الرئيسية » شؤون كوردستانية » الطريق إلى اسطنبول ( الجزء الثالث )

الطريق إلى اسطنبول ( الجزء الثالث )

على جسر الشيوخ
انطلقت سيارة الدفع الرباعي بإتجاه نقطة الحدود السورية التركية ، ودعنا حواجز وحدات حماية الشعب الكردية ( يبكا ) بكل احترام وحتى بدون تفتيش السيارة ، وهم من فتش سيارة هفال شيار نفسه عند دخولنا بالأمس مدينة كوباني ، رغم معرفتهم به ، بل أن هفال شيار هو قائد قوات ( اليبكا ) في كوباني . فوجئت حينها بأن عناصر حواجز اليبكا أغلبهم من صبايا الكرد ،وعلى الحواجز الليلة شاهدت بأم عيني نساء بلغن الستين من العمر يحملن السلاح مع بناتهن ويقمن بحماية طرق ومداخل كوباني . وللتاريخ أقول أنهم فتشوا سيارة هفال شيار ، ولم يفتشوا السيارة التي كنت بها عند دخولي كوباني . بالطبع وأكيد أن هفال شيار قد أخبرهم من في السيارة التالية .
آخر حاجز قطعناه للأخوة الكرد في طريقنا إلى كوباني كان مختلطا ، نساء ورجال ، شباب وصبايا ، تملأ شفاههم الابتسامة وهم يودعوني مع الدكتورهفال أبو آراس ، ورفيقه الثاني من أحد قادة الأحزاب الكردية ، وعضو الهيئة الكردية العليا ( بكل أسف نسيت أسمه هفال ابو …. ).
على الطريق الى جرابلس كانت الأرض خضراء تموج بالقمح العذي ، والأرض ملونة بالشقائق والأقحوان والبنفسج والليلك وآزهار أخرى أجهل اسمها .. حقول واسعة من القمح والشعير والكمون والعدس على طول الطريق ، وكلها تسقى بماء المطر ( عدي ) .إلا ما خلا عبر آبار عميقة ومحركات تعمل على المازوت .
كنت بلهفة لرؤية نهر الفرات عند دخوله الأراضي السورية ، زرته سابقا كما ذكرت وقطعت الجسر الحربي من زور مغار إلى جرابلس في وقتها .
أخبرني الدكتور أبو آراس بأننا سندخل الشيوخ لملاقاة أحد الأخوة الشيوخ الذي سيرافقنا إلى الحدود لأن الجهة التي تسيطر على معبر جرابلس هي جهة غير كردية ..
ما يعكر جمال الطبيعة هو كثرة الدخان المنبعث من ( مصافي النفط الأهلية الكثيرة والبدائية ). دخلنا الشيوخ وانتظرنا مع بعض الأخوة العرب ( ابو نواف وآخرون الشيخ ابو عمر ) .جلسنا في منزل فيه مصفاة نفط متطورة نسبيا وجرى حوار بين ابو آراس وصاحب ( مصفاة النفط ) ، حيث أصوات المحركات القوية ، ابتعدت عن ضجيج المحركات القوية ورائحة الزفت ، جلست جانب الطريق على كرسي مع القيادي الكردي وبعض الشباب ، جاءت القهوة المرة وتلتها القهوة الحلوة ، وعزم علينا صاحب المنشأة لنبقى للغداء ، اعتذر أبو آراس كونه مرتبط بموضوع تسفيري إلى تركيا قبل إغلاق الحدود . تجولنا في سوق الشيوخ وأعلن هفال أبو آراس بأننا سنأكل أطيب مشبك في سوريا ( طيب وناهي ) . وجلسنا في دكان الحلويات الشعبية وطلب أبو آراس قرص مشبك كبير وخاص محمر ، وطازج وحار ومتشرب قطرا جديدا وبزيت جديد . ( صاحب دكان الحلويات من الأخوة الكرد ويعرف أبو آراس وقام بإعداد قرص من المشبك الخصوصي والرائع فعلا ) أكلنا وشربنا الماء الفرات العذب بعده ، ثم اتجهنا إلى أحد مكاتب السيارات لنشرب القهوة العربية المرة . في مكتب السيارات سأل أحدهم عن سعر سيارة الدفع الرباعي ( الجيب ) التي يملكها هفال أبو آراس عن سعرها وإن كان يبيعها مزح أحد الأخوة الحضور قائلا : يا شيخ كبر عليها وتصيرلك . ضحك الجميع على التعليق رغم أن قضية التكبير وبعدها التملك هو أمر شائع ، وعادي في سوريا في أوساط بعض الجماعات المسلحة . جرت أحاديث عن اوضاع السوريين في المخيمات التركية ، وجرى هجوم على كثير من اسماء المعارضة الخارجية ، وبأنها لا تمثل السوريين ولا مصالحهم وأنهم أدوات الخ . ( كان مؤلما ما تحدثوا به عن أوضاع السوريين في المخيمات التركية ، ولا أرغب في ذكر ما قيل ) .
