الرئيسية » شؤون كوردستانية » أنصاريات .. قواعد ومفارز وإعادة بناء تنظيمات الده شت :الحلقة الخامسة

أنصاريات .. قواعد ومفارز وإعادة بناء تنظيمات الده شت :الحلقة الخامسة

بحذر شديد خرجنا من المكان الذي كنا نحتمي فيه وانحدرنا إلى المنخفض حيث شقت مياه الأمطار في الشتاءات الممطرة قنوات عشوائية في اسفله توصل إلى وادي ألآبار ويقوم صيادوالطيور بنصب الفخاخ على جوانبها كونها ارض رطبة تلجأ إليها الطيور لتهوية نفسها والتمرغ في ترابها والتقاط حبات القمح وثمار الحشائش النابتة في بعض أماكن الشقوق علاوة على الحشرات وغيرها وثم الوصول إلى الآبار للشرب من المياه المنتشرة حول أفواهها ، سرنا لمسافة محددة وجدنا عددا من العصافير والزرازير وطيور القطى واليمام والحجل واقعة في فخاخ الصيادين وثم فجأة وجدنا صيادا قادما لينتزعها ويعيد عملية نصب الفخاخ ، ولذلك كان علينا وعلى وجه السرعة الاختفاء في شق جانبي ، لحين انتهاءه من مهمته التي لم تكن تحتاج إلا إلى عدة دقائق سريعة وبعدها مباشرة تركنا الشق وواصلنا السير إلى وادي الآبار الذي لم يبق للوصول إليه إلا امتار معدودات.

توقفنا سريعا عند أول بئروقلت لرفاقي إنه يعود إلى والد رفيقنا النصير توفيق و قلت لهما لكننا سنشرب من ماء بئر آخر معروف بعذوبته إلى جانب ماء عدد قليل من الآبار في هذا الوادي و يسمى بئر “خليل عبو” وهو من أهالي قرية ختارة وهذا البئر يعد  من الآبار القديمة في هذا الوادي وتستخدمه عائلته بالدرجة الأساسية لسقي قطيعها والتزود به ونقله إلى ختارة ، ولكن هذا لم يكن يمنع بقية الأهالي من الاستفادة منه ، وعندما توقفنا عند حافته سألوني عن وسيلة لسحب الماء من البئر ، فذهبت سريعا إلى مخبأ الدلو حيث كنت أتذكره ، فوجدت إنهم استبدلوه بصفيحة دهن من حجم 16 كيلوغراما مع قص قسم منها ، يتوسط فوهتها وتد خشبي مربوط من وسطه بحبل طويل على قدر عمق البئر الذي كان يصل إلى حدود 15 مترا ، حملتها وأنزلتها إلى قاع البئر فامتلأت سريعا وسحبنا الصفيحة حيث كانت مياهها صافية وباردة شربنا منها ما روى عطشنا ، وثم جلسنا حول البئر من أجل الغسل وانتزاع ما نستطيع انتزاعها من الأشواك المغروسة في أطرافنا وفي أماكن أخرى من أجسادنا ، إذ كانت المئات منها قد اخترقت الجلد وسببت سيلان الدماء بشكل خفيف من كل مكان في مداخلها وكانت قد جفت على الجلد وقمنا بتنظيفها ، قضينا فترة استراحة حذرة هناك استعدادا للتوجه إلى القرية بعد أن قررنا خطة للأيام اللاحقة وما ينبغي الإقدام عليه في ظل وضع معقد .              

