الرئيسية » مقالات » حول كتاب الأسرار الخفية لجماعة الإخوان المسلمين – الحلقة الأولى

حول كتاب الأسرار الخفية لجماعة الإخوان المسلمين – الحلقة الأولى

 ـ 1 ـ

    من الكتب التي تترجم الحياة الشخصية ـ وتؤرخ كذلك ـ للفرد الذي قد يكون فاعلاً في ظاهرة اجتماعية أو سياسية ما ، والتي تشكل ـ كذلك ـ المقطع الحياتي للفرد من الناحية التنظيمية الزاخر بنبض المعاناة الفعلية ، جرّاء صدقها في الحياة العملية الفعلية ، واِنغمارها الكلي ـ عن إيثار واِحتساب ـ  في الممارسة العملية بتلك الظاهرة ، واِستعدادها اللا محدود للمضي في دروب التضحية المختلفة المستويات على شفرة مبادئها الفكرية ومبادراتها السياسية ، وهي متوترة الإحساس المتيقن ومشبوبة العاطفة النزاعة للإقدام ، ومتقدة المشاعر الحماسية الفياضة كذلك ، حتى منزع قوسها الأخير ، ولكن هذا الفرد يقصد الطريق الخطأ ـ خصوصاً في بعض الحالات ـ  في مسيرته المتعرجة اللولبية المتصاعدة كلها ، في حين أنه كان ينوي السير نحو مواقع اِفتراضية قد تشكل مدخلاً لاِرتياد الطريق الصحيح .

 

     بادئ ذي بدء لابد من إبداء ملاحظة عابرة ولكنه تحاول التمييز بين واقع أجزاء الوطن العربي ،  الحياة السياسية للفرد العراقي تختلف عن صنوها المصري كون الأولى يجد فيها المناضل السياسي السجن والتعذيب والقضاء تحت وطأة سياط الجلادين من بين كل أولويات العمل السياسي الكفاحي المتوقعة ، لكن الفرد الوطني المصري تشمله منظومات قانونية تؤكد آدميته وهو في كل مسار حياته الكفاحية ، ولعل ما يرويه هذا الكتاب عن كيفية التعامل مع المعتقلين السياسيين هو التجلي البارز على تلك التجربة السياسية العملية ، التي تبرهن على تمايز الحالتين السياستين : المصرية والعراقية .

 

     والكتاب الذي يلخِّص تلك الترجمة ويكثف دروسها التجريبية، الذي نتعرض له هنا بالعرض الموسع يأتي في سياق محاولة جادة لاِستعراض مضامينه بمستوياته المختلفة، وكذلك المتفاوتة الدروس ولكنها غير الملتبسة، والمؤلف من قبل السيد ثروت الخِرباوي، هو من هذا القبيل ، كما أعتقد .

 

      إن الكاتب هنا يقدم على تسجيل تجربته العملية بأمانة وبشكل طوعي وحر بعد ضياع أجمل سنوات عمره اِنطلاقاً من اِعتقاد فحواه أنَّ “الكتابة فريضة” لذا هو يبادر إلى تسطير وقائع “فكرته وتجربته” ويؤرخ لحياته السياسية ، ويحاول عبرها “اِستخلاص المعاني” التي تنطوي عليها معاناته التنظيمية والمعتقدية ، التي يقترب فيها ـ في بعض الأحيان ـ من إلباس الحق السياسي بالباطل السياسي ومراوغة الحق الفكري المقدس للباطل السياسي في مرحلة تاريخية ملموسة على الصعيد العالمي والإقليمي والعربي ، جرّاء الولاء الفكري المسبق والتعصب التنظيمي جراء نومه وممارسته في الحُجَر المظلمة ، ولكنه في النهاية  يقترب”من الأفكار السرية للجماعة” بعد دنوه من “منطقة الحياد” عشية خروجه من التنظيم السياسي للإخوان المسلمين الذي قفصـّه حد الخنق “التنظيم القطبي الذي سيطر على مقادير الجماعة وجعل من أفكار سيد قطب دستوراً فكرياً للإخوان” ولكنه ـ أي المؤلف ـ يستدرك الدروس التاريخية سريعاً ويكشف عن الحقيقة التي اِكتشفها في رحلة ممارساته الصادقة ، والحقيقة العينية التي يتوصل إليها في نهاية رحلته الشخصية / التنظيمية هي التالية : “عندما عرفت الحقيقة أدركت أنَّ الأمر كان أخطر من ذلك بكثير” . [وكل الجمل المصفوفة بين مزدوجات وردت على الصفحات  207 ـ 210 من الكتاب] .   

