الرئيسية » دراسات » دراسات في الفكر القومي الكردستاني ( الحلقة 21 )صراع أقوام الجبال وأقوام الصحراء في عمق التاريخ

دراسات في الفكر القومي الكردستاني ( الحلقة 21 )صراع أقوام الجبال وأقوام الصحراء في عمق التاريخ

صراع أقوام الجبال وأقوام الصحراء في عمق التاريخ

المشكلة الكردية ليست نتاج اتفاقية سايكس- پيكو سنة 1916 فقط، ولا نتاج الصراعات والاتفاقيات العثمانية- الصفوية فقط، ولا نتاج الغزو العربي لكردستان فقط، إن جذورها أقدم بكثير، وترجع إلى حوالي 4000 ق.م، وهي نتاج صراع أقوام الجبال وأقوام الصحارىعلى الجغرافيا، ونتاج صراع ثقافات وذهنيات وسياسات، وقبل البحث في الثقافات والذهنيات والسياسات دعونا نبدأ بالجغرافيا، فالثقافات والذهنيات والسياسات مرتبطة دائماً بالجغرافيا.

الصراع على الجغرافيا!

في فجر الحضارة كانت المنطقة الأكثر أهمية في الشرق الأوسط تقع بين الخليج السومري (يسمّى العربي والفارسي) وصحراء العرب جنوباً، والبحر الأسود شمالاً، والهضبة الآريانية شرقاً، والبحر الأبيض المتوسط غرباً. وهي تشمل الآن: بلاد فارس، وكردستان، وأذربيجان، وأرمينيا، وتركيا، والعراق، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، وغربي الأُرْدُن. وكانت منطقة الهلال الخصيب (بما فيها كردستان) مهد الحضارة في غربي آسيا، وكانت حضارة گوزانا Guzana (حَلَف Halaf)- قرب مدينة Serê kaniyê رأس العين- الممثلَ الأبرز لها، واندثرت حوالي  (4400 – 4300 ق. م)[1].

ومنذ ذلك العهد كان حوض نهرَي دجلة والفرات (ميزوپوتاميا= العراق حديثاً) وسهول سوريا ساحةً للصراع على الجغرافيا بين أقوام جبال زاغروس (أسلاف الكرد) وأقوام صحراء العرب والبادية السورية، وكان السومريون أقدم شعب انحدر من جغرافيا حضارة Guzanaفي جبال زاغروس، واستوطن سهول جنوبي ميزوپوتاميا، حيث التربة الخصبة والمياه الوافرة، وأقاموا أعرق حضارة في غربي آسيا خلال الفترة (2800 – 2370 ق.م).

وفي غرب وجنوب غربي ميزوپوتاميا كانت القبائل البدوية (سمّتها التوراة: ساميّة) تجوب البادية السورية وصحراء بلاد العرب، وكانت تلك البراري جغرافيا الجوع، وكانت القبائل البدوية تغزو ميزوپوتاميا وسهول سوريا، حيث جغرافيا الشِّبَع. وحوالي سنة (2500 ق.م) وصل الكنعانيون إلى فلسطين، ووصل الأكّاديون إلى ميزوپوتاميا، ثم تغلغلوا في سومر سِلماً، ثم وحّد سَرْجُون الأول صفوفهم، وقضوا على مدن- الدول السومرية المتناحرة، وأسّسوا مملكة أكّاد بين (2370- 2230 ق.م)، وبسطوا نفوذهم على العراق، وغزوا جبال زاغروس وخاصة القسم الجنوبي حتى إيلام (عيلام) ضمناً[2].

لكن أقوام جبال زاغروس بقيادة شعب غوتي (گوتي، جودي) ثاروا على الأكّاديين،  وسيطروا على سومر وأكّاد حوالي قرن من الزمان (2230 – 2120 ق.م)، ثم انسحبوا إلى جبالهم ثانية، تحت ضغط قوة أكّادية سومرية جديدة، قادها أُور- نامّو Ur- Nammu السومري (2112 – 2095 ق.م)، مؤسّساً سلالة أور الثالثة (2112 – 2004 ق.م)[3].

وحوالي سنة (2000 ق.م) انطلقت قبائل الأَمُوريين Amurru(العَموريين) البدوية من البادية السورية، وتغلغلوا في شمالي سوريا، ودخل فرع منهم إلى ميزوپوتاميا، وأسّسوا هناك المملكة البابلية، ومن أشهر ملوكهم حَمُورابي Hammurapet، وغزوا أقوام جبال زاغروس. وحينذاك كانت قبائل كاشّو الآرية قد وصلت إلى مناطق زاغروس، وضخّت دماء جديدة في أقوام زاغروس (إيلامي، جوتي، لوللو، سوبارتو)، وتصدّوا للبابليين، وسيطر الكاشيون على بلاد بابل حوالي ستة قرون (1741 – 1157 ق.م)[4].