كان عليً أن أبذل مزيدا من الجهد لترتيب الأمور بخصوص انتقال كل من صباح وأبو خلدون إلى مدينة الموصل ، فأولا كان لابد لنا أن نجد حلقة وصل آمنة للاتصال بأهلي ، ولهذا قررنا أن أذهب أنا أولا إلى بيت أختي المتزوجة في ختارة  khatara” لمعرفة إمكانية البقاء عندهم والقيام بالاتصال بأهلي في دوغاتا Dogata “، ففي ظلمة حالكة وصلنا إلى أطراف القرية وتركت رفيقاي في العراء وذهبت إلى أختي ، ولما طرقت الباب وعرفوا بأنني من أطرق ، شعروا بفرح شديد ، فاستقبلني أفراد العائلة بالدموع في احضانهم ولما أراد (1) “الشيخ الجليل شيخ حسين” أن يسحبني إلى الداخل قلت له أنا لست وحيدا ، بل معي اثنان من رفاقي ، فقال وأين هما .. قلت في العراء نعم إنهما في العراء خارج القرية ، عاتبني بسبب تصرفي ، وقال لم تكن تحتاج إلى هذا فقد كان عليك أن تجلبهما معك دون معرفة موقفنا ، لأننا في كل الأحوال لن نتخلى عنكم ولن نقبل أن تعودوا أدراجكم وأنتم تطرقون باب بيتنا ، بل سنفعل كل ما في وسعنا من أجل الحفاظ عليكم لأي وقت تشاءون ، فأنتم بمثابة أبنائي ونحن عائلة واحدة  وهذا بيتكم ، شعرت بفرح عظيم إزاء موقف العم شيخ حسين وكل أفراد العائلة وقلت مع نفسي إنها بداية حسنة ستساعدنا على إيجاد الحلول لوضعنا المحرج ، علما لم أكن أتوقع غير هذا التعامل منذ البداية ، فرافقني أحدهم للمجيء بصباح وأبو خلدون .

لأول مرة منذ أيام طويلة شعرنا بالاطمئنان إلى حدود بعيدة كون هذه العائلة لا تتدخل في السياسة ، ولذلك فإنها بعيدة عن الشبهات وكان من الصعب أن يتصور رجال السلطة بأننا هناك ، بعد الكثير من الأحاديث خلدنا إلى نوم هانئ في أفرشة نظيفة وبملابس نظيفة . وفي اليوم التالي جرى الاتصال بأهلي وفي عصر نفس اليوم جاءت المرحومة والدتي للقائنا في بيت أختي و كان مجيئها فرحة لا توصف ، فبعد الكثير من الأحاديث جرى الاتفاق معها للعودة إلى دوغاتا لترتيب بعض الأمور التي تتعلق ببقائي في المنطقة ، على ننتقل نحن إلى الكه ند في الليل وكلفتها بتبليغ الرفيق (2) “سمكو مراد عبو” بقدومي إلى داره لذا  كان ينبغي عليه أن ينتظرني عند ساعة متأخرة من الليل وأن لا ينشغل بأمور أخرى لأننا سنحتاجه خلال الأيام القادمة .

في الليل تحركت الدماء في أوصالنا وصرنا اكثر حرصا واندفاعا على اكمال مهمتنا ، فرغم كل شيء أصر كل من صباح وأبو خلدون على المضي قدما ومواصلة المشوار إلى مدينة الموصل وكان ينتظرني الكثير لكي أعمل من أجلهما لغرض إنجاح مهمة الدخول إلى المدينة وثم التفرغ من أجل ترتيب أمور تواجدي في المنطقة ومن أجل إعادة النشاط  الحزبي إلى رفاق أجبرتهم إجراءات البعث أثناء الحملة البربرية على الحزب عن التوقف عن النشاط والعمل السياسي ، والعمل على لم شمل الشيوعيين في قرى تلك المنطقة وبناء خلاياهم السرية من جديد .

لم تتركنا عائلة اختي مغادرتها دون وجبة عشاء ، رغم تكرار وجبات الطعام فيما سبق من الوقت ، حيث كان طبقهم يحمل ما لذ وطاب من الأكل والشرب ، وبعدها كان لابد لنا أن نتسلل إلى ظلمة تلك الليلة بعيدا عن بيوت ختارة ، نتخذ من اتجاهات عشوائية طريقنا إلى كند دوغاتا ، ففي وقت مبكر من تلك الليلة وصلنا إلى (3) “قه نته رى” وبعد ذلك وعند ساعة معينة تركت رفيقاي هناك في كند دوغاتا وتوجهت إلى القرية ، فوصلتها في وقت متأخر وكان سمكو ينتظرني بفارغ الصبر في بيته القديم ولما طرقت الباب عرفني من عدد الطرقات المتفق عليها ففتح الباب دون أن يسأل من الطارق ، كان لقاءي به بعدما تركته منذ أكثر من سنة مليئا بالفرح رغم الحذر الشديد والمخاطر الممكنة وعواقبها لو اكتشف أمر وجودي في بيته ، استقبلتني والدته استقبال ام لولدها وزوجته استقبلتني استقبال اخت لأخيها ولم يتخلف أخيه درمان في التعبير عن عظيم سروره بهذه الزيارة ، قلت له هيا يا رفيقي سمكو فقد حان وقت العمل ، فأبدى كامل استعداده لأي مهمة يكلف بها ، فتحدثت له عن مهمته القادمة ولذلك كان عليه أن يرافقني إلى الكند للقاء صباح وأبو خلدون لاستلام تفاصيل مهمته والتي كانت تتمثل في الذهاب إلى مدينة الموصل واللقاء بالرفيق (4)”ماجد كنجي – كفاح ” لغرض تدبير أمر نقل الرفيقين إلى الداخل ( مدينة الموصل )  .