 

     النثر الأدبي العالي ولكنه الرقيق حد الشفافية الذي يتم عرضه في توجهاته نحو بؤرة ساطعة تتلملم حول موضوعٍ مركْز الفكرة الأساسية ، والإلتقاطات الفكرية اللماحة والذكية في آنِ مشترك ، والوعي العميق بدروس التجربة الذاتية المرهفة ، بما تنطوي عليها من خصائص جدلية وحوارية ، ولكنها الحادّة كنصل السيف المرهف ، كلها مؤشرات على جدِّية تناول الموضوع الشائك والمبحوث بشكل تفصيلي في هذا الكتاب الهام ، وعمق التداول في معانيه وسعة التشاور مع الأخ والصديق القريب من قبل المؤلف وتشعب التساؤلات المتفحصة والمتدبرة مع الآخرين ولديهم ، بغية التأكد المعرفي الذاتي حد التوصل إلى عين اليقين من المسار التاريخي لحركة حزبية اِستطاعت ببريقها اللامع حد العشو أنْ تخطف ألباب الأعضاء والأنصار والمريدين المخلصين المتسلحين بالإيثار المفعم بالأمل ، حتى لو كان ذلك وهماً وهواماً وهياماً ، وتجعل من دقائق حياتهم وثواني إرادتهم وتوثب نزوعهم الفكري والسياسي المتعدد الوجوه ، عملاً يومياً متدفقاً بالمنجز الفعلي والعمل الغائي ، مقروناً بالعاطفة المتفجرة الفياضة ، والإخلاص الإنساني المجرد من أية نوازع ذاتية مصلحية بحته ، بالقدر الذي يرجو فيها الثواب من الله في الدنيا والآخرة ، والذي لا تنضب ـ كما يعتقد ـ مفاعيله الحركية الإيجابية حتماً  .

 

      وبقدر ما كان فعل الصدق والصبر والإيمان عند ذلك الفرد متماهيات متماوجات بالدفق والحمية والإرادة الصادقة ، بقدر ما ستكون ردود الفعل البشرية الواعية التي قوامها الصدق والصراحة والجرأة والإقدام ، الذي حاول المؤلف من خلالها تمزيق حجُب التضليل وتقطيع خيوط الشرك الذي تخبط فيها ذلك الفرد الذي أبحر نحو ضفاف الجنة الموعودة المنفَذة خطوطها المعمارية على الأرض ، كما قدر وبشكل مسبق واِعتقد مخلصاً ،  ليجد نفسه في مستنقع “الخبث والخبائث” : حمام الإخوان المسلمين ، كما يقول المرشد الأعلى للحركة السيد المستشار مأمون الهضيبي في حواره الخشن مع المؤلف ، [ص 20 من كتاب الخِرباوي] .

 

    أظن أنَّ السبب الكامن وراء ذلك التوهان المضني ، والوقوع في مطبات الدوران العبثي الذي إنتظمته الروح اللا أدرية والعقل الذي يتجاهل الحقائق المرئية إنْ لم أقلْ الملموسة ، والذي ربما اِستمر طوال العقدين من العمر الزمني له وهو يلهث في معترك التنظيم ، أو أكثر ، هو تجاهل “المكان” الجغرافي والاِجتماعي كمفهوم سياسي عيني ، و”الزمان” الدهري كمقياس موضوعي محايد يستطيع البشر عبر الممارسة الواعية في تجنب مخاطره خصوصاً إذا كانت قواه متخلخلة ونسبة قوتها متضعضعة ، في بعديهما المحلي والعالمي ، والتدثر بدلاً من الاِلتزام بشروطهما الموضوعية ، بالتمسك في مفاهيم “المطلق” الميتافيزيقي ، في طلاق نهائي  مع التماهي بعناصر الأفكار السياسية “النسبية” التي يفرزها الواقع ، والإستخلاصات الفكرية الجزئية الهائمة التي لا يعرف أحدٌ ما طرفيها خصوصاً المستـَمَّدة من الأفواه الدرّاخة التي لا تمرر ألسنتها ـ قبل النطق والكلام ـ على عقولها المغروسة في رؤوسها : تلك العقول المتفكرة المتدبرة المتبصرة في الواقع السياسي والاِجتماعي القائم ، حتى وإنْ اِدّعَت غير ذلك معوضة عن ملكة التفكير بلبس جُبة العلم الفضفاضة ولف عمامة التفقه البليد ، بشكل تبريري وتعسفي ، فضلاً عن ضرورة الاِنطلاق من فضائل الإخلاص الوطني والقومي والأممي الحقيقية .   

