الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 29) هل كان الكُرد أمّة خدمات لدول الإسلام السياسي؟

دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 29) هل كان الكُرد أمّة خدمات لدول الإسلام السياسي؟

هل كان الكُرد أمّة خدمات لدول الإسلام السياسي؟

دول الإسلام السياسي هي الدول التي حكمت باسم الإسلام 13 قرناً، وموضوعنا الآن هو الإجابة عن السؤالي التالي: بماذا خرج الكرد من عهود الإسلام السياسي؟

لا دولة كُردستانية:

مرّ في (الحلقة 25- الإسلام والمشاريع القومية) أن العرب كانوا قبائل متصارعة، وبالإسلام أسّسوا دولاً عظمى، وأصبحوا قوّة دولية مرهوبة الجانب، وعبروا إلى القرن العشرين بإرث قومي مَجيد، أتاح لهم إقامة دول تجسّد هويتهم القومية. وكان الترك أيضاً قبائل متصارعة، وبالإسلام أسّسوا دولاً عظمى، آخرُها (الدولة العثمانية)، ومن عباءتها خرجت (دولة تركيا) التي تجسّد الهوية التركية. وصحيح أن الفرس خسروا إمبراطوريتهم على أيدي العرب في القرن (1ه = 7م)، لكنهم استعادوا ثقافتهم القومية منذ القرن (2ه = 8م)، وأسّسوا بعدئذ دولاً عدّة، آخرُها الدولة الصَّفَوية، ومن عباءتها خرجت (دولة إيران) التي تجسّد الهوية الفارسية.

أما الكُرد فلهم شأن آخر، إنهم كانوا كالعرب والترك قبائل متصارعة، وكان المتوقَّع- قياساً على جيرانهم هؤلاء- أن يتطوّر وعيهم الوطني، ويكونوا أصحاب دولة في وطنهم التاريخي كُردستان، لكن النتيجة كانت مختلفة تماماً، إنهم خرجوا من تلك العهود وهم أسوأ حالاً، كانوا قبل الإسلام تحت احتلال دولتي فارس والروم فقط، فعبروا إلى القرن العشرين وهم تحت احتلال أربع دول (إيران، تركيا، العراق، سوريا).

والأغرب من هذا أن الكُرد أسّسوا دولاً عدّة، أبرزها على الإطلاق (الدولة الدُّوسْتِكية، والدولة الأيّوبية)، لكن هذه الدول كانت- سياسياً وثقافياً- دولاً ذيلية، لا دولاً وطنية كردستانية، ولم يضع نُخَبُها الأسسَ الكفيلة بتطوير الوعي الوطني الكردستاني سياسياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، تمهيداً للعبور إلى العصر الحديث بهوية كردستانية واضحة الملامح، وبدولة كردستانية تجسّد شخصية الأمّة الكردية بجميع تجلّياتها.

لا مرجعية كُردستانية:

مرجعيتان اثنتان تحفظان للأمّة هويتها وديمومتها: المرجعية السياسية (الدولة)، والمرجعية الثقافية (الدين، والمذهب، والأيديولوجيا)، وحينما يخسر شعبٌ مرجعيته السياسية تحميه المرجعية الثقافية، وتمكّنه من استعادة المرجعية السياسية (الدولة)، والأرمن أبرز مثال، إنهم خسروا (الدولة) في أكثر من عهد، لكن (الكنيسة الأرمنية) كانت تحمي الشعب الأرمني، وتمكّنه من استعادة (الدولة).

وبموازاة المرجعية السياسية (الدولة)، أنتج العرب مرجعيتهم الثقافية بصيغة (الإسلام العربي)، وأنتجها الفرس بصيغة (الإسلام الفارسي)، وأنتجها الترك بصيغة (الإسلام التركي). أما الكُرد فلم يُؤسسوا مرجعية إسلامية كُردستانية، ولم ينتجوا (الإسلام الكُردي)، وهم إلى اليوم تَبَعٌ إما للإسلام العربي أو للإسلام الفارسي أو للإسلام التركي، وبتعبير آخر: الكردُ ليسوا محتلين سياسياً فقط، وإنما هم محتلون ثقافياً أيضاً؛ وهذا في حدّ ذاته أمر شديد الخطورة، ويقف عائقاً في طريق تحرير كردستان.

والأغرب من هذا أن بعض الكرد أنتجوا مدارس فكرية إسلامية فعّالة، كان من الممكن أن تصبح قاعدة لمرجعية إسلامية كردستانية، لكن تلك المدارس دخلت في خدمة الآخرين. إن الأسرة الصَّفَوية الكردية حوّرت المذهب الشيعي بما بتناسب والثقافة الفارسية، ووظّفته في خدمة القومية الفارسية. وإن الشيخ الكردي سعيد نُورْسي أسّس مدرسة (رسائل النور) الإسلامية في النصف الأول من القرن العشرين، لكنه هو نفسه لم ينضمّ إلى ثورة (1925) التي قادها الشيخ سعيد پِيران، انسجاماً مع توجّهاته الإسلامية العابرة لما هو قومي، والطامحة إلى ما هو پان إسلامي؛ مع أن الشيخ سعيد دعاه هو وأتباعه إلى الانضمام، وها هم الترك يوظّفون مدرسة (رسائل النور) لتأسيس (العثمانية الجديدة) على محورين: محور عَقَدي فكري على يد الشيخ فَتْح الله غُولان، ومحور سياسي على يد حزب (العدالة والتنمية) بقيادة رجب طيّب أردوغان.

