الرئيسية » مقالات » (نلكح من طلع نخلتنه كل بستان) النخلة العاشقة

(نلكح من طلع نخلتنه كل بستان) النخلة العاشقة

الكثير يعتبر النخل سيد الشجر وهناك بيت شعر للجواهري الكبير بمقصورته العصماء بهذا الباب يقول فيه ، ( على النخل ذي السعفات الطوال / على سيد الشجر المقتنى / على الرطب الغض إذ يجتلى / كوشي العروس وإذ يجتنى) ، وربما النخل الشجر الوحيد الذي يستفاد من كل جزء فيه ، بدءاً من الساق وصولا للجذع والسيقان والأوراق ، وحتى الجذر الذي بجوف الأرض له فوائد جمة يعدها المختصون بالزراعة ، ناهيك أن التمر من أغنى الفواكه بالفيتامينات التي تمد الجسم بما يحتاجه من طاقة وسعرات حرارية ، ( بيت لا تمر فيه جياع أهله ) هذا ما روّي عن الرسول الأعظم ( صلعم ) ، أضف لذلك أن الكحول تستخرج من التمر ، والكحول دخل الصناعات الطبية وغيرها ، وكذلك مادة ( الدبس ) التي تعتبر من متطلبات بيوت الفقراء ، وكثير من صناعة الحلوى تنتج من مادة التمر ، ونوى التمر مفيد كعلف لكثير من الحيوانات وفي مقدمتها الجمال لاحتوائه على الكثير من المواد ( البروتينية ) والدهون ، وجذع النخلة يستخدم كسقوف لبيوت فقراء الناس ، وما أكثر الفقراء في العراق ، و (( جريد )) النخل هكذا يسمى عند العامة أي (السيقان الطرف ) بعد نزع الأوراق ((الخوص )) وهذه تسمية العامة أيضا ، ويستخدمه العمال المختصون بهذه الصنعة النادرة في كثير من الصناعات وهي ( الأسرة ، الكراسي ، أقفاص الطيور الأليفة والمهجنة ) ، وأما الأوراق ( الخوص ) فتستخدمه النسوة في كثير من الصناعات البدائية ومنها ، ( الزنبيل ) وهو السلة أو السلال الصغيرة لوضع ما يشترى من الأسواق فيها ، المروحة اليدوية ( مهفة ) ، مكنسة لتنظيف البيوت ، الحصر – الحصران -/ وهي عبارة عن نسيج من الخوص يخاط بعض لبعض ويفرش في بيوت الفقراء للجلوس والمنام عليه أيضا ، وأما الآن فأصبح من الصناعات التراثية لانقراض هذه الصنعة ) .
الحج لبيت الله الحرام خمسينات القرن الماضي يختلف عن حج أيامنا هذه ، كانت الرحلة تستغرق أكثر من شهرين وقد تصل لثلاثة أشهر متتالية ، وقسم من الحجاج ينطلق لبيت المقدس أولا ومن ثم الذهاب للديار المقدسة والعودة عن طريق إيران بعد زيارة مشهد الإمام الرضا (ع) ،ومنهم من يذهب لإيران ثم الديار المقدسة ثم العودة من بيت المقدس ، وتهيأت الفرصة لوالدي الفلاح أن يحج بيت الله الحرام ، أنطلق موكبهم لبيت المقدس مرورا بالديار المقدسة وعودة عن طريق المحمرة ثم البصرة ثم الحلة ، جاءنا يحمل بين يديه لينة ( فسيل نخل ) ، قلت له وأنا الطفل الصغير الذي لم يدخل صفوف المدارس بعد ، ما هذا يا أبي ؟ ، أين هديتي ( الصوغة ) ؟ ، ضحك بوجهي وقال لا تستعجل لنزرع هذه النخلة أولا ، لا يزال بملابس سفره وأقاربي تحيط به للسلام عليه وتهنئته بسلامة العودة وهو مشغول أين يزرع نخلته ، أختار لها مكانا قريبا لبيتنا الطيني وهيأ تربتها بعد أن مزجه بشئ من السماد العضوي وزرعها وأمرني بسقايتها وعاد ليرحب بضيوفه الأقارب والأصدقاء ، كان يرقبها ويحيطها بعنايته وسورها بسعف النخيل ليحميها من حيواناتنا المنزلية ، سألته ما هذه النخلة يا أبي ؟ ، أجابني بثقة تامة أني أكلت تمرا من أمها في المحمرة ولم أجد ألذ منه ، وسألتهم عن أسمه فقالوا أنه ( الشُكَر ) بضم الشين وفتح الكاف ، وأضاف أن هذه التمرة طرية وحلاوتها ليست من النوع الذي يحرق القلب ونسميه نحن أصحاب البساتين ( تمرة باردة ) ، قلت له في بستاننا نفس هذا الصنف ، قال لا فهو يختلف عنه وهو أي التمر قابل للجني اليومي وقابل للتخزين السنوي بعد أن يوضع بما نسميه ( كيشه ) ، وهي عبارة عن حاوية تصنع من سعف النخل لحفظ التمر فيها ، شاء الله أن تكبر نخلتنا ( الأحوازية ) وأكلنا من تمرها ، وفعلا كان لذيذا أفضل من