ـ  2 ـ

  

بين مفهوم المسلم ومفهوم الإسلام

     اِختيار الاٍسم المعبر عن المضمون لأية حركة أصيلة حق معروف لقادتها المؤسسين ، ومعترَف به أيضاً ، هذا هو دأبْ كل الحركات السياسة التي شهدت ولاداتها المنطقة العربية على الأقل ، فاِسم الحزب الشيوعي يعبـِّر عن تطلع الطبقة العاملة واِمتلاكها لأسلوب الإنتاج وآليات التغيير الجذري المفترضة وفق المعايير الفلسفية للمادية الديالكتيكية والتاريخية . وحزب البعث العربي الاِشتراكي الذي وُلِد في أربعينيات القرن الماضي كان يجسد مفهومه لنهوض الأمة العربية وتطورها الوحدوي لذا كانت شعاراته الوحدة والحرية والاِشتراكية . وقريب منه كانت تسمية حركة القوميين العرب التي وضعت نصب عينيها تحرير فلسطين ومستقبل الوطن  العربي  الفكري والنظري. هذا على المستوى المفاهيمي والنظري وبغض النظر عن الممارسة العملية ونتائجها .

 

     لا تختلف حركة الأخوان المسلمين عن التوجهات الفكرية والسياسية الخاصة بها من ناحية اِختيار الاِسم ، سوى مراهنتها على البعد الإلهي باِعتباره ملهم الفرد أو المكون الاِجتماعي على كل الصعد ، لذا كان تعريفها بعد عقدٍ على تأسيسها شاملاً مفاهيم دينية ومذهبية إسلامية وأبعاد إنسانية عدّة، كونها :“دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، ومنظمة سياسية وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اِقتصادية، وفكرة اِجتماعية”، وتلك المعايير التي حملها التعريف المذكور هي دغدغة واعية لعواطف ومصالح كل الفئات الاِجتماعية المكونة للشعب المصري ، فلكلً فرد من أفراد هذه الفئات الاِجتماعية المتراكبة في الواقع الاِجتماعي المصري له نصيب فضفاض من الغنيمة الخاصة بهذا التعريف ، وهو حقُ لكل فرد أنْ يجتني قسماً من الطموح الشخصي والفردي له ، سواء في الدنيا أو الآخرة .   

                        

      ولكن هذه الحركة لم تكتفِ بهذا الاٍسم والمفهوم المعبِر عنه ، وإنما تجاوزته لكي تحتكر تالياً “مفهوم الإسلام” كله : كدين وتوجه وغاية إلهية وبشرية ، والفرق بينهما : المسلمين والإسلام ، بيّن وواضح وصريح ، إذ لا ينبغي  “أنْ يختلط الإسلام في الأذهان بالمسلم فثمة مسافة بينهما” ، [ص 148 من الكتاب] ، والمعيار الذي كان يتحدث عن الشيخ حسن البنا كونه “كان فكرة ، كان إسلاماً ، كان رجلاً قرآنياً ، حتى أنَّ الإخوان يطلقون عليه صاحب دعوة” ، [ص 149 من الكتاب] ، هو من قبيل الخطأ المعياري ،  فلا يجوز البتة “خفض الإسلام ليتساوى مع رأس شيخهم {. . .} ورغم حبنا للمصطفى عليه الصلاة والسلام فإننا لا نستطيع أنْ نقول : إنه الإسلام ، نعم كان ، ص ، قرآناً يمشي على الأرض ، وكان خـُلقـُه القرآن ، ومع ذلك لم يقل أحدٌ عن الرسول ، ص ، أنه كان هو الإسلام ، ولكنه كان كما يقول عن نفسه : “إنما أنا بشرٌ فما حدثتكم به من عند الله فهو حق وما قلت فيه من قبل نفسي ، فإنما أنا بشرٌ أصيب وأخطيء ، وليؤكد بشريته قال : إنما أنا اِبن اِمرأة كانت تأكل القديد بمكة . الرسول إذن رجل من بني آدم وإنْ عْـلَتْ مرتبته على بقية البشر ، ولكن الإسلام عقيدة ولا يوجد في الإسلام مرتبة أخرى تجعل من المسلم إسلاماً أو تجعله قرآناً” ، [ص 149 ـ 150 من الكتاب] .      

                                                                        

         والرسول الكريم ـ ص ـ هو الأسوة الحسنة والمعيار الرئيس بالنسبة لكل المسلمين ، إنْ لم يكن المعيار الفكري الأوحد عندهم كلهم ، إذ “لم يبعث الرسول ، ص ، بالإسلام ليبشر به الناس كـ”مشروع” هذه مصطلحات تحط من قداسة الإسلام لترفع قدر الناس ، لذلك يجب أنْ تعصف الحركة التي تسمي نفسها إسلامية ذهنها ، وتجدد مصطلحاتها لأن تجديد المصطلحات سيقود حتماً إلى تغيير الأفكار ، فلا يعقل أنْ تظل الحركة المسماة إسلامية أسيرة لاِجتهادات ومصطلحات ما اِجتهد فيه الآباء ، إنهم يفعلون مثل مَنْ قال : “وجدنا آباءنا لها عابدين” . [ص 170 من كتاب السيد الخرباوي] . والقرآن الكريم والحديث الشريف ذاتهما تناولا مفهوم : مسلم ، مسلمة ، مسلمون ،  ولم يتداول مفهوم الإسلام أو الإسلامية ، [راجع الصفحتين 168 ـ 169 من الكتاب] .      

