الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 23) تحوّلات اللاهوت والسياسة عبر التاريخ

دراسات في الفكر القومي الكردستاني (الحلقة 23) تحوّلات اللاهوت والسياسة عبر التاريخ

تحوّلات اللاهوت والسياسة عبر التاريخ

لعل الحاجة ماسّة- وخاصة في أيامنا هذه- إلى البحث في أربعة موضوعات وثيقة الصلة بالشأن الكردستاني قديماً وحديثاً:

الأول: (ما هي جذور الفكر الديني في كردستان)؟

والثاني: (هل الكرد خدموا الإسلام أم استغلّوه قومياً)؟

والثالث: (ما موقف الفاشيات الإسلاموية من القضية الكردية)؟

والرابع: (هل الإسلامويون الكرد طابور استعماري خامس)؟

وتمهيداً لذلك، ورغبة ًفي التأصيل، وعدم الضياع بين الفروع- وهي متشعّبة ومتداخلة- دعونا نبدأ بالبحث في (جدلية اللاهوت والسياسة عبر التاريخ).

جدلية اللاهوت والسياسة:

يبدو أن المنهج العلمي الأنسب لفهم جوهر الأديان لا يكون بالهبوط من السماء (الآلهة) إلى الأرض (البشر)، وإنما العكس؛ أي بالانطلاق من حاجات البشر الروحية والأنطولوجية (الوجودية) والمجتمعية والسياسية، والصعود إلى عالم الآلهة والملائكة والشياطين، ويبدو أيضاً أن الأديان تؤدّي ثلاث وظائف رئيسة:

1 – تفسيرُ وجود العالَم والإنسان، وتخليصُه من العبثية، ومنْحُه معنًى ما.

2 – البحث عن الخلود عبر (العالم الآخَر)، والتغلّبُ على رُهاب الموت.

3 – تنظيم العلاقات الاجتماعية عبر ضوابط (الخير والشر، الحلال والحرام).

وحينما كانت الجماعات البشرية في الطور البدائي، كانت الأديان شديدة البدائية أيضاً، وتسمّى (ميثولوجيا) Mythology، وعرّفها المختصون كالتالي: ” الميثولوجيا مجموعة الأساطير الدينية التي تسود في مجتمع من المجتمعات، أو في ثقافة من الثقافات؛ وهي تدور حول الخالق والمخلوق، والعالَم ونشأته، ومظاهر الطبيعة، وما يتعلق بذلك من كائنات ما بعد الطبيعة كالآلهة وأنصاف الآلهة والجن والشياطين والملائكة“.(نخبة من الأساتذة: معجم العلوم الاجتماعية،ص 583.).

وتتمحور الميثولوجيا حول مفهومين متداخلين هما:

1- الإحْيائية Animism:  هي الاعتقاد بأن الأرواح تسكن جميع مظاهر الطبيعة، وبعضها (أرواح خيّرة) وبعضها (أرواح شرّيرة)، وهي تؤثّر في حياة الناس والحيوانات، ويمكن جلْب الأرواح الخيّرة، واتّقاء الأرواح الشرّيرة، عبر ممارسة بعض الطقوس الروحية والشعائر السحرية. (زانجويل: مدخل إلى علم النفس الحديث، ص 2. فرويد: الطوطم والتابو، ص 97، 100).

2 –الطّوْطَميةTotemism: نسبة إلى كلمة  (أوت- أوتيم) Ot-Otem الهندية الأمريكية الأصل، والطَوْطَم كائن على شكل حيوان أو نبات، يمثّل الصفات المميِّزة لجماعة بشرية، وتعتبره الجماعة جَدّاً لها وحامياً، ويشترك أفرادها في الانتماء إليه وعبادته، ويعتقدون أنه يرسل إليهم الوحي عبر وسيطٍ ما، وكانوا يرسمون صورته على ممتلكاتهم وعلى أجزاء من أجسادهم بالوشْم. (دينكن ميتشيل: معجم علم الاجتماع، ص 245 – 246. فرويد: الطوطم والتابو، ص 23-25).

