الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 25) مَن وظّف الإسلام في خدمة المشاريع القومية؟

دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 25) مَن وظّف الإسلام في خدمة المشاريع القومية؟

مَن وظّف الإسلام في خدمة المشاريع القومية؟

يؤكّد كبار شيوخ المسلمين أن “الإسلام دينٌ ودولة”، وهم محقّون في ذلك، لذا نقصد في دراستنا هذه الإسلامَ ببُعده السياسي (دولة) وليس ببعده الروحي، ونتساءل: هل وظّف الكُردُ الإسلامَ لخدمة مصالحهم القومية، أم كانوا ضحاياه؟

للتوصل إلى جواب علمي، سنأخذ بالمنهج المقارن، ونعرض التساؤل نفسه بشأن جيران الكُرد (العرب والفرس والترك)؛ تُرى هل وظّفوا الإسلام لخدمة مصالحهم القومية؟

أولاً العرب والإسلام:بمجرد وفاة النبي محمد سنة (10 هـ = 632 م)، نشب صراع سياسي حادّ بين مراكز القوى في الدولة العربية الناشئة على محورين:

– صراع بين المهاجرين (القُرَشِيّين عرب مكّة) والأنصار (عرب المدينة).

– صراع بين القُرَشِيّين: الفرع الهاشمي (آل بيت النبي)، والفروع الأخرى.

ولشدّة الصراع دُفن جُثمان النبي محمد بعد يومين، وفي رواية بعد ثلاثة أيام؛ توفّي “في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ منْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَدُفِنَ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ” (الطَّبَري: تاريخ الرُّسُل والملوك، 3/217)، وخلال ذلك حسم الصحابيان أبو بكر الصِّدّيق وعمر بن الخَطّاب الصراعَ  لصالح القُرَشِيّين (المُهاجِرين)، وأُزيح أيضاً الفريقُ الهاشمي المنافس (بقيادة عليّ بن أبي طالب ابن عمّ النبي وصهره، والعبّاس بن عبد المُطَّلِب عمّ النبي)، وأصبح الصحابي أبو بكر الصدّيق أوّلَ قائد عامّ (خليفة) للدولة العربية الإسلامية، واستمرت الدولة العربية حتى سنة (656 هـ = 1258م) (الطبري: تاريخ الرسل والملوك، 3/210 – 219. ابن الأثير، 2/187 – 189).

كان العرب قبائل بدوية لا تجمعهم دولة، ويعانون شَظَف العيش، ويتصارعون على المراعي ومصادر المياه القليلة. لكن بالإسلام أسّسوا دولة الخلافة، وقضوا على إمبراطورية فارس، وجرّدوا إمبراطورية الروم من مستعمَراتها في الشرق الأوسط، وحاصروا عاصمتها القُسطَنطينية أكثر من مرّة، وفرضوا عليها الجِزْية، ولمّا امتنع إمبراطور الروم نِقْفُور عن دفع الجِزية سنة (186هـ = 802 م)، كتب إليه الخليفة هارون الرشيد: “مِن هارون أمير المؤمنين إلى نِقْفور كلْب الروم، قد قرأتُ كتابك يا بن الكافرة، والجوابُ ما تراه دونَ أن تَسمعَه“.(الطَّبَري: تاريخ الرُّسُل والملوك، 8/308)، وغزا بلاد الروم، وأَجبر نِقفور على دفع الجزية.

أجل، بفضل الإسلام أصبح العرب قوة سياسية وثقافية واقتصادية عالمية كبرى، وسيطروا على موارد العالم البشرية والاقتصادية والثقافية من حدود الصين شرقاً إلى إسبانيا ضمناً، ووظّفوها بذكاء لإنتاج ثقافةٍ قومية خصبة، وتأسيس رأسمال قومي وفير، وصُنع تاريخٍ قومي زاخر بالأمجاد. وبفضل الإسلام أصبحت مكّة قِبلة المسلمين، وأصبحت اللغة العربية سيّدة اللغات باعتبارها لغة القرآن، وأَلحقت الهزيمةَ بلغات شعوب الشرق الأوسط الأخرى، وعُرّبت معظم شعوب الشرق الأوسط لغةً وثقافةً وجغرافيا، وسيقت ثروات العالم إلى بلاد العرب، وسُخِّرت قدرات الشعوب المسلمة لخدمة المشروع العربي. وبفضل الإسلام عَبَر العرب إلى القرن (20) وهم يهيمنون ثقافياً وسياسياً على المنطقة الواقعة بين الخليج شرقاً والمحيط الأطلسي غرباً، ولهم الآن تأثيرٌ مهمّ على الساحتين الإقليمية والعالمية.