 

      إذاً ، لم تكن حركة الإخوان المسلمين هي الحركة الممثلة للإسلام ، ولم تبق مجردَ “دعوة وحكمة ووسطية وفهم واِعتدال” ، [ص 23 من الكتاب] ، بل أصبحت في جوهرها الفعلي “جماعة إلغاء العقول” ، [ص 59 من الكتاب] ، وسادها “مرض الاِستعلاء على الآخرين والتباهي بالكثرة وذم كل مَنْ خارج الجماعة وكأنهم ليسوا مسلمين” ، [ص 63 من الكتاب] ، لقد غدت “جماعة دعوية ضلـّت طريقها إلى السياسة ، زعمت أنها تريد أنْ تصلح السياسة بالدين فأفسدت دينها بالسياسة” ، [ص 92 من الكتاب] .       

                                

 

      بل أصبحت جزءاً من حالة وعي فكري محددة وعامة تتجسد من قبل بعض قيادييها الحاليين على أنها هي الإسلام ذاته ، فكل مَنْ يعادون حركة الإخوان المسلمين “إنما يعادون الله ورسوله” ، كما قال السيد مصطفى مشهور ، وفق ما ورد ذكره على لسانه  [ص 113 من الكتاب] ، وتناسلت أقانيم المطلقات التقويمية للآخرين رويداً رويداً حتى غدا الجميع باِستثناء المنضوين تحت لواء  حركة الإخوان المسلمين عبارة عن مكون اِجتماعي صلد لا يأتيه الاِختلاف الذي هو سنّة الحياة الكونية من بين يديه ، وكما يورد كتاب السيد الخرباوي على ص 307 :                                                                                            

1 ـ “خصوم الإخوان يكرهون الإسلام”.

2 ـ “المختلفون مع الإخوان لا يقبلون الحل الإسلامي”.

3 ـ “ينقمون عليهم أنْ آمنوا بالله العزيز الحميد”.

4ـ”السلام عليكم هي تحية الإسلام” فلا يجوز إلقاؤها على المسيحيين .

5 ـ “الليبراليون وأصحاب المناهج الأرضية أعداء الله” .

6ـ “لا يجوز الترحم على أموات أهل الكتاب والمشـركين والكفار” .

7 ـ “لا تحب المسيحيين لأن المرء يحشر مع مَنْ يحب” .

 

    ويستشهد السيد الخِرباوي بأحد الرموز الكبيرة والقديمة في حركة الإخوان المسلمين بغية بعث الطمأنينة على ما في قلبه وعقله ، كما يبدو ـ قبل أي معيار آخر يستهدف إقامة الحجة ، كما أعتقد ـ على موقفه السياسي الجديد ، من جهة ، والبرهنة على صحة خياره الذي رسم مصيره الشخصي والتنظيمي : السياسي المستقل ، من جهة أخرى . وهذا الرمز السياسي السابق للإخوان أي السيد محمد محمود المحرزي ،  يقول : “عندما فرض الحاج مصطفى مشهور سيطرته على الجماعة تغيرت واِنقلبت إلى وجه آخر ، وجه قبيح لا نعرفه ، الجماعة الموجودة الآن ليست هي جماعة الإخوان المسلمين ، [. . .] ، أنا لا أعرف كيف يصبر الإخوان على الإدارة التي تديرهم ، إنها إدارة كاذبة مخادعة فاشلة تكفيرية ، أضاعت الإخوان يوم ولغت في السـياسـة ، جريمة أنْ تسـتمر هذه الإدارة في مكانها ، لقد رأيتهم وهم يتحدثون في التلفزيون فرأيتُ الكذب يقفز منهم قفزاً ، إي وربي إنهم يكذبون كما يتنفسون ، والمأساة يا أخي  أنهم يعرفون أننا نعرف كذبهم ولكنهم لا يأبهون ، هذه الإدارة تشكل فيما بينها جماعة “الإخوان الكذابون” . [ص 269 من كتاب السيد الخرباوي] .      

                                                

      في أية حال أنَّ المسألة من وجهة نظري هي أبعد تاريخيا مما جرى تحديده بلسان السيد محمد مأمون المحرزي أحد الرموز التاريخية من جيل الرواد ، ولكن المهمة الآنية لدينا ، والتي تتمثل باِستعراض الكتاب تعفينا من مناقشة لمسألة الأبعاد التاريخية للاِنحراف الإخواني ، ولكن لا بد من العودة إلى قضايا النواحي التكفيرية عندهم في مرحلة خروج السيد الخرباوي من قفص التنظيم الحزبي ، ورميها بوجه كل مَنْ لا يوافقهم على آرائهم السياسية والحزبية الراهنة .           

باقر الصراف

كاتب عراقي مقيم في هولندا

         

                       يتبع

 

16 – 05 – 2013