ناتج نخلتنا شبيهتها بالتسمية ، ولأن والدي رحمه الله خصها بعنايته فقد ضَخُم جذعها وكبرت سيقانها – الأطراف – واخضرت بشكل ملفت لنظر من يدخل بستاننا الصغيرة ، لم نحصل من تمرها إلا القليل لأن والدي كان يوزعه لأصدقائه المقربين ولأقاربنا ، ومؤكد أن النخلة سيكون لها فسائل كثيرة لذا أحتفظ ببستاننا أكثر من فسيل ووزع الباقي لمن يحب ، فوجئنا أن رأس النخلة بدأ يميل جهة الشرق وبدا ذلك واضحا بمرور أشهر السنة ، ذهب لدائرة الزراعة ولم يحصل منهم على جواب شاف ، قال أحد الفلاحين المعمرين أنها أصيبت بداء ( الجرنيبه ) – تسمية محلية تختلف من مدينة لأخرى – وهي حشرة تشبه الأرضة تنخر رأس النخلة وجذعها لتصل إلى اللب وهو الغذاء لتلك الحشرة ، عالجها بمبيدات كيميائية ولم يحصل على نتيجة ، قالوا له أحرق رأس النخلة بالنار ، وفعلا حرقها وماتت الأطراف فترة واخضرت من جديد وبقي رأس النخلة مائلا أيضا ، أحتار في ذلك كثيرا وخاف أن يفقد نخلته النادرة ، ونصحته جارة لنا من أهالي الناصرية أتت مع أبنتها المعلمة التي عينت على ملاك تربية بابل واستأجرت دارا لنا قرب البستان وقالت له أن نخلتك عاشقة ، أجابها بتعجب واضح نخلتنا عاشقة !!!؟ ، قالت هكذا يقال لمثل هذه الحالة في الناصرية ، وحرام عليك أن تلقحها من طلع ( الفحل ) الموجود ببستانكم وعليك أن تطلب لها طلعا من ( فحل ) البستان الذي مالت أليه ، وفعلا السنة القادمة أخذ لها لقاحا من البستان التي مالت نخلتنا نحوه ، وأنتجت تمرها دون أن يعود رأسها للاعتدال مجددا ، لم يكترث لذلك وقال ربما السنة القادمة ، ومرت السنين ونخلته كما هي ، وتذكرت شطر بيت أستثمره الشاعر الشعبي الراحل ( كاظم الركابي ) بقصيدته ( مناجل ) بهذا المضمون الذي يقول فيه ( ونلكح من طلع نخلتنه كل بستان ) ، دلالة على الفكر ألأممي الذي أراد أن يسود الدنيا ، ولكن جهود والدي كلها باءت بالفشل وأستسلم لأمره معللا نفسه أنه طالما لم يتغير الناتج ولم تقل كميته عن السنين الماضية لذا أذعن لمصير نخلته وقبل بواقعها المر .
كبرنا ورحل والدي وأستملك بستاننا لتوسعة مركز مدينة الحلة الفيحاء ، وبنينا دارا كبيرة بنفس مكان بستاننا التي أصبحت جزءا كبيرا من حي يسمى ( الخسروية ) ، وزرعت بحديقة دارنا نخلة نادرة جلبتها من محافظة البصرة ( برحي ) ، وهي أفضل من نخلتنا التي مرضت وقصت من قبل بلدية الحلة ، وتمتاز نخلة ( البرحي ) بميزات تشبه نوعية ( الشكر ) وتتفوق عليها ، والنخلة التي رعيتها تعملقت ، وكبر جذعها وأطرافها بشكل ملفت للنظر و يسمونها الفلاحون ( طاغية ) ، و( للبرحي ) ميزات كثيرة تختلف عن بقية النخيل ، منها أن ( العثق / العثك ) يكبر بأكثر من ضعف عن بقية النخيل ، و( للعثق ) زند – ساق أخضر يوصل الغذاء لحبيبات التمر متصلا بقلب النخلة – أطول بكثير عن أخواتها النخيل ، وأطرافها أكبر وأضخم من بقية النخيل ، شاءت الظروف أن يميل قلب نخلتي كما مال قلب أو رأس نخلة والدي ، حزنت كثيرا لذلك وليس بيدي حيلة لأن والدي لم يترك سبيلا إلا وسلكه ، وأصبح الحصول على فلاح يقوم بتلقيحها وتنظيفها مهمة ليست بالسهلة ، وخاصة أنا سمنت وكبرت وليس بمقدوري تسلقها وعنايتها ، وأنا أتابع حالتها خطر ببالي شئ بخصوصها ، لاحظت أن النخلة مالت تجاه الشمال ولاحظت كثرة ( العثوق ) تجاه الشمال أيضا ، بمعنى أن ثقل ( العثوق ) تسحب قلب النخلة تجاه الوزن الأكبر ، تناسيت وزني وعمري وتسلقتها وصعدت لقلبها وبيدي السكين الخاص بقص ( العثوق ) واجتثثتها مع قسم كبير من الأطراف ، وأتبعت عملي هذا العام التالي فلاحظت أن رأس النخلة ( قلبها ) بدأ يعتدل شيئا فشيئا وعادت لما كانت عليه ، هرعت لقبر والدي في النجف الأشرف ووقفت قبالة قبره وقرأت سورة الفاتحة وقت له لقد وجدت علاج نخلتك العاشقة يا أبي .