الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني (االحلقة 24) الفكر الديني الكُردستاني في عمق التاريخ

دراسات في الفكر القومي الكردستاني (االحلقة 24) الفكر الديني الكُردستاني في عمق التاريخ

الفكر الديني الكُردستاني في عمق التاريخ

لم تكن الأمة الكردية تعيش- قبل اليهودية والمسيحية والإسلام- في ظلمات روحية وأخلاقية، بل كانت الجغرافيا الكردستانية مهداً لأكثر المنظومات الميثولوجية والدينية عراقة في الشرق الأوسط، وللتوضيح دعونا نقمْ برحلة إلى الجذور.

مراحل تطوّر الميثولوجياالكردستانية:

الأديان- بمقدّماتها الميثولوجية- تجلّيات روحية لثقافات الأمم، وهي تعكس أوضاعها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولفهم جذور الميثولوجيا الكردستانية لا بد من العودة زمنياً إلى العصر الحجريNeolithic (يبدأ بحدود 9000 ق.م)، والعودة جغرافياً إلى جبال زاغروس وطوروس وحوافّها (مهد الأمّة الكردية)، فهناك ظهرت بواكير الحضارة بما فيها الميثولوجيا، وتطوّرت بمرور القرون عبر أربع مراحل:

1 –مرحلة حضارة گُوزانا: ظهرت حضارة گُوزانا Guzanaفي العصر الحجري المعدني (5600 – 4400 ق.م)، وسُمّيت بهذا الاسم نسبة إلى تل گُوزانا قرب Serê Kaniyêرأس العين الكردية، وعُرِّب اسمه إلى (تل حَلَف) في ظل سياسات التعريب. إن حضارة گُوزانا حضارة رائدة شملت معظم جغرافيا كردستان، في أحضانها ظهر فن الزراعة، وتدجين الحيوانات، وبناء البيوت، وصناعة الفخّار، وبواكير الميثولوجيا، وفي مقدّمتها آلهة الطَّقس، وإلهات الأمومة والخصوبة، وطقوس الدفن، والاعتقاد بالعالم الآخر، وكان الميّت يُدفَن ورأسه في جهة الغرب لمقابلة جهة شروق الشمس، وتُدفَن معه بعض أمتعته الشخصية التي يحتاجها في العالَم الآخَر. (محمد بَيُّومي مِهْران: تاريخ العراق القديم، ص 23).

2 –المرحلة السُّومرية:من جغرافيا حضارة گُوزانا انحدر السومريون إلى جنوبي ميزوپوتاميا Mesopotamiaحوالي 4000 ق.م، وجلبوا معهم ثقافة جبال زاغروس (جبال كردستان) بمضامينها الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهناك اختُرعوا الكتابة، وكتبوا (ملحمة جلجامِش)، وبنوا زَقُوراSêqre (معبدٌ على مكان عالٍ، مؤلفٌ من 3 طبقات)، واخترعوا التقويم السنوي الشمسي، وأسّسوا الپانثيون  Pantheonالإلهي (مجلس الآلهة)، بقيادة الإله الأكبر (آنو) ثم (إنْليل) ثم (إنْگي) لإدارة شؤون البشر.

ومن حضارة سومر (سليلة حضارة گُوزانا) فاضت منجزات الحضارة- ومنها الميثولوجيا- على غربي آسيا، وعدّلها كلُّ شعب بما يتناسب مع ثقافته؛ منها: قصة الطوفان والنبي نُوح (Nûh= المجدِّد)، ويؤكد التراث السومري والبابلي واليهودي والمسيحي والإسلامي أن الجبل الذي رستْ عليه سفينة النبي نوح يقع في كردستان (في التراث السومري- البابلي: نِيسِيرNisir،  وفي التوراة: أرارات، وفي القرآن: الجُودي). ومنها أيضاًأن الأكّاديين والبابليين اقتبسوا إلهَ الشمس السومري (أُوتُو) Utu) بالكردية  Etûnبمعنى الشمس، واللهب)،وسمّوه (شِمِش). وما إله الطقس السامي في بلاد الرافدين وسوريا (هَدَد= حَدَد)، سوى أحد تجلّيات الإله السومري الأصل (آدّو Addaw= أَداد= الرزّاق). (صمويل كريمر: من ألواح سومر، ص 75).

3 –المرحلة الكاشّية- الحُورية: تمتد هذه المرحلة بين (2000 – 1000 ق.م)، وكانت جغرافيا كردستان تحت سلطة أسلاف الكرد من الفرعين الكاشّي والحُوري (الهُوري= الخُوري)، إضافة إلى هيمنة الكاشّيين على بابل (وسط العراق) وسومر. وتطوّرت الميثولوجيا الكردستانية في هذا العهد، فعند الكاشّيين ظهر الإله خُود (=خُودا Xwe de= موجِد نفسه(، وإله الشمس سُورْياش Suriash، ويماثله عند الحوريين الإله (آسُورا= Ê Sore)، وقد سُمّي عند أسلاف الكرد بعدئذ (آهورا).(أرشاك سافراستيان: الكرد وكردستان، ص 42. دياكونوف: ميديا، ص 131، 132، 133).

