الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 28) پانوراما كُردستانية في عهود الإسلام السياسي

دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 28) پانوراما كُردستانية في عهود الإسلام السياسي

پانوراما كُردستانية في عهود الإسلام السياسي

تبيّن في الحلقة (26) من هذه السلسلة أن ثقافات جيراننا الفرس والعرب والترك حظيت بكثير من الرعاية تحت سلطة الدول التي حكمت باسم الإسلام طوال 13 قرناً، أما الثقافة الكُردستانية فكان نصيبها البؤس إهمالاً وتهميشاً وتشويهاً وتغييباً.

والآن ماذا عن حال الأمّة الكُردية، من المنظور القومي العام، في عهود تلك الدول؟ ماذا ربح الكُرد وماذا خسروا؟ وبما أن الموضوع شديد الاتساع وكثير التفرّعات، نكتفي في هذه الحلقة باستعراض موجز لتاريخ الكُرد في تلك العهود، وقبل ذلك دعونا نستطلع حال الأمة الكُردية قُبيل الغزو العربي الإسلامي مباشرة.

الواقع الكُردستاني قُبيل الإسلام:

حينما وصلت الغزوات العربية إلى جنوبي كُردستان سنة (16هـ = 637م) من مدخل (مَنْدَلي- خانِقين)، وإلى غرب وشمالي كُردستان سنة (18هـ = 639م)، من مدخل (الجزيرة- الرُّها)، كانت حال الكُرد- على الصعيد القومي العام- كالتالي:

1 لا مرجعية دينية: رفض نخب ميديا عقيدة النبي الميدي زَرْدَشت، فلقي الرعاية عند الحاكم الفارسي هَشْتاسپ (والد دارا الأول)، واتخذ الفرسُ الزردشتيةَ أيديولوجيا للقضاء على مملكة ميديا، وشنّوا حملة تشويه شرسة ضد رجال الدين الأزدائي (موغ= ماج= مَجُوس)، واحتكروا المرجعية الزردشتية العليا، فكان الملك الفارسي يعيّن الكاهن الزردشتي الأعلى (مَوْبَذ مَوْبَذان)، ومنصبُه يوازي منصب البابا وشيخ الإسلام.

2لا مرجعية سياسية: أسقط الفرس مملكة ميديا سنة (550 ق.م)، وقضوا بقسوة على محاولات بعض نخب ميديا لاستعادة (الدولة)، فبقي الكُرد بلا مرجعية سياسية عليا منذ ذلك الحين وإلى هذا اليوم (للمزيد: انظر سلسلة دراسات في التاريخ الكُردي القديم، الحلقة 10، على الرابط:https://www.box.com/s/uifgrdwfx0pjxegh97u9).

3تفككٌ اجتماعي: وكيف لا يكون المجتمع الكُردي متفكّكاً وهو يفتقر إلى أهم مرجعيتين (الدينية والسياسية)؟ لقد حلّ الانتماء إلى (القبيلة) محلّ الانتماء إلى (الدولة)، وتراجع الوعي الوطني الذي جهد ملوك ميديا الأوائل لتعميمه وترسيخه، فاندلعت الخصومات القَبَلية التي لا نهاية لها، وجرّت على الكُرد أفدح الأضرار.

4 تدهورٌ اقتصادي: سيطرت دولة الفرس على طريق الحرير التجاري العالمي وفروعه في كُردستان، واحتكرت التجارة والصناعة، وجعلت الاقتصاد الكُردستاني تابعاً للاقتصاد الفارسي، وحالت دون نشأة رأسمال وطني كُردستاني يتفاعل إقليمياً ودولياً، وحوّلت غالبية الكُرد إلى رعاة وريفيين، يكدحون للاحتفاظ بمقوّمات الحياة فقط.

5انكماشٌ ثقافي: إن امتلاك الدولة يعني امتلاك السلطة والثقافة والاقتصاد، وبعد أن خسر الميديون الدولةَ، كان من الطبيعي أن تتراجع ثقافتهم الوطنية، وتصبح السيادة للثقافة الفارسية، وكانت غلبة الطابع الريفي- الرعوي على المجتمع الكُردي، إضافةً إلى تدهور الاقتصاد، من أكبر العوامل المؤدية إلى الانكماش الثقافي.

6وطنٌ محتلّ ومقسَّم: كانت كُردستان محتلّة ومقسَّمة بين دولتي الفُرس والروم، وكان خطّ النظر الممتد من نِصِيبِين جنوباً إلى أرمينيا شمالاً، يشكّل الحدود بين الدولتين، وكانت نِصِيبِين من أهم المراكز العسكرية الرومية في كُردستان، وفي معظم الأحيان كانت مناطق وسط كُردستان ميداناً للمعارك بين الدولتين المتعاديتين.