غادرنا سمكو من قه نته رى في صبيحة اليوم التالي متوجها إلى مدينة الموصل على أن يعود في المساء ونلتقي ثانية في الكند لمعرفة نتائج مهمته ، والتي تكللت بالنجاح ، (أدعو بهذه المناسبة الرفيقين كفاح وسمكو  كتابة تعليقاتهما حول هذا المكتوب أو كتابة تفاصيل ما حققوه بخصوص هذه المهمة بشكل مستقل)  . وجاء معه  ” ماجد “  فأمضى الليل معنا في الكند وفي الصباح الباكر من اليوم الثاني غادرنا ولا أتذكر في أي وقت من النهار كان ذلك ولكنني أعرف إنه أرسل سيارة لنقل صباح وأبو خلدون والتي انتظرت وفقا للاتفاق على الطريق المبلط والذي يوصل بين ألقوش والموصل فأودعت هناك صباح وأبو خلدون ، وكنت اشعر بحجم المخاطرة التي يخوضها هؤلاء الشيوعيون الثلاثة وأعني صباح وأبو خلدون والسائق ومع ذلك كنت واثقا من قدرتهم وحماسهم على النجاح ، ولا أخفي فقد شعرت بالحزن لهذا الفراق وكل منا يسير نحو مهمته المحفوفة بالمخاطر ، فعدت إلى قه نته رى وحيدا أنتظر حلول الظلام للتوجه إلى القرية لكي أبدأ من هناك اتصالاتي برفاقي في القرية الذين تركتهم منذ أكثر من سنة ولكي ابحث عن أبو داود الذي سبقني إلى المنطقة كما ذكرت سابقا فقد كان ذلك ضروريا لأنه كان مكلفا بالتنسيق وقيادة العمل الحزبي على مستوى منظمات نينوى وكان لابد من التشاور والتنسيق بصدد خططنا الآنية فقد كنا ملزمين بالعمل معا ، سواء البقاء في المنطقة لمواصلة المزيد من الاتصالات أو الابتعاد عنها والعودة إلى الجبل لمعاودة الكرة لاحقا .

أمضيت بقية النهار في قه نته رى أفكر مليا بأفعى ذات القرون ، التي تعيش في محيطها حسب روايات أهل القرية والتي تبلغ من الشراسة ما يكفي للتغلب على المرء وقتله ، إذ وفق نفس الروايات إنها استطاعت أن تقتل عددا من أهالي القرية منذ أزمنة بعيدة ولكن لا توجد معلومات كافية عن هوية الضحايا وإلى أي زمن ينتمون ، ليس هذا فقط ، بل كانت نفس الروايات تؤكد إنها تصدر أصواتا شبيهة بصوت الماعز وتهاجم البشر دون أن يردعها شيء ولذلك كان الأهالي يشعرون بخوف شديد بسبب اضطرارهم التواجد حول قه نته رى لأسباب الرعي أو غير ذلك ، ولكن طيلة بقائي في هذا اليوم هناك لم أجد شيئا ولم تهددني أية مخاطر صادرة من اية حيوانات مسمومة أو مفترسة ولكني بقيت كثير الحذر لأنه حتى لو كانت  تلك الأفعى الشرسة غير موجودة فإن غيرها يمكن أن تتواجد في المنطقة وكثيرا ما كنا نصادفها عند تواجدنا في هذه المنطقة فيما بعد . رغم كل الروايات عن الأفاعي وخوف الناس منها سمعت لمرات عديدة أصوات الرعاة وغيرهم يمرون بالقرب من مكان اختبائي في قه نته رى ، وكنت انتظر بفارغ الصبر أن ينقضي النهار لكي أقضي على وحدتي وأستطيع تقرير مصيري بعد سفر رفيقاي إلى مدينة الموصل .