وصل الشيخ ابو عمر إلى مجلسنا ،وبعد السلام دعانا إلى منزله ، ولكن هفال أبو آراس قال له لدينا مهمة مستعجلة وهي إيصال الأستاذ محمد إلى تركيا بأمان لأنه سيسافر إلى أقاربه في اسطنبول . سأل الشيخ عني وعرف أني من الرقة ، سأل عن أخبار الرقة وما جرى بها . ومن الجهات التي دخلت (اسماء الكتائب) . اختزلت الحديث بأن الوضع سيء جدا في الرقة ، ودخول المعارضة إلى مدينة غير محمية أصلا بقوات عسكرية خطأ لأنه تسبب بتشريد مئات الآف من الرقاويين وممن لجأ إلى الرقة من المحافظات الأخرى . صعدنا إلى سيارة هفال أبو آراس وكان الشيخ أبو عمر من الأمام مع بندقيته الروسية ، وأنا وعضو الهيْة الكردية العليا في الخلف ، ووضعت اربع بندقيات روسية تحت حقيبتي ، وأنطلقنا فوق جسر الشيوخ نحو جرابلس التي هي في الطرف الآخر من الجسر . لم توقفنا الحواجز لأن الشيخ أبو عمركان معنا ، كان كافيا لهم رؤيته حتى يلقوا التحية قائلين : الله معك شيخنا . نظرت الى نهر الفرات بفرح ممزوج بأسى المغادرة ، هذا النهر هو أخي وأبي وأمي وأولادي ، هو أحبتي كلهم الأحياء والأموات ، هو متكون في كل خلايا جسدي .
الفرات صديق السوريين الوحيد ، هو من يروي عطشهم ، هو من يسقي قمحهم وقطنهم ، هو من يفسل أجسادنا ويطهرها من رجس أفعالنا . الفرات وحده كان يعطي السوريين ولا يسأل عن الثمن ، ومن تكون . الفرات حاضن لسهراتنا وعشقنا ، الفرات هو تاريخنا الذي عشناه على ضفافه الطاهره .. رفعت يدي ملوحا للفرات على وعد اللقاء ، لأن من ينسى الفرات ليس سوريا ، وليس أصيلا ، ارسلت مع الفرات تحية الى مدينتي الرقة ودخلنا جرابلس .
على نقطة الحدود كانت السيطرة لنفس الجهة التي يتبع لها شيخنا الجليل ابو عمر .. سمحوا لنا بالدخول إلى البوابة بالسيارة ، ولكنهم أخذوا سلاح الشيخ أبو عمر ، ولم ينتبهوا لما كان تحت حقيبتي من أسلحة أخرى . ( لم يفتشوا السيارة أصلا كرمى للشيخ ابو عمر ).
بقيت في السيارة ونزل الشيخ ابو عمر وهفال أبو آراس إلى مكتب الخروج بعد أن أخذوا جواز سفري مني ، بعد خمس دقائق عادوا ومعهم جواز سفري ، وبطاقة مكتوب عليها أسمي ، ومختومة بختم الجهة التي تولت المعبر وهي ذات قيمة مالية دفعها الأخوة الكرد .
انتقلنا بالسيارة حوالي خمسة عشر مترا او اكثر بقليل بالسيارة حتى وصلنا إلى البوابة التركية ، استلم مني شاب سوري البطاقة ، ولم ينظر حتى إلى جواز السفر وقرع البوابة الحديدية التركية . فتح رجل الأمن التركي الباب ، وطلب مني الدخول ، عانقت الشيخ أبو عمر وهفال أبو آراس وهفال الآخر، وشكرتهم كثيرا .
