الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني ( الحلقة 22 )حذار من تسلّل الذهنيّة الفاشيّة إلى ثقافتنا!

دراسات في الفكر القومي الكردستاني ( الحلقة 22 )حذار من تسلّل الذهنيّة الفاشيّة إلى ثقافتنا!

حذار من تسلّل الذهنيّة الفاشيّة إلى ثقافتنا!

قال بول كلوديل: “كي أقف أحتاج، مثل الشجرة، إلى عمق الجذور ورحابة السماء“. (جوزيف ياكوب: ما بعد الأقليات، ص 245)، وكذلك نحن الكرد بحاجة إلى معرفة التاريخ والجذور، وبحاجة إلى معرفة الواقع المعاصر، وسأوقف الحديث في التاريخ والجغرافيا بعض الوقت، وأناقش بعض قضايانا المعاصرة، وأولها: الثقافة الفاشية وكرامة الإنسان الكردستاني.

في عُمق الذهنية الكردستانية!

لفهم الشعوب نحتاج إلى معرفة أربعة أمور: (الجغرافيا، والثقافة، والذهنية، والسياسة)، ففي كنف الجغرافيا تنشأ الثقافات، وفي كنف الثقافات تتكوّن الذهنيات، وبحسب الذهنيات تتشكّل السياسات، وذكرنا سابقاً أن الكرد من سلالة أقوام الجبال، ودلّلنا على أن “الجبل مفتاح الشخصية الكردية”، (سلسلة الشخصية الكردية- الحلقة 8- في مدوّنتنا على الرابط: http://ahmedalkhalil.wordpress.com)، وقدّمنا في السلسلة نفسها (الحلقة 15: ذهنية الكرد السياسية) عدداً من الأدلة على أن الكردي الأصيل، نفورٌ من مركزية السلطة ومن الحكم الفردي المطلَق، نزّاعٌ بالفطرة إلى احترام الشخص النبيل، لكنه نزّاعٌ بالفطرة أيضاً إلى النفور من تسلّط (الطاغية)، وإلى نبْذ (عبادة الشخصية).

وكنا أوضحنا المشترَك الثقافي في بنية الذهنية السياسية والدينية عند الكرد (انظر الحلقة 14 من السلسلة ذاتها)، فبحسب الذهنية الدينية الكردية يتميّز الإله يَزدان/أهورامَزْدا بأنه الأسمى مقاماً، لكنه ليس الأوحد سلطةً، وبتعبير آخر: هو الإله المتميّز نبلاً وتبجيلاً، لكنه ليس الإله الذي لا شريك له سلطةً (انظر كتاب أڤستا، ياسنا، هايتي 1، ص43، 44). إن السلطة في الثقافة الآرية- ومنها الثقافة الكردية- مسؤوليةٌ وليست امتيازاً، شراكةٌ وليست احتكاراً للقوة والقرار والثقافة والثروة، خدمةٌ وليست وسيلة لتأليه الطاغية. وقد رجع قادة الثقافة والسياسة في أوربا، منذ الثورة الفرنسية الكبرى سنة 1789، إلى العمل بالفكر السياسي الآري الأصيل، وها نحن نرى أن ساستهم مجرّد موظفين لا طغاة، مهمّتهم أن يخدموا لا أن يتألّهوا.

الذهنية الفاشية وإشكالية الشِّرك والشراكة:

أجل، إن الذهنية الفاشية دخيلة على الثقافة الكردستانية، إنها سليلة ثقافات الصحارى والسهوب، سادت في الشرق الأوسط تحت ظلال سيوف خرّيجي تلك الثقافات، وهي تتوهّم وجود الأمّة التي لا شريك لها (الشعب المختار)، والقبيلة/الطائفة التي لا شريك لها، والحزب الذي لا شريك له، والقائد الذي لا شريك له، والفكر الذي لا شريك له، وفي حضنها تولد عقيدة (أنا المقدّس/الحق، وغيري المدنّس/الباطل)، وفي كنفها يولد (القائد الأوحد/الإمام المعصوم)، وفي كنفها يمتلك (القائد/الإمام) وحده سلطة القرار، ويستمدّ الآخرون معنى وجودهم بالتماهي معه، إن الذهنية الفاشية تختطف الأمّة، وتضع عليها ماركة (القائد/الإمام الأوحد) بذريعة فَرادة (الشعب/الدين/المذهب/الحزب الأوحد).

ولا يخفى أن مجتمعنا الكردستاني أصبح- منذ 25 قرناً- ساحة مفتوحة للغزاة المحتلين، وأخطر ما جرّوه علينا من نكبات ليس نهب ثرواتنا، وتدمير وطننا، وتشريدنا، وزجّنا في المعتقلات، وارتكاب المذابح بحقنا، فالثرواتُ ما زالت وفيرة، والوطنُ باقٍ ويمكن تعميره، وعذاباتُ المشرَّدين والمعتقلين والشهداء رصيدٌ من الفخر لنا في بنك التاريخ. إن أخطر نكبة ألحقها بنا المحتلون هي تمرير ثقافة الصحارى والسهوب إلى مجتمعنا، وتسويق الذهنية الفاشية، وتحريف شخصيتنا عن ثقافتها وقيمها الأصيلة.