في الليل دخلت القرية بحذر وكانت والدتي تنتظرني مع أخواتي وأخوتي رغم عدم وجود وقت محدد لزيارتي لهم في البيت ، حيث كانوا يسكنون بيتا يعود إلى عائلة مام نايف وكانت تربطنا ولما يزل علاقات طيبة تمتد إلى عقود طويلة من الزمن عندما كنا نسكن (5) “قرية ديرستون ” التي احتلتها أحدى العشائر العربية في بداية الستينيات من القرن الماضي ولحد الآن . تحدثنا كثيرا في هذه الليلة عن كل شيء وسألوني عن كل شيء .. كيف نأكل ..وكيف ننام ..وشكل العلاقة مع جماهير القرى الكوردية وعن السلاح وأعداد البيشمه ركه وشكل العلاقة مع بقية القوى المسلحة من الأحزاب الكورستانية وتحدثت لهم عن معانات مجموعتنا أثناء الالتحاق وتحدثت لهم هذه القصة التي أرويها عبر هذه السطور وكيف استطعنا الانفلات من قبضة محمد علي  وجانكير في بانده وايى ، تحدثت لهم عن أخوي النصيرين المرحومين ياسين وهشام وكم يشتاقان للمجيء إلى زيارتهم ،وكان السؤال الكبير يتكرر بين الحين والآخر ومن واحد إلى الآخر والذي مفاده ” هل أنتم قادرون على اسقاط صدام حسين ونظامه…؟؟؟ ” كنت دون تردد وبسبب حماستي الشبابية المتزايدة أقول نعم نحن عازمون بكل جد من أجل ذلك وسنستطيع .!!

أكدت  المرحومة والدتي عندما تحدثت عن مجموعتنا هذه وحادثة بانده وايى فقالت عرفت من خلال الأخبار الواردة من والدته إن نبيلا محجوز في مركز شرطة ألقوش والشرطة لم تمانعها من زيارته ، لذا وجدت إنها فرصة ممكنة للتواصل معه والبحث عن طريقة لخروجه من التوقيف ، فأكدت والدتي بأنها مستعدة لزيارته هناك برفقة المؤنفلة شيرين زوجة الشهيد ابو فؤاد باعتبارها والدته ، لذلك فكرت بكتابة رسالة له أحثه فيها لإيجاد أية وسيلة للخروج من التوقيف ، المهم توصلنا  بعد هذا وذاك إلى فكرة اخفاء رسالتي في علبة سيكائر، فقد فتحتها من الأسفل بعناية فائقة وأخفيت الرسالة هناك ، وفي الصباح الباكر رتبت والدتي زيارتها مع شيرين “أم فؤاد ” إلى مركز شرطة ألقوش لمقابلة نبيل ، وبقيت نهارا في دارنا وفي غرفة معزولة قريبة من مخبأ يمكنه ان يحميني من أية مفاجأة دهم أو ما إلى ذلك .

  أمضيت نهارا ملئه لقاءات محبة وشوق مع أخوتي وأخواتي إلى أن عادت المرحومة والدتي داي شيرين ” الأم شيرين ” كما كان يناديها رفاقنا وأصدقاءنا ومعارفنا مع الشهيدة المؤنفلة شيرين “أم فؤاد”  في منتصف النهار من ألقوش وهن يحملن أخبارا تؤكد إن نبيلا سيخرج من الحجز ( مركز شرطة ألقوش ) خلال اليومين القادمين ، وهذا الأمر أفرحني كثيرا ولكني لم أستطع معرفة سبب اخلاء سبيله ، المهم تأكدت من إنه عازم على اللقاء بي بعدما يتحرر من الحجز ، وعرفت إن العناصر التي حققت معه ذكرت له أسماءنا الصريحة ولكنه أنكر معرفته لنا بهذه الأسماء وقال لهم إنه يعرفنا بأسمائنا الحركية ولا يعرف أية معلومات أخرى عنا . بقيت في القرية متنقلا من بيت إلى آخر ، أرتب مسألة ايجاد وسيلة للاتصال بالرفيق أبو داود وكنت أعرف إنه أيضا سيحاول الاتصال بي وبسبب علاقاتنا العائلية لم يكن في الأمر صعوبة كبيرة إذ سرعان ما عرفت أخباره وكان من جانبه يتابع أخباري ايضا وحدث أن التقينا في مكان ما لا أتذكره ، فاتفقنا على إجراء بعض الاتصالات بعدد من رفاقنا بعدما تأكدنا من بقاءهم مخلصين رغم تنازلهم عن عضويتهم في الحزب تحت الضغط والإكراه ، وجرى تكليف المرحومة والدتي و المؤنفلة أم فؤاد لهذه المهمة فكان تجاوب البعض منهم ايجابيا ولكننا شعرنا بسيطرة الخوف الشديد على البعض الآخر،على العموم استطعنا خلال هذه الأيام جمع بعض التبرعات واستعداد بعض الشباب للعمل معنا ولكننا التزمنا الحذر بسبب الصعوبات التي عانيناها من جراء ما حدث في بانده وايى وحصول سلطات الأمن في المنطقة على  بعض المعلومات الغامضة عن تواجدنا هناك ، فقد عبأت دائرة أمن تلكيف عناصرها في القرية لمراقبة تحركات عوائلنا ،  حيث افتضح أمر عدد منهم من خلال استفسارهم لأطفال عوائلنا عن ما إذا  كانوا قد التقوا بنا ، وهل حصلوا على هدايا منا ، ولكن حرص أطفالنا كان أشد من مكرهم وكانت أجوبتهم عفوية وضيعت أية خيوط عثروا عليها ، وإلى جانب هذا كان تحركنا وانتقالنا من مكان إلى آخر يجري تحت مراقبة شديدة  وذكية من قبل شبابنا .   

