الرئيسية » شؤون كوردستانية » الطريق إلى اسطنبول ( الجزء الرابع)

الطريق إلى اسطنبول ( الجزء الرابع)

—— خالو فراس ——-

انطلقت الحافلة من نزب نحو مدينة غازي عنتاب ، وهي أكبر مدينة تركية تجاور الحدود السورية ، بقينا هناك نصف ساعة ، حيث تقوم الشركة بتحويل الركاب الأتراك وغيرهم من بولمان إلى آخر حسب المدينة التي يتجهون إليها . ولاحظت أنه يمكنك قطع تذكرة سفر نحو أي مدينة تريدها ، حتى إن لم يكن البولمان يتجه إليها ، لأن الشركة لديها أسطول يغطي كل تركيا وتقوم بتحويل الراكب من بولمان إلى آخر في المحطات المتتالية . بدون أي إزعاج للراكب .
ومن غازي عنتاب انطلق البولمان نحو مدينة عثمانية ، وهكذا إلى مدينة أضنه ، ومنها إلى مدينة عشق الجميلة ذات الطابع الأوربي الريفي، أضنه مدينة كبيرة ذات أبنية عالية ومنظمة ، وكما قيل لي هي المدينة الرابعة بعدد السكان ،بعد اسطنبول ، وأزمير ، والعاصمة أنقره . طوال الطريق الخضرة والأضواء لم تفارقنا ، وجمال الطبيعة الخضراء . مررنا بمئات المدن الصغيرة والبلدات والقرى التي نسيت اسمها . في كل محطة يتوقف فيها البولمان كان المضيف يبدأ دورته على الركاب لتقديم المشروبات الساخنة والباردة والعصير ، حسب رغبة الراكب ، مع عبوات الماء الصغيرة . فجأة أحسست بأن أذني لم تعد تسمع بشكل طبيعي !، وأن صفيرا بها بدأ يتصاعد ، لم أدرك السب إلا بعد شروق الشمس ، حيث رأيت الجبال العالية المكسوة بالثلج ، وهنا اشتغلت ذاكرتي وعلمت بأننا نرتفع وأني الآن في أحضان جبال طوروس العالية . كان المنظر خلابا جدا ، الحافلة تتقدم ببطء في هذا المرتفع المهم والذي طالما تردد في الجغرافيا المدرسية كحدود طبيعية ( للعرب ، وخاصة للشوفينيين المؤدلجين منهم ). ضحكت في نفسي ، على ذلك الوهم الأعرابي ( الخرطي ) وشعاراته من المي للمي . وطني السوري الجميل ، الذي عربته الأيدلوجية الشوفينية للبعث ، ومشتقاته من الحركات القومية العربية ، من جماعة ( دم – حديد – نار ) . هو الآن نفسه يتمزق إلى ( أوطان ، وكانتونات ، ومجموعات دينية وقومية ) . و( الأعراب ) بأموالهم ومحطات بثهم الفضائي، أخذوا السلطة السورية على حين ( غرة ؟). بهجمة إعلامية تحريضية ، وألبت كل السوريين على أنفسهم ، ودخلت إلى بيوتنا تحت شعارات الدين والطائفة والمذهب والقومية والعرق والثقافة والاختلاف الفكري والسياسي ؟ ( أعراب ) يعلمون السوريين معنى الحرية !!!!!!!!! . ولأن هناك من في الحكم ، ركب رأسه طوال نصف قرن ، ومصرا على محو هوية الآخر المختلف ثقافيا وقوميا ودينيا وووو . ( بعث يبنى بالجماجم والدم … تتحطم الدنيا ولا يتحطم ). هذي هي لغتهم، وثقافتهم، وهذا قصورهم المعرفي والإنساني والثقافي والفكري. أنهم أساتذة في العمى الإنساني والوجداني إنهم يحتقرون الآخر وثقافته وحضارته ولغته وحضوره التاريخي في المكان . سواء هذا الآخر متجذر وحاضر من بدء الخليقة ( الكرد – الآشوريين، السريان ، الكلدان ، الأرمن الخ )، أو قدم من مئات السنيين ( مجموعات وفدت في فترة حكم المماليك والعثمانيين ، واستوطنت سوريا نتيجة حروب في بلادها ، وقدمت مع الجيوش أو هجرت قسرا لتغيير تركيبة سكانية ، أو نتيجة مجاعات وقحط الخ ) ولا نريد هنا في هذه الرحلة أن أبتعد عن الحبيب الغالي ( خالو فراس ) الصغير الذي كبر بعيدا عن عيني . ( ملاحظة : كثير من البيئات في سوريا تنادي أولادها يا بابا ، وابن الأخت بخالو ، والجدة تقول : يا ستو ، أو يا حبابا ، أو يا نانا ، اويا تي تي الخ . – في الحقيقة أنا أكون خال الفتى الرائع والجميل فراس، وهو ابن شقيقتي. ومع ذلك وعلى ما جرت العادة وتعبيرا عن المزيد من الحب أناديه خالو فراس ). في الطريق نحو مدينة أزمير الجميلة ، وتلك المسافة الطويلة التي تقطعها الحافلة ببطء متلق بالطرق الجبلية ونظام السرعة المحدد لها من إدارة المرور التركية ( السرعة القصوى للحافلة 70 كم / سا ) . ومع عشرين ساعة من السفر ليلا ونهارا من نز ب إلى أزمير ، وعدم وجود من تتحاور معه لصعوبة اللغة ، رغم أني ارطن بالقليل من التركية كون والدتي تركية الأصل طورانية ، وفوقها جميع الركاب تقريبا نيام طيلة الرحلة . سوى فتاة شابة جميلة ( تدعى جوتشا) أرجو أن أكون قد كتبت اسمها بشكل صحيح . كانت تسمع الموسيقى وتلعب ب ( أي باد ) . تحدثت معها في مدينة عشق ، وقالت بأنها من ( هاتاي ) .وعلى نيتي المتواضعة قلت : من لواء اسكندرون ؟ وفوجئت بصوت رجل تركي بالقرب مني يقول لي : هاتاي ، مافي لواء اسكندرون . صمت ولم أجب توخيا للشر ووجع الرأس . كان ( خالو فراس الحبيب ) يتصل بي ليسألني : أين وصلت ؟ وكنت أعطي الهاتف للصبية جوتشا لترد عليه وتقول أين وصلت ، لصعوبة قراءة الأسماء التركية أثناء مسير الحافلة . كتب كلمات جميلة بالعربية وأعطيتها للصبية، التي قالت بأن أباها يعرف العربية. شوق اللقاء بخالو فراس أعادني ثانية للرقة كون ابن أختي ولد في الرقة مثلي وعاش بها حتى المرحلة الإعدادية ، ثم سافر للإمارات ومنها للدراسة في تشيكيا حيث تخرج مهندسا كهربائيا ، قسم السيطرة والتحكم . فراس كان قريبا من قلبي كثيرا جدا ، كان يكبر أمامنا ، ونلعب معه ، كان حركا ونشيطا وذكيا ، كان لامحا ، وعاطفيا وحنونا ، كنا ندور في شوارع الرقة وحدائقها ،ونأكل المأكولات الشعبية ، وكثيرا ما انزعجت شقيقتي ،( عم تاخد الولد وعم تحشو من السوق مشكل ملون ) .تقصد أكل وحلويات شعبية غير صحية ( فلافل – مشبك – كولا ، وفوقها الولد تعلم عا الحوامة الخ ) . لم نكن نرد على أم فراس .. ( خالو خليها تكركر على كيفها طالعة طورانية على أمها ) . خالو فراس كان عذبا وكثير الشبه بنهر الفرات ، يعطي بصدق وبراءة طفولية ، ظلت هذه الصفو ترافقه حتى أصبح رجلا ومتزوجا ولديه طفل رائع مثله . في العاشرة والنصف من صباح 8 / 3 / 20013 م وصلت الحافلة محطتها الأخيرة مدينة أزمير على شاطئ المتوسط ، ودعتني جوتشا ووقفت انتظر لقاء خلو فراس ، نصف ساعة وصل إلينا خالو فراس بصحبة زميله التركي محمد القوني . عانقي فراس الصغير والذي رأيته جبلا شامخا وراسخا كجبال طوروس ، وعاليا مكسوا بالنقاء الأبيض كثلوج القمم العالية . وقنا قليلا ، عرفني على صديقه التركي ، ثم إلى سيارته ، وجولة في مدينة أزمير الرائعة ، التي تشبه أسواقها وشوارعها مدينة حلب السورية . صادفنا مظاهرة يسارية في أحد الشوارع ( قرابة ألف متظاهر ) وحولهم الشرطة التركية . ثم إلى خليج أزمير الرائع ، حيث النوارس والحمام والبحر والجبل والخضرة والسفن والوجه الحسن ، جولة راجلة ، ثم إلى أحد المطاعم الراقية على