وهناك أدلة كثيرة على أن ثقافات شعوب العراق (أكّاديون، بابليون، آشوريون، كِلْدان)، وشعوب سوريا وفلسطين (فينيقيون، كنعانيون، عِبرانيون، آراميون) تأثّرت بحضارة سومر، وبالحضارة الكاشّية- الحورية، وخاصة في مجال الميثولوجيا، وحسْبُنا دليلاً أن إله الطَّقس السامي السوري (حَدَد= هَدَد) نسخة من إله الطقس الحوري (تِشُّوب)Teshshup، وما زال موجوداً في التراث الكردي الأيزدي بصيغة (آدُو/آدي). (جرنوت فيلهلم: الحوريون، ص 100. سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ص 258).

4 –المرحلة الميدية: تمتد بين (1100 – 550 ق.م)، وفيها تحقق التجانس بين فروع أسلاف الكرد، إن الملك الميدي الأول دَياكو، وابنه فَراؤرْت، وحفيده كَيْخَسْرو، وحّدوا أسلاف الكرد سياسياً وثقافياً ودينياً إلى حدّ كبير، ووضعوا أسس التكوين الكردي، وفي عهدهم اكتسبت الأمّة الكردية ملامحها المتميّزة والمتجانسة، وفي هذا العهد تلاقحت المفاهيم والرموز الميثولوجية الكردستانية، وتمحورت حول المنظومة العَقَدية الشمسانية، ثم استمرت في تطورها إلى أن تجسّدت في الديانة الزردشتية التوحيدية.

من الميثولوجيا.. إلى التوحــيد:

مرّ الفكر الديني الكردستاني، خلال تطوّره من المنظومات الميثولوجية البدائية إلى المنظومة العقدية التوحيدية، بأربعة تجلّيات، هي التالية:

أ – الميثرائية: نسبة إلى إله الشمس الآري القديم ميثراMithra(ميثرو)، إله العَقد أو الاتفاق، وحافظ الحقوق والنظام، وحارس الحقيقة، وقاضي الأرواح بعد الموت، وكان ميثرا  يرمز إلى إله الشمس، وانتشرت عقيدته شرقاً إلى الهند، وغرباً إلى آسيا الصغرى، ودخلت روما سنة 60 م، وانتشرت خلال القرن (2 م) في الإمبراطورية الرومانية ووصلت إلى الجزر البريطانية (جفري بارندر: المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص 147. أرنولد توينبي: مختصر لدراسة التاريخ 2/ 187).

ب – الزُرْوانية: نسبة إلى الإله Zorvan(زُرْڤان)، إله الخير والنور، وإله الزمن، وفيه توحّد آهورامَزْدا (إله النور/الخير) ونقيضه أَهْريمان (إله الظلمة/الشر)، معاً وأصبحا تكويناً واحداً لا تمايز فيه ويتجاوز كل ثنائية. (صمويل نوح كريمر: أساطير العالم القديم، ص 313).

ج – المَزْدية: إله العالم والناس جميعاً، ولذا كانت الصِّلات بين الناس والقوى السماوية أكثر صفاء في الديانة المَزدية، ونرجّح أن ظهور المزدية واكب بداية ظهور الفكر السياسي التوحيدي عند أسلاف الكرد، وتحديداً في الفترة التي بدأت فيه الذهنية السياسية الكردستانية تتحوّل من طور (الانتماء القبلي) إلى طور (اتحاد القبائل).

د – الزَّرْدَشتية: وضع الملك الميدي الأول دَياكو أسس مملكة ميديا، تجسيداً لتطور الذهنية السياسية الميدية باتجاه الاتحاد، وتكوين دولة قادرة على تحرير ميديا من القهر الآشوري (يبدو أن الكرد لا يتوحّدون إلا عندما يبالغ العدوّ في البطش بهم)، وواكب هذا التطورَ السياسي دمْجُ المنظومات العَقَدية الآريانية- على يدي النبي الميدي زَرْدَشْت- في منظومة توحيدية، تحت لواء الإله الأوحد (مَزْدا)، وسُمّي (آهورا مَزْدا= أورْمَزْد)، وأضفى عليه زردشت جميع الصفات الإلهية المقدسة، ووضَعَ منظومةً عَقَدية متكاملة من حيث التشريع، والعبادات، والشعائر، والطقوس، وقصة الخليقة، ومصير الإنسان في العالم الآخر، وظهر الكثير من ذلك لاحقاً في اليهودية والمسيحية والإسلام.(ديانوكوف: ميديا، ص 355، 378. حامد عبد القادر: زرادشت نبي قدامى الإيرانيين، ص24. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 653، 655).

 تلك باختصار مسيرة الفكر الديني الكردستاني منذ أقدم العصور حتى سقوط مملكة ميديا سنة 550 ق.م، وهي مسيرة حافلة بالإنجازات الثقافية المهمّة، وبقي أن نتتبّع ما طرأ عليها في العهود الفارسية والإسلام.

ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!

13 – 3 – 2013