تكررت لقاءاتي مع أبو داود الذي استطاع ترتيب أمور هامة في قرية حتارة بعدما أبدت مجموعة من الرفاق العمل ضمن صفوف الحزب وفق الظروف المستجدة ، وفي هذه الأثناء خرج نبيل من الحجز وتواصلت معه بشكل مستمر حتى التقيت به في أحدى المرات ، حيث روى قصة خروجه من ألمحتجز  وبسبب ثقتي المطلقة به كلفته بالذهاب إلى بانده واي لسحب قطعة السلاح المخفية هناك وأعداد طريق الشعب وكان من المهم جدا أن نحصل على السلاح وهو كان أكثر أهمية بالنسبة لنا من أعداد الجريدة في تلك الظروف ، وفي نفس الوقت تواصلت جهودنا من أجل الحصول على عدد آخر من قطع الكلاشينكوف التي أخفاها المرحوم أبا ماجد بمعرفة والدته داي به هار ، والتي أصرت في البداية بعدم معرفتها بهذا السلاح ، ولكن حاجتنا المتزايدة له دعتنا إلى بذل المزيد من المحاولات لإقناعها في الحصول عليه ، وفي هذه الأثناء عرفت إن نبيل أستطاع إعادة قطعة السلاح المخفية في بانده وايى ، فوجدت النساء الذاهبات لجمع الحصيدي إنه أي نبيل مستلقيا في ساقية محفورة بمحاذاة الشارع العام عمقها أكثر من متر واحد وهي مشروع لإيصال الماء إلى ألقوش ودفن أنابيب الإسالة فيها ، وعندما تجمعت النساء حول الحدث تعرفت أكثر من واحدة منهن عليه ولذلك تعاملن مع الأمر بحذر وجدية فقمن بإيقاظه ، وعندما وجد إن الوقت أصبح متأخرا سلم بندقيته إلى أحدى النساء وأبلغها بضرورة إيصالها إلى أهلي ولحسن الحظ فإن أغلبهن كن من عوائلنا أي تلك المحسوبة على الحزب ، وشخصيا ذهب هو إلى القرية دون سلاح وعاد منها في وقت متأخر من النهار ذاهبا إلى الشيخان .

 بعدما حصلنا على قطعة السلاح اتفقنا أنا وأبو داود العمل للعودة إلى الجبل مرة أخرى وكان همنا أن نحصل على بقية السلاح من داي به هار ففي انتظار الحصول عليه بقينا متخفين في قه نته رى ، نحصل على الطعام  والشراب من أهلي بواسطة أخي (6) “ايزدين”  و أختي  “جوانى”  اللذان بذلا حرصا شديدا طيلة بقاءنا في المنطقة ، وبقينا نتواصل مع داي به هار عبر والدتي وفي نفس الوقت لم يخفت حماسنا في إجراء المزيد من الاتصالات بالأنقياء من رفاقنا وعوائلنا عبر والدتي وشيرين “أم فؤاد ” أو بشكل مباشر ، فحققنا عندها الكثير من النجاحات واصطدمنا بالكثير من المواقف وعرفنا الكثير ممن تعاونوا مع الجهات الأمنية .