أمّة خدمات.. وجزاء سِنِمّار:

سِنِمَّار مهندس روميّ بنى- قبل الإسلام- لملك الحِيرة النُّعمان قصراً، فأمر النعمانُ بإلقائه من أعلى القصر، كي لا يبني لغيره قصراً مثله، فأصبح مَثَلاً لمن يفعل خيراً ويُجزى شراً([1]). وحينما يراجع المرء تاريخ الكرد في عهود دول الإسلام السياسي يجد أنهم خدموا هذه الدول سياسيا وعسكرياً وثقافياً واقتصادياً، وكافأتهم تلك الدول على ذلك وفق “جَزَاء سِنِمَّار“؛ والأمثلة كثيرة.

إن الكردي أبا مُسلِم الخُراساني أسقط الدولة الأُموية، وأقام الدولة العبّاسة، وكافأه الخليفة العبّاسي الثاني أبو جعفر المنصور بأن استضافه في قصره ببغداد، ثم غدر به وأمر بقتله سنة (137هـ = 755م)، وهجاه أبو دُلامة شاعر الخليفة بقوله:

     أفي دولة المَهْديّ حاولتَ غَدْرةً؟!    ألا إنّ أهلَ الغدرِ آباؤك الكُردُ([2])

وشارك البَرامكةُ الكردُ في إقامة الدولة العبّاسية، وخدموها على جميع الأصعدة، بل إنّ يحيى بن خالد البَرْمَكي خاطر بنفسه، ووقف ضد رغبة الخليفة الهادي (أخي هارون) في عزل الرشيد من ولاية العهد، وأوصل الرشيدَ إلى منصب الخلافة، وكافأهم الرشيد بأنْ فتك بهم فجأة، فقتل الوزير جعفر بن يحيى، وسجن يحيى وولده الفضل، فماتا في السجن، وصادر أموالهم وأملاكهم، وحوّل بقيّة البرامكة إلى مشرَّدين([3]).

وتصدّى صلاح الدين الأيّوبي للغزو الفرنجي، واستردّ القدسَ، وهزم أقوى ملوك أوربا (فِرِدْريك بَرْبَرُوسا إمبراطور ألمانيا، وفيليپ أُوغست ملك فرنسا، وريتشارد قلب الأسد ملك إنكلترا)، بينما كان الخليفة العبّاسي يلهو في قصوره، ومع ذلك تلقّى من الخليفة الناصر لدين الله رسالة يعاتبه فيها على أمور، منها: ” إنه تلقّب بالملك الناصر، وهو لقبُ الخليفة، وهذا عند الخليفة من الكبائر التي لا تُغْتَفَر“، مع العلم أن الخليفة المستضيء (والد الخليفة الناصر) هو الذي منح صلاح الدين لقب (الناصر)([4]).

أما على الصعيد الثقافي فسبق أن وضّحنا بؤس الثقافة الكردستانية في عهود دول الإسلام السياسي، وليت الأمر اقتصر على تهميش الكرد سياسياً وثقافياً وإفقارهم وإخراجهم من مسارات التحضر، وإنما نشط مثقفو السلطة في تلك العهود، ونفّذوا مشروعاً ضخماً ومعقّداً لأبلسة أصل الكرد، فنسبوهم إلى الجن والشياطين والإماء، ولتبشيع صورة الكرد في الذاكرة العالمية (أجلاف، لصوص، قطّاع طرق)، وللتوسع حبّذا العودة إلى (سلسلة المؤامرة على الكرد، في مدوّنتنا على الرابط: http://ahmedalkhalil.wordpress.com).

تحت شمس التاريخ:

ثمة مئات من الأمثلة على الخدمات التي أدّتها الأمة الكردية لدول الإسلام السياسي، وللشعوب التي نعمت بالسلطة والثروة والثقافة في ظلال تلك الدول، وها قد عبر الكرد إلى القرن الواحد والعشرين محرومين من حقهم الطبيعي في دولة كردستانية، ومن حقهم الطبيعي في امتلاك ثروات وطنهم، ومن حقهم الطبيعي في تطوير ثقافتهم الوطنية، ومن حقهم في المشاركة لإغناء الحضارة العالمية.

أجل، لم نكن- نحن الكرد- نفتقر إلى الشجاعة، ولا إلى رجاحة العقل، ولا إلى القيم النبيلة، لكننا- وبمختلف الذرائع والمبرّرات والفلسفات- وضعنا شجاعتنا وعقولنا وقيمنا في خدمة الغزاة والمحتلين، وكافؤونا على الدوام وفق مبدأ “جزاء سِنِمّار“.

حان أن نضع حدّاً لهذا النهج الشاذ في تاريخنا، وألاّ نُوَرِّث أجيالَنا القادمة هذا الإرثَ المَعيب، حان أن نضعْ شجاعتنا وعقولنا وقيمنا في خدمة أمّتنا، وفي خدمة الحضارة الإنسانية، لا في خدمة ذهنيات الغزو وكهنة مشاريع التوسع.

وعندئذ فقط نستعيد مكاننا تحت شمس التاريخ.

ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كُردستان!

3 – 5 – 2013

المراجع:



[1]  الميداني: مَجْمَع الأمثال، 1/159.

[2] – ابن خَلِّكان: وَفَيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، 3/155.

[3] – الإتْليدي: نوادر الخلفاء، ص167. ابن خَلِّكان: وَفَيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، 4/9. ابن طَباطَبا: الفخري في الآداب السلطانية، ص 207.

[4] – أبو شامة: عيون الروضتين في أخبار الدولتين النُورية والصلاحية، ص 264 – 265. وانظر ابن شدّاد: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ص 41 –  43.