 

     مصر القطر العربي الكبير هي موقع التجربة الوطنية الثرّة تشكل المكان في التاريخ الحديث والمعاصر ، التي عمادها تجربة الثالث والعشرين من تموز ، والنصف الثاني من القرن العشرين هو الزمان : زمان حركات التحرر الوطني وسيرورة مفاهيم الحياد الإيجابي ووثائق مؤتمر باندونغ الفكرية والسياسية ، البعد العالمي يتجسد في القوة الأمريكية المركزية في منظومة التطورات القادمة واِحتلالها القطب الرئيس في مركز الأحداث التي ستشهدها المنطقة العربية لاحقاً رغم ما يقال الصراع بين المعسكرين العالميين : الشرقي بقيادة الاِتحاد السوفييتي والغربي بقيادة أمريكا واِنعكاسات هذا الصراع الإستراتيجي على بلدان القارات الثلاث .    

 

      السياسية الكونية الأمريكية المنفلتة من كل الشرائع الدولية التي تعد المصالح السياسية للشعوب كلها ، تشكل عناصر سياستها هي الأطغى والأقوى والأغنى والأوعى ، ومنبع المنطلقات لإستراتيجية السياسية بخصوص المنطقة العربية ولأسباب تاريخية مفصلية ، هو المصلحة الحيوية لكيان الاِغتصاب الصهيوني فيما بعد حرب  الاِستنزاف وأكتوبر ، أو وفق التعبير السياسي لأحد الكتـّاب الإستراتيجيين  “في منطقتنا ، فإنَّ القوة الأمريكية طليقة والقوة السوفيتية مقيدة ، أي أنَّ ـ وإنْ كان مرهقاً ـ قد مالت كفته لصالح بما يعطي لإسرائيل حرية في الحركة ليس لها حدود” ، [محمد حسنين هيكل ، مبارك وزمانه ، ص 183] . من جهة . والرئيس جمال عبد الناصر هو وخطه السياسي هو التكثيف الفكري المعبِّر عن الطبيعة التاريخية للمرحلة والرمز القومي العربي المعبر عن النهج السياسي لحركة التحرر العربية المصرية المتصادمة مع الإرادة السياسية الدولية العالمية الباحثة عن مصالحها الإستراتيجية . من جهة أخرى .

 

      ذلك هو التاريخ الاِجتماعي والسياسي العيني لرحلة المعاناة ، الإستراتيجية والتكتيكية، التي قطعها شوط التقدم والتحديث والنهوض المصري بين العام 1952 ـ 1970، والتي عاصرها المؤلف الخرباوي، قلد عملت القيادة السياسية الناصرية التي  عملت في سبيل الذات الوطنية والعربية، وفق الإمكانات الاِقتصادية والاِجتماعية المتوفرة، والممكنات الموضوعية والذاتية الإقليمية والعالمية، ودون تناول هذا المعيار السياسي الموضوعي الأساسي بالتفحص المدقق بالوقائع، والتفكير الجاد المستغرق بالتفاصيل، وضرورة وعيهما العميقين، فإنَّ اِستحضار كل المعايير الأخرى تبدو نافلة. لا شك في ذلك . 

 

باقر الصراف

كاتب عراقي مقيم في هولندا                      

يتبع

15 – 05 – 2013