الرئيسية » مقالات » وحدة العراق…كذبة كبيرة جدا !

وحدة العراق…كذبة كبيرة جدا !

واضح جدا من خلال خطب الجمعة الاخيرة المصادفة 3-5-2013 التي يلقيها بعض مشايخ السنة في المحافظات التي تشهد احتجاجات واعتصامات منذ اكثر من شهرين، ان الحديث عن مايسمى ” وحدة العراق” قد اصبح مصطلحا بلا مضمون وعبارة تخلو من المحتوى ومفهوما يفتقد للمصداق، واضحت عبارة ” وحدة العراق “، في درجة من درجات مستويات تشخيصها، في خطر حقيقي بعد ان طلب المتظاهرون علناً الانفصال وتشكيل أقليم خاص بهم.

اذ يشعر المراقب للوضع السياسي العراقي الحالي بتنامي ظاهرة المطالبة بالانقسام وتشكيل اقاليم على اسس مختلفة، وان يكن العامل الطائفي ابرزها. وهي ظاهرة تدل على تبلّور وعي جديد للمواطن العراقي بعد 10 سنوات من سقوط نظام البعث الديكتاتوري، يتعلق ظاهرا بمفهوم وحدة العراق لكن له ابعاد اخرى تتعلق بالوطن والوطنية ومفاهيم الشراكة والعيش المشترك ومستقبل العراق والمنطقة وتغيير طبيعة البلد الديمغرافية.

يرد بعض المتفاءلون ممن يؤمنون بما يسمى” وحدة العراق” بان من يدعون الى الاقليم السني هم اقلية وان الكثير من شيوخ العشائر فضلا عن المواطنين في هذه المحافظات يرفضونها ولايقبلون بها، وهو رد سطحي وغير عميق لانه لايرى الوجه الاخرى للحقيقة والذي يمكن اجماله ادناه:

الاول: ان هنالك الكثير من المواطنين في هذه المحافظات ممن يؤيد فكرة الفدرالية وتشكيل اقليم سني يضم محافظاتهم، وقد كان صوتا غائبا او مُغيّبا بل خجولا يخشى من نقد الاخرين له اذا ما صرح بذلك امام من يصدحون بوحدة العراق، لكنه الان اصبح ذا لون اكثر فقاعة وبدأ يظهر للعلن بعد ان كان يُهمس به في الجلسات الخاصة.

الثاني: هنالك بالمقابل رأي اخر متنامي في المحافظات الشيعية يؤيد فكرة انشاء اقليم الوسط او اقليم الجنوب الذي يضم جميع المحافظات الشيعية في العراق، وهو راي سيزداد في الايام القادمة، خصوصا مع عدم استقرار العراق الامني والسياسي، وسيكون له مكان في برامج وافكار واطروحات العديد من السياسيين في تلك المحافظات.

الثالث: ان عرى التعايش السلمي بين مكونات الشعب العراقي وعلى نحو أدق بين السنة والشيعة قد تعرضت لجراحات يصعب شفائها على المدى القريب، وهي شيئا فشيئا آخذه في الانحلال وسائرة في طريق نهايته مظلمة. أذ ان اواصر هذا التعايش قد دخلت غرفة الانعاش بعد ان تدهور وضعها الصحي وفتكت بها الامراض التي وقفت ورائها  العمليات المسلحة والارهابية التي قام بها تنظيم القاعدة وجميع قوى التطرف والمليشيات التي نجحت، وعلى نحو كبير، في تفكيك وحدة البناء الأجتماعي في العراق وتحطيم نسيجه وروابط الاتصال والعلاقات الافقية التي كانت موجودة بين المجتمع.

الرابع: نجاح تجربة اقليم كردستان على مستوياتها المختلفة وخصوصا المتعلق بجانبيها الامني والاقتصادي، مما جعلها نموذج يداعب خيال العديد من المواطنين الذين اصبح الاقليم مصدر اعجابهم وهدفا ومبتغى يحاولون تطبيق نموذجه في محافظاتهم.

الخامس: تحميل كل طرف من اطراف المجتمع السني والشيعي مسؤولية مايحدث لهم للطرف الاخر، فالشيعة يحملون المكون السني مسؤولية التفجيرات الاجرامية التي تحدث في مناطقهم لان السنة، يأوون أو يتعاطفون، مع المجاميع المسلحة والارهابية، كما ان السنة يحملون الحكومة ” الشيعية” مسؤولية مايسمونه ” التهميش والاقصاء والظلم” الذين يشعرون فيه، أو على نحو اكثر دقة ومصداقية، ما استطاع متطرفي السنة اقناع عامتهم به وتسويقه بينهم.

هذا الاتهام المتبادل يدفع كل من المكونين الى الايمان بان السلام والامان لايتحقق الا اذا عاش كل مكون لوحده ينعم بخيرات محافظته ويحافظ على سلامة ابناءه ولايستيقظ كل صباح على اخبار الاغتيالات والقتل والارهاب والدمار.