اشتدت حاجتنا إلى قطعة كلاشينكوف أخرى ، إذ لم يكن من السهل أن تخترق مسافات طويلة تسيطر عليها السلطة بأشكال مختلفة للوصول إلى منطقة آمنة كجبل كارة مثلا ، واشتد  بالمقابل ولسبب غير معروف رفض داي به هار وجود علم لديها بصدد السلاح المخبأ ، ولكن في الأخير أكدت بوجوده ، وعندها كان الأمر يتطلب لمن يستطيع العثور عليه وجلبه إلى القرية أو إيصاله إلينا ، مضت أياما مرهقة ومليئة بالقلق في البحث عن وسيلة للحصول على هذا السلاح إلى أن تكلل جهدنا بالنجاح عندما أصبح تحت تصرفنا بيوم واحد قبل موعد سفرنا إلى الجبل ، و كان عبارة عن 3 قطع من الكلاشينوف وعددا قليلا من المخازن وعتادا قليلا أيضا .

كنا في قه نته رى أنا وأبو داود نعد العدة لمغادرة المنطقة نحو الجبل ننتظر حلول المساء ، وكنا نبذل جهدا كبيرا من أجل إعادة تأهيل السلاح القادم إلينا وتنظيفه فقد كان الصدأ والتآكل في بعض أجزاءه وفي العتاد بسبب طمره تحت التراب لمدة طويلة يخيفنا ويزرع الشك فينا حول صلاحيته ، وكانت حقائبنا مليئة بخبز المرحومة داي شيرين ومعلبات اشترتها لنا من دكاكين ألقوش ، وكنا في المساء قد أودعناهم أي المرحومة والدتي وأهلي والشهيدة أم فؤاد وبعض من كان يحرص على تواجدنا في المنطقة ، وفي وقت كان يقترب من الساعة العاشرة صباحا انتبهنا إلى فحيح أفعى سوداء اللون من داخل قه نته رى رافعة رأسها نحونا تهددنا بأشد الحركات ، فاضطرارا التزمنا طرفا من أحد مخارج قه نته رى وحاولنا ابعادها وفعلا نجحنا في ذلك عبر “الطرق السلمية ” ولكننا خشينا في الدخول إلى المخبأ ، وعند وقت محدد  نبهت أبو داود وقلت له بأنني ذاهب لاستنشاق بعض الهواء ومراقبة ما حولنا بعيدا عن المكان عدة أمتار ، وعندما وصلت إلى المرتفع الذي يسيطر على الوادي وجدت رجلان يتقدمان نحونا ، فاندهشت من وجودهما هنا و اعتقدت في الوهلة الأولى بأنهما من رجالات السلطة وخصوصا كانت ملابس صباح تشبه مع ما كان يلبسها البعثيون في ذلك الوقت على الغالب ، ولذلك أردت العودة إلى المخبأ وتبليغ أبو داود بما يحصل و لكنهما رصداني وتعرفا عليً قبل أن أتعرف عليهما ، فسمعت صوت أبو خلدون  يقول ، صبــــــــــــــاح هذا نــاظــــــــــــــــــــــــــــم  وأنا صحت أبو داوووووود إنهما صباح وأبو خلدون .

وللحكاية بقية

الهوامـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــش    

 (1) “الشيخ الجليل شيخ حسين”  وهو من أهالي قرية حتارة ووالد زوج أختي ، توفي منذ عقد من السنوات فكان إنسانا طيبا يحترمه كل أهل القرية بسبب ذلك ، وكانت تربطه بعائلتنا علاقات طيبة بحكم علاقات الزواج التي تربط العائلتين ، وولده جندي وهو ابنه البكر وزوج اختي فقد في الفترة الأولى من الحرب العراقية – الأيرانية وحتى الآن لا توجد أية معلومات عنه ، وبعد هذه الزيارة أي زيارتنا لها استقبلت هذه العائلة على الدوام مجموعات الأنصار التي كانت ترافق أحد ألأنصار من عائلتنا وكانت تقدم لهم كل ما هو ممكن من أمن وحماية واحتياجات ، فقد كان جميع أفراد العائلة يبدون حرصهم الشديد على هذه المجموعات ، ومما يؤسف له لم يلتف أحدا لخدمات هذه العائلة والتي كبرت وتفرعت في الوقت الحالي ولا يزال جميع أفرادها يتمتعون بحب أهل القرية واحترامهم .