وظلّ الصراع على ميزوپوتاميا وسوريا قائماً بين أقوام الجبال (الزاغروس آريين) وأقوام الصحارى (الساميين)، وحلّ الآشوريون (مزيج حُوري- حِثّي- سامي، بثقافة سامية[5]) محل البابليين في السيطرة على ميزوپوتاميا، وأسّسوا إمبراطورية واسعة شرسة ومرهوبة الجانب، غزت بلاد أسلاف الكرد في سوبارتو، وحورو/ميتّانيا، ومنناي، وأورارتو، وميديا، ومارست القهر والتدمير والفظائع، لكن أقوام الجبال تصدّوا لها بقيادة الميديين، وأسقطوها سنة 612 ق.م، وأصبحوا مع حلفائهم الكلدان سادة غربي آسيا[6].

أما سوريا الداخلية، وسواحل البحر الأبيض المتوسط، فكانت ميداناً للصراع بين أقوام الجبال بقيادة الحوري/ميتّانيين، وأقوام بادية سوريا الأراميين، وخلت الساحة للأراميين حوالي سنة 1100 ق,م، بعد أن قضى الحثيون والآشوريون على مملكة ميتّاني (عاصمتها واشوكاني Serêkaniyê)، فتغلغلوا شمالاً في الأراضي الحورية، وأقاموا هناك بعض الإمارات[7].

طرق التجارة العالمية:

إن صراع أقوام الجبال وأقوام الصحراء على ميزوپوتاميا وسوريا كان لأسباب اقتصادية وجيوسياسية معاً، باعتبار أن أهم طريقين تجاريين عالميين كانا يمران بها:

1طريق الحرير:كان طريق الحرير شرياناً تجارياً عالمياً قادماً من الصين عبر وسط آسيا، وشمالي الهضبة الآريانية، وينعطف جنوباً عند مدينة رَغَه Rege (الرَّي، قرب طهران حالياً) إلى أگباتانا (آمَدان= هَمَذان) في جنوبي كردستان، ثم يتّجه شرقاً إلى بلاد سومر وبابل (قرب بغداد حالياً). ومن هناك كان يتفرّع: فيتّجه فرع إلى مدينة تَدْمُر السورية، فإلى حِمْص والساحل السوري. ويتجه فرع ثانٍ جنوباً نحو فلسطين وجنوبي الأُردن، ليصل إلى مصر بحراً عبر البحر الأحمر، وبرّاً عبر صحراء سيناء. ويتجه فرع ثالث إلى مدينة حَرّان، فإلى مدينة كَرْكَميش على الفرات، ثم يتّجه غرباً نحو قلب الأناضول وسواحل بحر إيجَه، وسواحل شرقي البحر المتوسط، وكانت تلك الموانئ صلة الوصل التجارية والثقافية والسياسية بين مجتمعات آسيا ومجتمعات أوربا.

 2طريق البخور:كان طريق البخور والتوابل شرياناً اقتصادياً عالمياً آخر، ينطلق من جنوبي الصين في أقصى الشرق، ويمرّ عبر سواحل بلدان جنوبي آسيا، ويصل بحراً إلى موانئ جنوبي اليمن، ثم يتّجه شمالاً عبر غربي شبه الجزيرة العربية، مارّاً بمدينتي مكّة ويَثْرِب (المدينة)، ومنتهياً إلى جنوبي الأُردن، ويتفرّع هناك إلى ثلاثة فروع: كان فرع يتّجه نحو قلب ميزوپوتاميا، وفرع ثانٍ يتـّجه نحو فلسطين وسوريا الداخلية والساحلية، وفرع ثالث يتّجه برّاً إلى مصر عبر صحراء سيناء.

تلك كانت الخارطة الجيوسياسية في غربي آسيا قبل سقوط مملكة ميديا سنة 550 ق.م، وكي نفهم تاريخ الكرد وكردستان، بكل ما فيه من نقاط مضيئة وأخرى مظلمة، ومن حروب واحتلالات، ينبغي أن نأخذ هذه الحقائق الجيوسياسية بالحسبان، وننطلق منها إلى البحث في العلاقة العميقة بين الجغرافيا والثقافات والسياسات.

وهذا ما سنستكمله لاحقاً.

ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!

23 – 2 – 2013

المراجع:



[1]جيمس ميلارت: أقدم الحضارات في الشرق الأدنى، ص 157.

[2]رينيه لابات وآخرون: سلسلة الأساطير السورية، ص 14.

[3]سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ص 96. وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، 1/55.

[4]جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى، ص 213، 213. دياكونوف: ميديا، ص 127. محمد بيّومي مهران: تاريخ العراق القديم، ص 304 307.

[5]ول ديورانت: قصة الحضارة، 2/469 470. هاري ساغز: عظمة آشور، ص 170، 173.

[6]هاري ساغز: عظمة آشور، ص 54.  وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، 1/60 – 61. جرنوت فيلهلم: الحوريون، ص 79. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 82. جمال رشيد أحمد: ظهور الكورد في التاريخ، 2/131 134. دياكونوف: ميديا، ص 205، 294.

[7]– – وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، 1/84.