء، أو يصعد من الأرض، فهو يعم الكل، ولايمكن لأحد في دنياه، أن يدّعي الرضا، ويتّهم غيره بالغضب.

لكن العاقل الذي يتمعن من حوله، فيعلم أنه وسط بركة من الغضب، تحيط به أنّى حلّ وارتحل، ولعلّ من مظاهر الغضب.. قتال الأخوة فيما بينهم، ورمي الابن لوالديه في مراكز العجزة، وعدم احترام الطابور، والوساطة في الصعود والرقي، وعدم احترام الوقت، وتكفير كل مخالف في الرأي، ولعن كل معارض، وعدم المساواة في الفرص والحقوق، والتعدي على حقوق المرأة، وتفجير الأبرياء، وقطع الرؤوس، وأكل قلوب البشر، ونبش القبور، وإجبار القاصر على الزواج، وبيع خيرات البلاد بأبخس الأثمان، واستغلال الدين للسطو على كل عزيز نفيس.

هذه بعض من عينات الغضب، والتي تستوجب الغضب، لتزول أو تنخفض حدّتها. ولا يحق بعدها، لمن كانت هذه صفاته وأوصافه، أن يصف الأوربي أو الأمريكي، أو من خالفه الدين والمعتقد، بأنه يتعرض لغضب الله، حين يتعرّض لزلزال، أو فيضانات، أو تفجيري نووي، وينسى كيف تتعامل هذه المجتمعات مع الكوارث، حيث تجعلها محصورة جدا، في الخسائر المادية والبشرية، وتعيد الوضع إلى طبيعته الأولى وأحسن، وكأن شيئا لم يحدث.

إن الإنسان مسؤول، عن سلوكه تجاه المصائب والمحن.. وبقدر كسله، وغشه، وسرقته، وخيانته للأمانة التي وكلت له، وتعديه بالفعل والكلمة على الجرحى والمرضى والمصابين، يكون الغضب، حيثما وجدت مثل هذه الأفعال، ولو ادّعى فاعلها الصلاة والصوم. وبقدر جهد الإنسان ومثابرته، في الحد من الخسائر، والتخفيف من الأعباء، وحمل المشقة عن المتضررين، يكون الرضا، ولايهم بعد ذلك من يكون وراء هذه الخصال الحميدة.


جامعة حسيبة بن بوعلي
الشلف – الجزائر
لأربعاء: 02 شعبان 1434هجري، الموافق لـ 12 جوان 2013
معمر حبار
00213776062420