وحينما كان نظام القبيلة هو الشكل السياسي المهيمن على حياة البشر، واكبه ظهور (الإله القَبَلي) الذي يمثّل رمز وحدة القبيلة روحياً وعَلاقياً. ومع احتدام الصراع على الجغرافيا اقتصادياً وجيوسياسياً، وظهور الحاجة إلى (اتحاد القبائل) وتأسيس (دولة الاتحاد القبَلي)، ظهرت البانثيونات (المَجْمَعات) الإلهية القبَلية، وكان الإله الأكبر يترأّسها، يساعده في إدارة الأمور آلهة أقل شأناً، ومن الأمثلة على زعامة البانثيون: في سومر (الإله آنو، ثم إنْليل، ثم إنْگي) (صمويل كريمر: من ألواح سومر، ص 189.)، وفي سوريا (الإله بَعْل) (سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ص 184.)، وفي أثينا (الإله زِيُوس  Zeus) (جفري بارندر: المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص 66.)، وفي روما (الإله جُوپيتر  Jupiter) ( ول ديورانت: قصة الحضارة، 9/127.)، وفي مكّة (الإله هُبَل) (الطَّبَري: تاريخ الرُّسُل والملوك، 2/240).

ومع بروز الحاجة إلى مزيد من الصراع على الجغرافيا، نشأت (الدولة القومية/الوطنية) المركزية، باعتبارها الأكثر ضبْطاً وقوة، والأكثر قدرة على توظيف العنف داخلياً ضد المعارضة لتوحيد الأمّة، وتوظيفه خارجياً ضد العدوّ (مالك الجغرافيا أو المنافس عليها)، ونتيجةً لذلك برزت الحاجة إلى ظهور (القائد الأوحد) الذي تتمركز في قبضته جميع السلطات (كاهن/مَلِك، نبي/مَلِك، مَلِك، إمبراطور).

ثلاث ظاهرات متواكبة:

من هذا المنظور يمكن تفسير وجود ثلاث ظاهرات متواكبة في التاريخ:

الظاهرة الأولى: ظهور القائد القومي/الوطني الأوحد الذي يجرّد- بوسائله الديماغوجية- أقرانَه في مجلس الشورى القومي/الوطني من سلطاتهم، فيتحوّلون إلى أتباع (مريدين) له، مهمّتُهم تنفيذ ما يوكِل إليهم من مَهمّات، والأمثلة كثيرة: سَرْجُون الأكادي، حَمُورابي البابلي، ناصر بال الثاني الآشوري، دارا الأول الفارسي.

الظاهرة الثانية: ظهور الإله القومي/الوطني الأوحد الذي يستمد منه القائد الأوحد سلطته، وأحياناً كان هذا (الإله الأوحد) كبير آلهة البانثيون، أو أحد أولئك الآلهة، لكنه قضى على بقيّة آلهة المَجْمَع، أو أبقاهم شكلاً بعد أن جرّدهم من سلطاتهم، تماماً كما فعل (القائد الأوحد)، مثال ذلك: الإله القومي البابلي (مَرْدُوخ)، والإله القومي الآشوري (آشور= آسور)، والإله القومي العِبراني (يَهْوَه).

الظاهرة الثالثة: ظهور الذهنية الغَزَوية التوسّعية، ولجوء (الدولة القومية/الوطنية)- بقيادة (القائد الأوحد)- إلى ممارسة أكبر قدر من العنف داخلياً، تمهيداً لتوحيد الشعب، والزجّ بهم في تنفيذ المشروع القومي التوسّعي، مثال ذلك: تحوّل الدولة الأكّادية القبَلية الأصل إلى إمبراطورية توسعية بقيادة سَرْجُون، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الدولة البابلية بقيادة حمورابي، ودولة آشور بقيادة آشور ناصر بال الثاني.

وأحياناً كان الإله الأكبر (سيّد المجمع الإلهي) غير مؤهَّل- من خلال أسمائه العظمى وصفاته الربوبية- لأن يكون حاملاً للمشروع التوسّعي المنشود، فكان (القائد الأوحد) يطوّره ويُضفي عليه أسماء وصفات عولمية الطابع، أو ينتخب إلهاً آخر من المَجْمَع الإلهي، ويمنحه تلك الأسماء الصفات، أو يستعير من منظومة ثقافية أخرى إلهاً (ربّاً)، يمتلك مواصفات العولمة، مثال ذلك تخلّي الإمبراطور الروماني قُسطنطين الأكبر سنة (312 أو 313 م) عن المنظومة الدينية الرومانية، والتي كانت بقيادة الإله الأكبر جوپيتر ثم بقيادة ابنه أپوللو Apollôn، واستعارته (اعتناقه) المنظومة المسيحية العولمية (فراس السَّوّاح: موسوعة تاريخ الأديان، الكتاب الخامس، ص 189.).

ولا نزعم أن هذه القاعدة مطَّرِدة دائماً، وثابتة في تواريخ جميع الشعوب، لكنها ظاهرة موجودة بقوة في التاريخ الشرق أوسطي القديم والوسيط.

والآن ماذا عن جذور الفكر الديني في كردستان؟

هذا هو موضوع الدراسة القادمة.

ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!

9 – 3 – 2013