الاتهام الشيعي للسنة وتحميل الاخير للشيعة مسؤولية مايشعرون به من ظلم، وبالرغم من كونه محض افتراء وخدعة ووهم كبيرين انطلى على الكثير من ابناء الطائفتين، لانه ليس كل السنة يدعمون الارهاب ولايتحمل الشيعة مسؤولية اي ظلم يتعرض له السنة…هذا ان كان هنالك اصلا ظلما للسنة في العراق، اقول بالرغم من ذلك علينا ان لانقلل من هذا الشعور الذي نجده لدى الكثير من الشيعة والسنة، ولا يجب ان لا نتغاضى عن وجوده بمجرد انه يقوم على  خطأ التعميم غير الصحيح.

فليس كل العقائد والاراء والافكار التي يحملها الناس وتُسيّر حياتهم وتتحكم في قراراتهم هي صحيحة او مبنية على استقراء كامل، وهذه القضية مهمة اذ انه اذا كانت الافكار والانطباعات التي يحملها الشيعة على السنة او السنة على الشيعة غير صحيحة فلايعني انها ليس لها اثرا او لاتحتل مكانة واقعيا او ان علينا عدم وضعها في البال واعتبارها تحرك توجه الناس وميولهم.

فالطائفية في العراق، وعلى عكس مايشاع عنها في تشخيص وصفها، موجودة داخل بنية المجتمع وليست في عقل السياسيين، اي انها طائفية مجتمعية وليست طائفية سياسية فحسب بل ان الاولى سبب للثانية وليس العكس ! كما يظن الكثير، ولولا وجود طائفية في المجتمع العراقي، ولو على نحو مستتر ، لما ظهرت الاحزاب الطائفية او سياسيين يتحدثون باسم الطائفة ونيابة عنها.

الطائفية المجتمعية في العراق تظهر بشكل جلي في الممارسات التي تحدث على ارض الواقع والتي تُناقض الكلام المُنمق والتصريحات النظرية “المتفائلة” حول وحدة المجتمع والعراق وغيرها من العديد من مثيلاتها التي لاتصمد امام الواقع!.   

فالارهابي في مصطلحات الشيعي وتصوراته هو مجاهد لدى السني ! ومن تعدمهم الحكومة بسبب ارتكابهم اعمال ارهابية وقتل وتفخيخ هم يستحقون ذلك ونالوا جزاءهم العادل في تحليل المجتمع الشيعي لكنهم، وهذه كارثة وطامة كبرى، عند المجتمع السني ليسوا ارهابيين بل تقام له مراسيم جنائزية تفتخر بهم ضاربة بعرض الحائط مايشعر به المكون الشيعي تجاههم، او مافعلوه من اجرام بحق الشعب العراقي.

كيف يكون العراق موحدا والذي تقوم الدولة باعدامه ” ارهابي ” عند الشيعي و ” مظلوم” .. ” وبريء ” عند السني ؟

واين يمكن للعراق ان يتوحد وفي الانفجارات والعمليات الارهابية التي تحدث في بعض مناطقه تجد من يحزن ويبكي عليهم في حين ان الاخر لايبالي بل ويجدهم يستحقون ذلك إحياناً ؟

اي عراق واحد مجتمعه السني،  يمدح بل ويتفاخر بالولاء لــ” الجيش الحر” في سوريا بينما مكون المجتمع الاخر يعتبره تنظيم ارهابي يقتل الشيعة في سوريا ؟

وماهي شروط الوحدة في هذا البلد الذي تقوم بضع نفرات متشرذمة محسوبة على السنة بقتل جندي او منتسب امني وتمثل بجثته وتحرقه علنا وسط هتاف اخرين مؤيدين لذلك ؟

ومتى تجسدت وحدة العراق وفي اي حادثة او موقف يمكن من خلاله ان يكون مثالا يجعل كل ماقلته اعلاه غير صحيح ؟

كيف اجد وحدة العراق ووحدة مكوناته ويوم قُتل فيه ابو مصعب الزرقاوي ” وهو احد اكبر ذباحي الشيعة” قد حزن عليه الكثير من اهل السنة ؟

اعتقد، ومن خلال نظرة فاحصة عميقة وهادئة، ان الحديث عن وحدة العراق، وبعد كل ماجرى ومايجري وسيجري فيه، هو وهم وكذبة كبيرة يتمسك بها بعض الساسة حتى لايُقال انه قام او دعم فكرة تفكيك العراق وتقسيمه فتلحقه لعنة التاريخ ! على الرغم من ان الفيدرالية بل وحتى تقسيم العراق الى ثلاث دولة أو أقاليم هو امر ليس بمستحيل ولامستهجن ولايمكن حتى ان يوصف من ينادي به بانه مارق فكّك العراق.

فالدم العراقي اقدس واشرف من الف ” وحدة ” مزعومة ” و” موهومة ” تنطق بها الشفاه في لحظات سياسية غارقة في التجريد! خائفة من لعنات تاريخية اراها حسنات وفضائل لانها تسعى للحفاظ على امن وسلامة الانسان العراقي الذي هو لدي اعظم وافضل واشرف من كل “وحدة” تطير حروف كلماتها في ذهن السياسي فحسب وليس لها اثر حقيقي على ارض الواقع.

       

مهند حبيب السماوي

alsemawee@gmail.com