الخليج لتناول وجبة خفيفة مع القهوة والشاي . قال فراس لي: ( خالو احكي لي عن الرقة ، وشو صار فيها وشلون طلعت ، وبدأت أسئلة الطفل البريئة ، ليسمع إجابات مؤلمة عن الرقة وما جرى من عمليات قتل واغتيال وسحل في الشوارع ووو الخ ). الرقة تغيرت كثيرا ياخال ، كنا نحلم بأن نكون أو نصبح مثل بني اسكنداف ، أو من البو جيرمن لنرتاح من فساد مزمن ، واستبداد يلغي الآخر ، لنكتشف بأننا دخلنا بسرعة في العصر الأفغاني ، ونتقمص الصومال وتجربتها . لم يبق في البلاد التي تحب شيء على حاله سوى نهر الفرات، ونخشى أن يتلوث هو الآخر. وخرجنا من السيرة المؤلمة لبلاد تنهار وتدمر على يد أهلها، والسوريون كلهم يسيرون الآن في طريق غير واضحة النهاية، خسرنا الأمن والاستقرار ، ولم نربح الحرية والكرامة والدولة المدنية . قلت له خالو أنا مشتاق لك ، وسألته عن عمله وأسرته وأهله وأخبارهم الخ ، وعن المسافة من أزمير إلى اسطنبول ، ( قرابة 700 كم ، ومنها مسافة بحرية حيث سنقطع بحر مرمره على متن عبارة . في الثانية ظهرا تحركنا نحو اسطنبول في سيارة ( خالو فراس الخاصة ) . الطريق كانت ممتعة الصغير فراس كبر وصار شيخ شباب، يقود سيارته بثقة وسرعة زائدة عن الحد ، أنا كنت اسرح وأطعم خيالي جمالية المكان ، وسيطرة اللون الأخضر ، والذي تتخلله ألون عدة لزهور برية متنوعة . ( قيادة خالو فراس السريعة جعلت رادار شرطة المرور التركية يلتقطه ، ( وعليه دفع مخالفة زيادة سرعة 166 ليرة تركي ، وهي تساوي (9000ليرة سوري ).مررنا بمدينة اعتقد أن اسمها مسالينا أو ماشبه ذلك ( عذرا ) كل المدن والقرى التي نمربها كانت جميلة ونظيفة ومرتبة .. قبل مدينة بورصة توقنا لتناول الطعام في مطعم تركي شهير له فروع في جميع المدن التركية وعلى جميع الطرق الدولية ، انه ( كباب اسكندر) وهي أكلة كباب بطريقة مختلفة تماما .. مررنا بمدينة جميلة نسيت اسمها ، ثم بورصة التي رأينا أنوارها من بعيد ، ومن ثم إلى بلدة صغيرة اسمها ( جمليك ) على ضفاف بجر مرمره ، وهناك ركبنا العبارة إلى الجانب الأوربي من تركيا . ( انتقلنا بين قارتين ) ..بعد حوالي أربعين ساعة سفر ، وبلا نوم بدأ الإرهاق يتسلل إلى جسدي أصبحت متثاقلا أقاوم الانهيار التام ، أحسست بغثيان بدأ يزداد وآلام في قلبي ، صعدت إلى أعلى ومقدمة العبارة ، قدم لنا صديق خالو فراس العصير ، السماء تمطر ،وأنا أحاول التماسك كي لا انهار ( مريض قلب ) مع سهر يومين وسفر متعب ، كنت وسط بحر مرمره انظر بتعب شديد لأكون صورة عن كائن في الماء بين قارتين عظيمتين . كنت أخشى أن تأتي نوبة قلبية نتيجة لذالك التعب المتشارك مع البرد حينا ومع دفء حافلة السفر حينا آخر . ناهيك عن الاندهاش لجمالية الطبيعة التركية، مترافق بأسى يضغط على ابتسامتي ، أسى خلفه مغادرة مدينتي الرقة مهجرا ، منكسرا مما وصل إليه حال وطني على يد أبنائه أولا قبل تدخل الغريب . أضواء اسطنبول تلوح بالأفق ، مدينة بين قارتين وتجاور ثلاثة بحار (ايجة- مرمره –الأسود ) ومضيقان شهيران ( البوسفور – الدردنيل) . خلال نصف ساعة كنا على البر الأوربي ن انطلقت السيارة نحو اسطنبول ، وانطلق نحو كل قهر الوقت والتاريخ وجبال التعب ، لم أعد استطع فتح عيني لدرجة أنني عندما مررت فوق جسر البوسفور الشهير لم أحس لأني كنت منهارا تماما ، ولم أعد أعي ما يدور حولي . دخلنا اسطنبول قرابة العاشرة ليلا ، واتجهنا إلى حي ( ليفنت ون ) .