على البوابة تماما قال لي هفال أبو اراس :سنبقى هنا في الجانب السوري من الحدود حتى تتم اجراءات دخولك ، وعندما تدخل إلى السيارات المتجهة إلىمدينة ( نزب ) اتصل بنا .
طبعا جميعنا يحمل هواتف تتبع لشركات اتصالات تركية . انهيت الاجراءات التركية ، وفتحت لي بوابة أخرى إلى الداخل التركي ، بعدأن تم تدقيق ختم الدخول . وهناك كانت سيارت ميكرو باص تصيح بالعربي والتركي ( نزب .. نزب ) . صعدت إلى واحدة منها ، واتصلت بالأخوة هفال أبو آراس ومن معه معلما إياهم أني داخل تركيا الآن وبشكل نظامي ، وشكرتهم ثانية وطلبت منهم مغادرة الحدود .
اتصلت بأسرتي من هاتفي التركي لأقول لهم : الحمد لله أنا الآن في تركيا متجها إلى مدينة نزب التي تبعد عن الحدود قرابة 30 كم ، ومنها سأكون في
الطريق إلى اسطنبول . حيث ينتظرني فراس الحبيب ابن أختي . وأنا في الطريق إلى مدينة نزب ، وهي أول مدينة تركية صغيرة تجاور الخط الدولي للسفر البري ، وفيها محطة بولمانات حديثة لشركة ( بين ) . وهي تنقل المسافر إلى جميع أنحاء تركيا .
أثناء السفر من الحدود الى نزب كان اغلب الركاب من السوريين والميكروباص حمل اكثر من خمسة ركاب مخالفين ( بدون مقاعد ) قلت للسوريين نحن في تركيا جغرافيا وسياسيا ، ولكننا لازلنا بطريقة السفر في كراج الصاخور للفوكسات.( حيث الكرسي المخالف المسمى الممتاز ).
أتصلت بمضيفي في كوباني هفال أبو يحيى الذي لم يتركني طوال الطريق وهو يتصل للإطمئنان على صحتي وسلامتي / مرة أخرى شكرته على ضيافته واهتمامه الكبير بي ، وطلبت منه أن يبلغ شكري لكل الأخوة في ال ( يبكا ) وأسايش جلبية ، وهفال شيار وأبو آراس ومختار كوباني  وعشرات الشباب الذين لا أعرف من اسمائهم سوى ( هفال ). وأبو محمد بالرقة ، والأخوة الشباب الذين كانوا يحرسون حي الأكراد ، والصديق هفال آزاد برازي من الهيئة الكردية العليا ، والأخوة الأحبة ابن عمتي سعد عبدي أبو عبود ، ووالد الشهيد فرهاد وغيرهم من الأحبة الكرد في الجزيرة السورية العليا . ومن أجلكم ايها الأحبة سنعمل على شعار محافظة كردية ( من زور مغار إلى عين ديوار ) من نهر الفرات إلى دجلة بإسم محافظة الجزيرة العليا ومركزها مدينة سري كاني . والتي يجب أن تضم منطقة كوباني ، وتل أبيض ، وسري كاني ، وتل تمر ، والدرباسية ، وعامودا ، والقامشلي ، والمالكية ،وترب سبيه ، وتل كوشر ، ومايتبعها من قرى ونواحي وبلدات لتكون مكانا آمنا عادلا يجتمع فيه كل السوريين بمحافظة غالبية سكانها من شعب الوفاء الكردي .
في نزب اتصلت ب ( خالو فراس ابن أختي ) ، وابلغته أني في نزب ، وطلب مني البقاء هناك ليأتي لإصطحابي إلى اسطنبول .. وقد رفضت أن اتعبه، ورجاني أن آخذ البولمان فقط لمدينة غازي عنتاب ، وهي تبعد عن نزب للغرب 30 كم تقريبا ، وأنه سيحجزلي بالطائرة إلى اسطنبول من غازي عنتاب .. شكرته وقلت : يا خالوا رغم تعب السفر البري ، ولكنها فرصة لأشاهد قسم كبير من تركيا برا ، وأمتع عيني بجمال الطبيعة ، كوني من الذين لا ينامون بالسفر .