سيرة كُردستان السياسية:

حينما كان الفرس والروم يخسرون المعارك، كانت مناطق كُردستان تقع في قبضة العرب حرباً أو صلحاً، وعبارة (صلحاً) لا تعني أن الكُرد كانوا يرحّبون بالعرب، وإنما كانوا يوافقون على الاستسلام خوفاً من القتل والسَّلب والسَّبْي، حسب قواعد الحروب حينذاك، وكانت شروط الاستسلام لمصلحة العرب، وفي مقدمتها: التبعيةُ المطلقة لدولة الخلافة، وعدمُ منْع انتشار الإسلام، ودفعُ الجزية المُذِلّة تطبيقاً للآية: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}[1] [صاغِرون: أذلاّء].

ونستعرض فيما يلي الخطوط العامة لتاريخ الكُرد تحت سلطة الإسلام السياسي:

1 – القرن (1هـ = 7م): كان قرن غزوات وفتوحات، وما كان باستطاعة الجيوش العربية التوسع شرقاً إلى آسيا الوسطى، وشمالاً نحو القوقاز، وشمالاً وغرباً نحو آسيا الصغرى، إلا بالسيطرة على كُردستان، لأن المعابر الإستراتيجية تقع فيها، وتؤكد المصادر أن الكُرد تصدّوا للعرب أحياناً تحت قيادات فارسية، وأحياناً أخرى على شكل ثورات قبلية، ولحقت بهم خسائر هائلة في الأنفس والممتلكات[2].

2 – القرن (2 = 8م):في الربع الأول من هذا القرن كانت كُردستان مسرحاً للصراع بين الدولة الأُمَوية وأنصار العبّاسيين، وانتصر أنصار العبّاسيين على الجيش الأُمَوي في معركة جرت بجانب نهر الزاب الأسفل (الصغير)، وكان بعض العرب الناقمين على الدولتين، من الخوارج والشيعة والسُنّة، يتخذون كُردستان مكاناً للثورة[3].

3 – القرن (3هـ = 9م):لم يكن الكُرد راضين بالخضوع للدولة العبّاسية، إنهم أشعلوا عدّة ثورات في مناطق الجزيرة وكُردستان الوسطى، وشرقي كردستان، لكنها قُمعت بقسوة، واستمرت الثورات حتى نهاية عهد الخليفة المُعتصِم بالله (ت 227 هـ)[4].

4 – القرن (4ه = 10م): في هذا القرن تراخت قبضة الخلفاء على السلطة، وأصبح المماليك (المرتزقة) الأتراك أصحاب الأمر والنهي، وهُمِّش العربُ والفرس، وتأسّست إمارات ودويلات عربية وفارسية ودَيْلَمِية، وأسّس بعض قادة الكُرد إمارات ودويلات كُردية في جنوبي كُردستان خاصة، وأسّسوا الدولة الدُّوسْتِكية (المَروانية) في الشمال، وكانت تابعة شكلاً لدولة الخلافة العبّاسية[5].

5 – القرن (5هـ = 11م): حوالي منتصف هذا القرن سيطر السلاجقة الأتراك على دولة الخلافة العباسية، وكان معظم الخلفاء يحكمون شكلاً لا فعلاً، وقضى السلاجقة على الدويلات والدول الكُردية، وكان عددها حوالي سبع، تمهيداً للتوسّع غرباً نحو بلاد الشام وشمالاً نحو الأناضول[6].

6 – القرن (6هـ = 12م): بعد منتصف هذا القرن تأسّست الدولة الأيّوبية الكُردية في مصر وشمالي السودان، ثم شملت ليبيا واليمن، ودخلت في حروب ضد آل زَنْكي السلاجقة من ناحية، وضد الفرنج (الصليبيين) من ناحية أخرى، وسيطرت على فلسطين والأردن ولبنان وسوريا والحجاز، والقسم الأكبر من شمالي كُردستان، والنصف الشمالي من جنوبي كردستان[7].

7القرن (7هـ = 13م):منذ أوائل هذا القرن أصبحت كرُدستان عرضة للغزو الخُوارِزْمي والمغولي، وفي النصف الثاني من هذا القرن قضى المماليك الأتراك على الدولة الأيّوبية سنة (648هـ = 1250م)، وهُمِّش الكُرد سياسياً وثقافياً واقتصادياً[8].