وها نحن نجني ثمار الثقافات الدخيلة، فقد باتت السيادة في أجزاء وطننا المحتل للأجندات الحزبية/السَّروكاتية، أما الأجندة الكردستانية العليا فمُزاحة إلى الهامش؛ مع العلم أن المرحلة التي نمرّ بها أكثر أهمية وخطورة من مرحلة الصراع العثماني/الصفوي، ومن المرحلة التي تلت الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، ومن المرحلة التي تلت الحرب العالمية الثانية. نحن- يا أخواتي وإخوتي- نعيش مرحلة إعادة توزيع مناطق النفوذ في العالم عامة، وفي الشرق الأوسط خاصة، وينبغي أن نكون في مستوى المرحلة وعياً وممارسة.

أسئلة كردستانية تبحث عن إجابات!

وبودّي في هذا المجال أن نتساءل معاً:

1 ــــهل من المصلحة الكردستانية العليا أن يعتبر كلُّ حزب من أحزابنا نفسَه صاحبَ الحق الإلهي في احتكار سلطة تقرير مصير جزء من وطننا؟ وبما أننا أمّة واحدة أليس للكردي في أُورْمِيه حق المشاركة في تقرير مصير عَفرين، وللكردي في خانقين حق المشاركة في تقرير مصير دَرْسيم، والعكس؟ لماذا ينغلق كل حزب على نفسه ويتحوّل إلى صندوق أسود؟ لماذا لا يبادر ساستنا إلى تأسيس (مجلس كردستاني أعلى) يضمّ نُخب الأمّة، ويكون في يده حق تقرير مصير شعبنا ووطننا؟  

2 ــــهل من المصلحة الكردستانية العليا أن يقوم حزب بتحشيد جماهير شعبنا هنا وهناك، وتلقينهم شعارات مُغرِقة في الحزبية والسَّروكاتية، إلى درجة توحي بأن ذهنية (عبادة الشخص) الفاشية قد اكتسحت ثقافتنا؟ لماذا لا تكون الشعارات الوطنية الكردستانية المشترَكة هي السائدة؟ لماذا لا يتمّ توظيف أوقات جماهيرنا وطاقات جماهيرنا في نشاطات تثقيفية وتوعوية وإنتاجية مُجدية، بدلاً من تحشيدهم وسَوقهم في الشوارع كالقطعان؟

3 ــــهل من المصلحة الكردستانية العليا أن يوظّف حزبٌ مكاسب شعبنا لخدمة الدعاية الحزبية، وحينما تُفتَتح مؤسسة لخدمة الثقافة والمجتمع، لماذا تُبرَز في تلك المؤسسة صورةُ زعيم الحزب فقط، ورايةُ الحزب فقط، ورموزُ الحزب فقط؟ هل هذه مؤسسة حزبية أم مؤسسة كردستانية؟ وهل كان تاريخنا أجوف، ولم يصبح له معنى إلا مع ظهور هذا الحزب وسَرُوكه؟ لماذا لا نرفع في المؤسسات رايتنا الوطنية المشترَكة، ورموز أمّتنا المشترَكة، وصور قادتنا التاريخيين؟

4 ــــهل من المصلحة الكردستانية العليا أن يكون (الأسايَيش) في قبضة حزب واحد، وأن يستهين بكرامة الكردستاني المعارض؟ متى نأخذ بالحسبان أن الكردستاني يتنازل عن كل شيء ليحتفظ بكرامته؟ وأن المَساس بكرامته قد يقوده إلى الحماقات والوقوف مع الأعداء؟ منذ أيام ألم يستغث مثقف في غربي كردستان، باحثاً عن ملاذ له ولأسرته في الخارج، احتجاجاً على قيام بعض أفراد (الأَساييش) بإهانته؟ هل المطلوب تشريد الكرد خارج الوطن بحثاً عن الكرامة؟ هل المطلوب تفريغ كردستان من المعارضين لتصبح مملكة (الحزب الأوحد)؟ أليس الحفاظ على كرامة الكردستاني جزءاً أساسياً من مهمّات (الأساييش)؟

آمل ألاّ تثير هذه التساؤلات غضب ساستنا، فاحترامي لهم عميق، ومن واجبي الوطني أن أحترم كل كردستاني ناضل ولو بكلمة دفاعاً عن قضيتنا الأساسية (وطنٌ محتل وشعبٌ مستعمَر)، فكيف بمن ناضل بالكلمة والفعل والروح؟ لقد وددتُ فقط قرْع الأجراس، تذكيراً بخطورة تسلّل الذهنية الفاشية إلى المنظومة الثقافية الكردستانية.

إن الذهنية الفاشية دمّرت مجتمعات الشرق الأوسط المجاورة، وهي ستغرقنا في المشكلات الداخلية، ستفكّكنا، ستدمّرنا، ولن تدعنا نتفرّغ – بكل جماهيرنا وأحزابنا وطاقاتنا- لمواجهة الأخطار المُحدِقة بنا وما أكثرها وأخطرها! ولعل من المفيد أن نتذكر معاً مقولة: “على السياسي تعلّمَ أن يحكم ذاته قبل أن يقبل بتحمّل المهمّة“. (موريس روبان: تاريخ الأفكار السياسية المقارن، ص 282).

ألا حبّذا أن يتحكّم ساستنا في ذواتهم قبل مباشرة مهمّاتهم الحزبية!

ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!

2 – 3 – 2013