اتفقنا على أن آخذ البولمان إلى ازمير ( 1200 كم عن نزب ) وأنه سينتظرني في ازمير ، وبعدها سينقلني بسيارته الخاصة إلى اسطنبول ، حيث يقيم . حجزب بشركة تركية محترمة للنقل البري تدعى ( Ben ) . وفوجئت طبعا بسعر التذكرة من نزب إلى أزمير وتقارب اربعة آلاف ليرة سورية ، وهو رقم كبير بالمقارنة بأسعار النقل في سورية بالبولمانات الفاخرة الفاخرة ( رجال أعمال ؟ ! ) . سألت عن زمن السفر للوصول إلى ازمير فقالوا لي : بدها ثمان عشرة ساعة او أكثر يقليل .
طبعا للتأكيد أن خدمة البولمان المزود بمعاون ومضيف اضافة للسائق ، كانت ممتازة من حيث الضيافة المتكررة في كل محطة يتوقف بها البولمان الذي حددت سرعته القصوى ب 70 كم / ساعة .
في الخامسة إلا ربع مساء أنطلقت الحافلة من مدينة نزب الصغير بإتجاه ثاني أكبر المدن التركية على شاطىء المتوسط ازمير ، المشهورة بخليجها الراائع ونوارسها وطيور الحمام ، وصباياها الجميلة ومقاهيها الرائعة على الخليج .
على الطريق تشاركت الصمت مع الخضرة وجمال الطبيعة ، لعدم وجود من يتحدث العربية . وأخذني الصمت والهدوء ودفء الحافلة إلى حياتي التي عشتها في الرقة ، إلى اسرتي وأحبتي الذين تشردوا في الأرض ، في بلاد النفط الاعرابية ، الى تركيا ، ولبنان ، والأردن ومصر ، واوربا الغربية ، الى النروج وكندا وامريكا الجنوبية والشمالية ، إلى استراليا واليابا ن .
سوريون ، ورقاويون انتشروا في كافة المدن السورية ، هربا من أنفسهم ، دخلوا في ليل ،بعضهم نهش لحم البعض الآخر ، واستباح دمه وماله وعرضه .
كنت لا ازال أسأل نفسي : أي وحش هذا الذي تربى بيننا ، كان كل شيء ينفجر. الولاء للوطن ، والإنتماء الوطني ، المحبة تذبح ابتداءا من الانفجار السكاني الكبير ، إلى انفجار القذائف والصواريخ ، التي شظتنا نحن السوريين إلى عصر ما قبل الدولة الوطنية ، سوريا الوطن الجميل التي لم تكن ترضي أحدا من الإيدلوجيين ( من اسلاميين وقوميين عرب وبعثيين وقوميين سوريين ويساريين شيوعيين ، إلى حيويين ، وليبراليين الخ ).
سوريا الآن تصغر أكثر لتصبح امارات بلا نفط يحكمها الخراب والدمار. ويلعب بحسبتها الكبار والصغار من الداخل والخارج ، والكل يهتف للحرية المقدسة ؟؟؟!!!، ولكن اليوم وبعد أكثر من عامين ، أكثر من 75 % من السوريين يترحمون على أيام الأستبداد ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!.
لقد خسرنا الأمان والسلام الوطني ، ولم نربح الحرية والكرامة والعدل والديمقراطية والدولة المدينة .. السوريون نعم السوريون على مختلف مشاربهم ، وبشكل أو بآخر ساهمنا بتدمير بلدنا مؤيدين ومعارضين . وصرنا كرة مهترئة ومنبوذة في الملعب الدولي الذي لا يرحم الأغبياء . ( الكل يحتقرنا ،ويستتفهنا ، وسنأتي لاحقا على المعاملة السيئة التي تلقاها كل السوريين من الأمن العام اللبناني في مطار بيروت – – – صارت معاملتنا أقل احتراما من أخواتنا الخادمات السرلنكيات ، مع محبتي واحترامي للشعب السرلنكي من السنهال إلى التاميل ) .
رؤى سوداء انتابتني وأنا في الطريق إلى ازمير ، حيث سألتقي بالحبيب (خالو فراس الطيب الأمور ، والذي لم أره من سنوات طويلة ).

سوريا فقط اولا وآخرا في ذكرى الجلاء الوطني 17 / 4 / 2013 م