8 – القرن (8هـ = 14م): في هذا القرن أصبحت كُردستان عرضة للغزو التَّتَري بقيادة تَيْمورلَنْك، لأنها كانت تقع في طريق تَيْمُورلَنْك للتوسّع غرباً نحو آسيا الصغرى حيث يحكم العثمانيون، والتوسّع جنوباً نحو بلاد الشام حيث يحكم المماليك، ولقي تيمور مقاومة كُردية شديدة، فعاث في كُردستان تخريباً وتقتيلاً وسلباً[9].

9 – القرن (9هـ = 15م): في هذا القرن كانت غالبية مناطق كُردستان خاضعة للزعامات والإمارات القَبَلية الكردية، إلى جانب سيطرة أسرة قَرَه مان التركمانية على بعض مناطق شمالي كُردستان، وكانت الدولة العثمانية قد بدأت بالظهور، وشرعت تنتزع تلك المناطق من قبضة الأسرة القَرَه مانية التي كانت عاصمتها أنقره[10].

10 – القرن (10ه = 16م): في هذا القرن أصبحت كُردستان مسرحاً للصراع بين الصفويين والعثمانيين، وفي ﭽَلْدَيران بشمالي كُردستان جرت المعركة الفاصلة بين الشاه إسماعيل والسلطان سليم الأول سنة (1514م).  وفي سنة (1515م) ربط السلطان سليم الإمارات والقبائل في شمالي كُردستان بالدولة العثمانية، بمساعي الملا إدريس بدليسي، فيما يشبه الاتحاد الفيدرالي. وفيما بعد ضمّ ابنه السلطان سليمان القانوني الإمارات الكردية في جنوبي كُردستان إلى الدولة العثمانية؛ وهي الإمارة الأَرْدَلانية في شَهْرَزُور، والإمارة الصُّورانية في راوَنْدُوز، والإمارة البهادينية في عِمادية[11].   

11 – القرن (11هـ = 17م):  في سنة (1049هـ = 1639م) اتفق السلطان مراد الرابع والشاه عبّاس الثاني على تقسيم كُردستان وفق “معاهدة تنظيم الحدود”، وظلت الأمور كذلك في القرن (12هـ = 18م)[12].

12 – القرن (13هـ = 19م): في هذا القرن ألغى السلطان محمود الثاني استقلال الإمارات الكُردية، وأخضعها للنفوذ العثماني المباشر، وكان ذلك من أهم أسباب اندلاع ثورة بَدْرخان بك سنة (1842م)، وثورة الشيخ عُبَيْد الله نَهْري سنة (1880م)[13].

هذه هي باختصار السيرة السياسية للأمّة الكُردية في عهود الإسلام السياسي.

لكن ماذا ربح الكُرد وماذا خسروا طوال تلك العهود؟

ذلك موضوع الحلقة القادمة.

ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كُردستان!

19 – 4 – 2013

المراجع:



[1]– سورة التوبة: الآية 29.

[2]– ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 3/42. ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، 4/993.

[3]– ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، 5/67، 271، 304، 341، 425، 430. الطبري: تاريخ الطبري، 7/447. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 11/6. حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي، 2/19.

[4]  الطبري: تاريخ الطبري، 7/447. ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، 5/430. حسين قاسم العزيز: البابكية، ص146، 308. 

[5]– ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 8/450-451. حسن مُنَيْمِنَة: تاريخ الدولة البُوَيْهية، ص12.

[6]– الأصفهاني: تاريخ دولة آل سلجوق، ص14-15. ابن أبي الهَيْجاء: تاريخ ابن أبي الهيجاء، ص104. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 10/27، 222، 232.

[7]– أبو شامة: عيون الروضَتَين، 2/83. وابن الأثير: الكامل في التاريخ، 11/482-486، 493، 516.

[8]– الهَمَذاني: جامع التواريخ، 1/261، 281-283.  عطا مَلَك الجُوِيني: تاريخ فاتح العالم، 2/363-365. محمد سُهَيْل طَقّوش: تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام، ص17-33.

[9]– ابن عَرَبْشاه: عجائب المَقْدور في نوائب تَيْمور، ص73 69 – 76.

[10]– عبّاس إسماعيل صبّاغ: تاريخ العلاقات العثمانية – الإيرانية، ص27-33.

[11]– عبّاس إسماعيل صبّاغ: تاريخ العلاقات العثمانية – الإيرانية، ص 35 – 36. محمد سُهيل طَقّوش: تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام، ص78-79، 137.

[12]– محمد فريد بك: تاريخ الدولة العلية العثمانية، ص 280. منذر الموصلّي: عرب وأكراد، ص 179.

[13]– منذر الموصلّي: عرب وأكراد، ص196-197.