  (2) “سمكو مراد عبو”  وهو من أهالي قرية دوغاتا، تعرفت عليه بعدما هاجرت عائلتي من قرية حتارة إلى دوغاتا أثر صداماتمسلحة ومؤسفة بين حزبنا وحدك في المنطقة ، كنا زملاء  في مدرسة واحدة ورفاق في هيئة حزبية واحدة وكنا ضمن مجموعة من الشباب ننشط في كل المجالات ، وكان حولنا عدد كبير من الأصدقاء غالبيتهم  كانوا أصدقاء للحزب أيضا ، عملت مع سمكو في اتحاد الطلبة العام واتحاد الشبيبة الديمقراطي ألعراقي ، خضنا معا تجارب حزبية كثيرة ، نقود خلايا الفلاحين والنساء وخلايا مرشحي الحزب من الشباب وحلقات الأصدقاء و الكثير من الأنشطة الأخرى ، وكنا ضمن مجموعة أقل عددا وضمن حلقة أضيق تربطنا علاقات شديدة نكتشف ضمنها تطلعاتنا إلى المستقبل ونمارس حريتنا ليس بعيد عن التزاماتنا الحزبية ، سمكو مراد  صديق مرحلة مهمة من حياتي الحزبية وأول شيوعي كلفته بعد الضربة بمهمة حزبية ، فحققها بإبداع ، و الآن يمارس نشاطه بلا كلل ضمن سباق انتخابات مجلس محافظة نينوى ويعد في التسلسل رقم 2 ضمن قائمة التآخي في نينوى وهو مرشح الحزبين الشيوعي العراقي والكوردستاني .

   (3) “قه نته رى” آه وما أدراك ماهية قه نته رى ، فإنها حافظت على أسرارنا طيلة سنوات الكفاح المسلح ننطلق منها أو من مخابئ في محيطها إلى كل عملنا الحزبي والأنصاري ، فقه نته رى عبارة عن قنطرة حفرتها مياه الأمطار عبر سنين طويلة وتوصل بين طرفي الوادي على شكل جسر طبيعي ، يتشكل سقفها وجوانبها من حجر الجبصين ، وتستمر مياه الأمطار في شق طريقها  في عتمة تمتد إلى أكثر من 30 مترا تحت الأرض ضمن حدودها ، وبعدها تنفرج الأعالي وتجري مياه الأمطار في وضوح في ذلك الوادي إلى أن تصل إلى المسطحات في عمق ده شت الموصل .

هناك في المخابئ المحيطة بها أمضينا سنوات كفاح مريرة ، ننطلق منها للعمل الحزبي ونستقبل فيها مناضلي التنظيمات الحزبية في المنطقة ونودع فيها رفاق يذهبون إلى  الموصل وإلى بغداد والناصرية والبصرة الفيحاء وبقية مدن العراق للتواصل من أجل بقاء الحزب سالما معافا  ، ومنها انطلقت مجموعات الأنصار إلى تنفيذ عمليات جريئة دكت فيها مواقع السلطة في المنطقة وألحقت بها خسائر كبيرة ، كما كانت هذه المخابئ منطلقا للأنصار للوصول إلى سوريا عبر مدينة الموصل أثناء عمليات الأنفال وكانت مخبأً دائما لكل أسرارنا . 

  (4)”ماجد كنجي – كفاح” قصة هذا الرجل هي امتداد لقصة عائلة أعطت كل ما لديها للوطن وللحزب ، فقد كان والده جمعة كنجي شيوعيا وهب جل عمره  في خدمة وطنه وأهداف حزبه وهكذا بالنسبة إلى أخيه حسين كنجي ” أبو عمشة “، ولاحقوه أولاده في هذا المشوار ، وفي المقدمة منهم صباح لمواصلته ، وعند شدة بانده وايى ومحمية قه نته رى لم يتوانى ماجد في اللحاق بركب المناضلين الأشداء ، فانخرط بقوة في غمرة العمل الحزبي ، حيث نفذ أول مهمة بجدارة فائقة ، عندما استطاع أن يجول بنصيرين شيوعيين في مدينة الموصل وبقية أطرافها لبعض الوقت ، ثم توالت مهامه الحزبية والعسكرية في جبال كوردستان إلى أن انتصرت الانتفاضة الآذارية ، فعاد مع قوافل الأنصار إلى دهوك لكي يروى مدافئ سكانها في الشتاءات القارسة بوقود مفقود بتوازن و إنسانية أصيلة ، والآن يعيش مع عائلته في أحدى مدن ألمانيا .