سرنا داخل القسم الأوربي أكثر من نصف ساعة ، اسطنبول مدينة إل 15 مليون نسمة ليلا .مساحتها في القسم الأوربي قرابة خمسة آلاف كم مربع ( مساحة المدينة فقط ) . ودخلنا منزل خالو فراس ، لتستقبلن زوجته الأوربية ،وصغيره الأمير الأمور ، والكلب والقطة في المنزل ،دش سريع ، وكأس شاي ، وبعض أدوية القلب . وغفوت على أريكة الصالون وهم يتحدثون معي . وإلى صباح اسطنبولي جميل مع النوارس والحمام والزهور والعصافير ، وفنجان قهوة على شرفته الصغيرة ترد الروح . استعدادا للانطلاق لمعانقة واحدة من أجمل مدن العالم تجمع بين قارتين وثقافتين الشرق والغرب . وهناك على أسوار القسطنطينية القديمة سوف أسمع آلام من نساهم التاريخ ، والذين بسواعدهم دخل محمد الفاتح الفتى الصغير القسطنطينية / ليتحدث التاريخ عن القائد ناسيا من هم المقاتلين في ( انكشاريته ) .وقد لا أتحدث أنا نفسي عن أولئك الجنود الذين ماتوا ليمجد اسم محمد الفاتح ، ويكون له جسر آخر يربط قارتين أسوة بجسر البوسفور . في الصباح انطلقنا أنا ( وخالو) فراس ، لنبحر عباب شوارع اسطنبول وأسواقها ومقاهيها ومطاعمها ، لساعات ، ونحط رحالنا في منطقة آية صوفيا ومسجد سليمان وبقية المشاهد والقصور العثمانية وسور القسطنطينية ، أو ما تبقى منه .. مكان خلاب يشهد تحول الكنائس إلى مساجد (نوع من التسامح ) .المجموعات السياحية تملأ المكان ،وبائعو الحبوب منتشرون في الساحات ، حيث يشتري الناس الحبوب ويطعمونها لطيور الحمام التي تسير بأمان قرب الزوار . مشهد روحاني زاده حبا وجود الحنون (خالو ) فراس بجانبي . جمالية المكان طاغية ، ولكن تحتاج لحالة نفسية مستقرة لشخص مثلي بظروف صحية ونفسية صعبة، تشوش إدراكه تماما التعبيرات الخفية لإبداع الإنسان المعماري الذي أنشأ هذه الكتل الجمالية على ضفة البوسفور .التجوال أذنا إلى ضفة مضيق البوسفور المليء بالسفن السياحية والعبارات وسفنا للنقل ،حركة وضجيج وناس كثر جدا . من مكان وقوفك تشاهد قارة أخرى وثقافة أخرى، وربما عالم آخر. قارتان يصل بينهما جسران معلقان ( البوسفور ومحمد الفاتح ). أصر خالو فراس الطيب أن يأخذني إلى شاطئ البحر الأسود ،وذهبنا من طريق كله أحراش ،وعدنا من أحياء شعبية وجبلية ومررنا في نفق طويل( أكثر من 2 كم ) كم اسمه نفق( مسلك). كما مررنا في أحياء شعبية سكانها ألبان وبوسنيين ، وآخرون من مسلمي البلقان هجرتهم الأحداث والحروب مثلي وسأذكر هنا ثمن كأسين من الشاي ،وفنجان قهوة على البوسفور ( 35 ليرة تركية ). في أثناء جلوسي على مقاعد باحات آية صوفيا ، كان عقلي يستعرض الخيارات المطروحة أمامي ، اسطنبول لم تكن هدفا لي لولا وجود الحبيب خالو فراس بها .