ثانياً – الفرس والإسلام:قبل الإسلام كانت للفُرس دُوَلُهم القومية، وفي ظلها أقاموا مؤسساتهم السياسية والثقافية والاقتصادية، واستكملوا تعميمَ الوعي القومي المشترَك، وصنعوا الذاكرة القومية المشتركة. وصحيح أن العرب أسقطوا دولةَ الفرس، لكنهم لم يستطيعوا القضاء على شعورهم القومي، ولا تفريغ ذاكرتهم القومية، وتجلّى ذلك في مواقف عدّة: منها قيام أبي لؤلؤة الفارسي (فَيْرُوز) باغتيال الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب في (المدينة) سنة (24 هـ = 644 م)، ليس لأن الخليفة لم يُنصفه من سيّده المُغِيرَة بن شُعْبَة كما فسّر بعض المؤرخين، وإنما لأن فيروز تأثّر بمشهد قوافل الأسرى الفرس- شيوخاً ونساءً وصبية- يتقاطرون على العاصمة، ليُقسَّموا بين العرب ويتحوّلوا إلى عبيد وإماء، وكان “لا يَلقَى منهمْ صغيراً إلا مَسَح رأسَه وبكى وقال: أكلَ عُمَرُ كَبِدي!” (الطَّبَري: تاريخ الرُّسُل والملوك، 4/136. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 2/399).

وساهم الفُرس بقوة في إسقاط الخلافة الأُمَوية سنة (132 هـ = 750 م)، وصاروا شركاء في السلطة خلال العهد العبّاسي الأول، ومنذ القرن (3 هـ – 9 م) بدأوا بإحياء أربعة أمور هي أساسية لكل نهوض قومي: اللغة، والأدب، والتاريخ، والسلطة السياسية في شكل دول شبه مستقلة، أبرزها (الدولة الصَّفّارية، الدولة السامانية)، واستغلوا الصراع العربي على السلطة بين السُّنّة والشيعة، فأنتجوا مذهباً شيعياً بهوية فارسية، واتخذوه أيديولوجيا لإحياء الدولة الفارسية منذ سنة (1500م),

وها قد عبر الفرس إلى القرن (20) بدولة كبيرة اسمها (إيران)، أقاموها على أوطان البُلوش والكُرد والآزريين، وها هم يمارسون تأثيراً واضحاً على الصعيد الإقليمي، ويتزعّمون الشيعة في العالم، ويوظّفون قدراتهم لتدشين المشروع الفارسي التوسّعي بقيادة المُرشد، بل ها هم يتحدّون الدول العظمى لامتلاك القوة النووية، ولفرض المزيد من الهيمنة على شعوب الشرق الأوسط وفي مقدمتهم البُلوش والكُرد والعرب.    

ثالثاًالتُّرك والإسلام:قبل سنة (400 هـ = 1000 م) لم يكن للتُّرك أيّ نفوذ سياسي في الشرق الأوسط، كانوا قبائل بدوية متصارعة في آسيا الوسطى، واشترى الخليفة العبّاسي المأمون ( ت 218 هـ = 833 م) بعضَهم وجنّدهم في الجيش، ثم أكثر الخليفة المُعتصِم بالله (ت 227 هـ) منهم. وفي الشرق اعتنق السلاجقةُ الإسلامَ السُنّي، وعملوا مرتزقةً عند الدولة الغَزْنَوِيّة (مركزُها غَزْنَة في شمالي أفغانستان)، وسيطروا عليها سنة (429 هـ)، ثم استعان بهم الخليفة العبّاسي القائم بأمر الله (ت 467 هـ)، للخلاص من خصومه البُوَيْهِيين الشيعة، ودخل السلطان السلجوقي طُغْرُلْ بَگ بغدادَ سنة (447 هـ = 1055 م)، وقضى على النفوذ البُوَيْهي، وأصبح السلاجقة سادة غربي آسيا (أحمد كمال الدين حِلمي: السلاجقة في التاريخ والحضارة، ص25. عبد النعيم محمد حسنين: سلاجقة إيران والعراق، ص16).

 ومن عباءة السلاجقة خرج التُّرك العثمانيون، وباسم الإسلام حكموا الشرق الأوسط خمسة قرون، وسيطروا على مواردها البشرية والثقافية والاقتصادية، ووظّفوها لتنفيذ مشروعهم الإمبراطوري، وأقاموا مؤسساتهم السياسية والثقافية والاقتصادية، وطوّروا لغتهم، واحتلوا موقعاً مرموقاً في تاريخ العالم، وغزوا أوربا، وحاصروا ڤينّا عاصمة النِّمسا. إنهم عَبَروا إلى القرن (20) وهم أصحاب دولة ( تركيا) على أرض الكُرد واللاز واليونان، في أكثر مناطق غربي آسيا أهمية جيوسياسياً، ويتحكّمون في مضيقَي البُوسفور والدَّرْدَنيل، ويوظّفون الإسلام لإحياء مجدهم الغابر باسم (العثمانية الجديدة)، ويعملون لبسط نفوذهم على جميع شعوب الشرق الأوسط بما فيهم العرب.

هكذا وظّف جيرانُنا العربُ والفرسُ والتركُ الإسلامَ لخدمة مشاريعهم القومية.

فهل فعلْنا- نحن الكُرد- ذلك أيضاً أم لا؟

ذلك هو موضوع الحلقة القادمة.

ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!

19 – 3 – 2013