خسرت هذه العائلة كثيرا من أفرادها في الأنفال تحدثت عنهم في محطات أنفال به هدينان  بشيء من التفصيل . وما يتبقى يعرفه عنهم كل الأنصار وكل من تابع ويتابع وقائع تضحيات الشيوعيين العراقيين في مسيرة كفاحهم المجيد . 

(5) “قرية ديرستون ” كتبت عنها ذات مرة ” هل ستعود ديرستون ذات مرة ” كنا هناك في هذه القرية مع العديد من العوائل وكانت بينها  عائلة مام نايف التي كانت تربطنا بها علاقات وطيدة ، فقد كان ولده المرحوم  قاسو بعد الهجرة من ديرستون واحتلالها من قبل العشائر العربية في 1961  يسكن قرية حتارة والمرحوم حسين والمرحوم بيبو والأخ قرو يسكنون قرية دوغات ولكنهم غادروها إلى حيث وجدوا رزقهم في اللأسكندرية جنوب بغداد ، فهناك امتهنوا بيع المشروبات الكحولية علاوة على مهن أخرى مارسوها والآن غالبية أولادهم يعيشون في ألمانيا . 

 (6) ” ايزدين ” و جوانى”   أمضيت جل عمري في صفوف الحزب فقدمت ما أتناوله في كتاباتي ، ولكني لو أمضيت بقية سنوات عمري في الكتابة عن هؤلاء الاثنين ، (الأول أخي والثانية أختي) وعن بقية أخوتي وأخواتي وأفراد عائلتي وخاصة والدتي لما استطعت أن افي بحقهم لما قدموه من عمل شاق وخدمات دون حدود في سياق النضال ضمن صفوف الحزب ، فوالدتي التي كانت ربما أول إمرأة تنتمي إلى صفوف الحزب على مستوى المجتمع الأيزيدي المكبل آنذاك بالقيود الاجتماعية الصارمة ، والإمرأة الأيزيدية الوحيدة التي وقعت على مذكرة للحزب تدعو إلى حل القضية الكوردية حلا سلميا وذلك قبل اعلان بيان آذار للحكم الذاتي في 1970 ، فقرأ الناس اسمها في جريدة طريق الشعب واعتبروه أمرا استثنائيا ، فانقسموا بشأنه ، حيث كان هناك من اعتبره جرأة غير مسبوقة فوقف إلى جانب والدتي وأيد موقفها وهناك من لم يستسغ الأمر واعتبر إن مجرد وجود اسم إمرأة أيزيدية منشورا في الجريدة أمرا يتنافي مع تقاليد مجتمعنا ، تعرضت والدتي  مع بقية أفراد  العائلة خلال هذه الفترة إلى المزيد من المضايقات والتهديدات أي بعد التحاقنا بصفوف الأنصار ، وأتذكر كيف كانت تشعر بخوف وهي تروي لي عن قصة بعثيين في ألقوش عندما وجهوا مسدسا إلى رأسها وهم يهددونها ويريدون انتزاع المعلومات الخاصة بتواجد مجموعاتنا عنها ، أو إذا ما كانت تملك معلومات عن التنظيمات الحزبية الجديدة ، وكم كابدت عندما هاجرت عائلتنا إلى قصبة باعذرا بعد عملية عسكرية لأنصارنا في قرية دوغاتا  تاركة وراءها كل أشياؤها ، يعيش أفرادها في بيوت المعارف و تحت حمايتهم لأكثر من سنتين ملاحقين من قبل السلطات ، و كم عانت مع بقية أفراد عائلتنا من الملاحقات في قرية حتارة وكم مرة تعرضت محتويات البيت إلى البيع بالمزاد العلني بعدما كان رجال الأمن يصابون بخيبة الأمل في إلقاء القبض على أحدهم في البيت ، ولا أنسى أبدا إنها وأختي الكبيرة كانتا تحرسان البيت من غدر أعداء الحزب ببندقيتين عند غياب الرجال من البيت عندما كان غالبيتنا صغارا ، وللأسف الشديد توفيت والدتي قبل أن تفرح بالسقوط المهين للنظام البائد بفترة قصيرة .

 يعيش أيزدين الآن في ألمانيا مع عائلته وجوانى الحبيبة تعيش مع زوجها في ختارة ، تنشغل بأسرتها الكبيرة طوال النهار ، لا تنقطع عنها ذكريات الزمن الصعب كلما تكلمت معها عبر الهاتف أو زرتها في القرية فتسطرها بدموعها العزيزة الغزيرة .