( البقاء في تركيا لاجئا ، التوجه إلى الأحبة أهلي الكرد في إقليم كردستان العراق ، التوجه إلى أوربا الغربية نهائيا ولاجئا ، العودة إلى الوطن حيث أسرتي ,أهلي السوريين جمعيا ) قرار سريع اتخذته بيني وبين نفسي بدون نقاش مع أحد وهو : العودة إلى سوريا جوا بالطائرة عبر مطار بيروت ،وترانزيت إلى مطار اللاذقية . أبلغت خالو فراس بالقرار النهائي ، وتفاجأ (مثلما سأتفاجىء بما جرى لي عند دخولي وطني بمطار اللاذقية ) . حاول إبقائي أسبوعا في ضيافته ،ولكني رغم كل المحبة التي أحاطني بها ابن أختي الحبيب (خالو)فراس كان قراري نهائيا . لأسباب كثيرة منها الغلاء الفاحش في تركيا، كوني غير مرتاح نفسيا، ولن أتمتع حتى بجمالية المكان. ولا أريد أن أكون مترددا، اتخذت القرار وهكذا بدأا لاستعداد للحجز والسفر بالطائرة التركية إلى بيروت ،ومن بيروت ترانزيت بالسورية إلى مطار اللاذقية . في اسطنبول أبنية شاهقة ، وماء غير صالح للشرب من الصنابير طبعا ، وضجيج الطائرات لا يتوقف ليلا نهارا (بمعدل كل ثلاث دقائق طائرة تهبط أو تقلع في سماء اسطنبول ). وتعتبرا لأسعار في سوريا لاشيء أمام الأسعار في اسطنبول .( رغيف خبز ب ليرة تركية ، زجاجة ماء صغيرة ليرة تركية ، ليتر البنزين 4،5 ليرة تركية ، المازوت4،2 ليرة تركية .باكيت الدخان الذي كنت اشتريه في سوريا ب 50ليرةسورية ثمنه في تركيا ست ليرات تركية ( الليرة التركية تساوي وقتها 60 ليرة سورية ) . موعد الطائرة الى بيروت الواحدة فجرا ، بقينا نتجول حتى العاشرة في كل مكان في الجانب الأوربي من اسطنبول ( كان خالو فراس قد خطط أن يكون اليوم التالي هو الانتقال إلى الجانب الأسيوي من المدينة ، ولكن قرار قطع عليه كل مخططه الجميل . في العاشرة ليلا عدنا إلى منزله ودعت الأمير وأمه ، وتوجهنا بهدوء إلى مطار اسطنبول ( المسافة نصف ساعة بالسيارة،وبدون عجقة السير ). أنجزنا الإجراءات ،وذهبنا إلى الشرفة نحتسي الشاي ونراقب حركة إقلاع وهبوط الطائرات ، بقينا حتى منتصف الليل . وبعدها ودعت الحبيب (خالو فراس ) .الذي عانقني بحرارة ،وأعاد تكرار طلبه بأن أراجع قراري بالسفر والبقاء عدة أيام أخرى،وانه كان سيأخذني إلى تقسيم حيث أجمل صبايا تركيا هناك لنتمتع بحوريات الأرض بعيوننا طبعا ، ونجلس في مقاهيها وكافيترياتها الفاخرة ، ولكن كان قراري ثابتا .. ختم جواز سفري بسرعة ولطف، ثم تفتيش أول مرة على الأجهزة، وتفتيش مرة ثانية على أجهزة متطورة أخرى مع خلع الأحذية والأحزمة، وتفتيش قبل الدخول في الممر المغلق الموصل للطائرة ( كل أنواع التفتيش كانت آلية ) وعلى الجميع بدون استثناء. قرابة الواحدة والنصف فجرا أقلعت الطائرة التركية نحو بيروت ، كانت الطائرة ترتفع بسرعة، واسطنبول الجميلة كتلة من الأضواء المتوهجة من الجو . هناك على الأرض تركت قمرا رائعا هو ابن أختي فراس طلال معلا ، وهو ابن الفنان التشكيلي المعروف . تركت فراس قمرا ملأ قلبي المنكسر بالدف والحب والعطف، فراس الصغير كبر، وصار قمرا يضيء سماء وروح كل المنكسرين والمتألمين . كانت اسطنبول تختفي رويدا رويدا ، وحده وجه ( خالو ) فراس قمرا يضيء الأرض التي غادرتها ، كانت ابتسامته ترافقني في الطائرة فوق البحر المتوسط . (خالو ) فراس كان اسما جديدا يزين مدينة اسطنبول وابتسامة صادقة أعرض من مضيق البوسفور ، وبحرا رابعا يطوق اسطنبول بنو ارس الحب / فراس كان قمرا سوريا أنار قلبي النازف بالحزن والقهر . رفقتنا المطبات الجوية بكثرة ، وطنين الأذن ، والسفن الكبيرة المنارة والتي كانت تمخر عباب المتوسط . في الثالثة والنصف فجرا كنا فوق سماء بيروت .

وللحديث صلة
محمد غانم 26 / 4 / 2013 م .

 سوريا أولا وأخيرا فقط مكان يرتاح فيه التاريخ على وسائد المحبة.