الرئيسية » مقالات » مقالات بحثية- الجزء التاسع/ كيف تميز اهدافك عن احلامك ؟

مقالات بحثية- الجزء التاسع/ كيف تميز اهدافك عن احلامك ؟

مقالات بحثية الجزء التاسع/ كيف تميز اهدافك عن احلامك ؟

 

                                            مهند حبيب السماوي

 

في محاولة منها لإكتشاف أهمية تحديد الأنسان لأهدافه بواقعية،وأثر ذلك على مستقبله الشخصي والمهني، قامت جامعةYale  الامريكية بعمل بحث لعينة من خريجي أدارة الاعمال ممن أنهوا دراستهم الجامعية منذ عشر سنوات، فوجدوا ان 83% ممن العينة الذين لم يكن لديهم اهداف محددة سلفا، كانوا يعملون بجد ونشاط كي يبقوا على قيد الحياة ويوفروا لهم ولأسرتهم متطلبات المعيشة فقط.

اما العيّنة التي كان لديهم بالفعل أهداف، لكنها أهداف غير مكتوبة ولايسندها خطط واضحة للتنفيذ، فهي كانت 14% وكانت هذه العينة تكسب ثلاث أضعاف العينة السابقة، وأخيراً وجدت الجامعة أن نسبة 3% من الطلاب، ممن قاموا بتحديد اهداف واضحة وقاموا بصياغتها وكتابتها ووضع الخطط اللازمة لتنفيذها، كانوا يربحون عشرة اضعاف دخل العينة الاولى.

هذا البحث الاكاديمي، وكما يتعرض له الراحل رائد التنمية البشرية في العالم العربي الدكتور ابراهيم الفقي في كتابه” سيطر على حياتك”،يكشف لنا أهمية أن يقوم الانسان الذي يبتغي النجاح في حياته بوضع أهداف واقعية (  set goals ) يسعى بجد لتنفيذها، وضرورة، وهي النقطة المهمة، تمييز هذه الاهداف الواقعية عن الاحلام او ما اطلق عليها شخصيا أسم ” الاهداف الوهمية”، وهي التي ستكون موضوع الجزء التاسع من سلسلة ” مقالات بحثية”.

في هذه السلسلة سيتم التركيز على الاهداف من منظور التمييز القاطع بين اهداف الانسان التي ينبغي ان يعمل على تحقيقها بواقعية ووفقا لمحددات معينة ساتطرق لها ادناه، وبين احلامه التي تبقى في حيز الخيال ولاتنتقل الى الواقع.

أذ وجدنا من الضروري ان نكشف للقارئ حقيقة أن الكثير من الاحلام والهوامات والافكار الوهمية التي تتطاير في خياله معتقدا انها أهداف في طريقها للتحقق هي، في حقيقة أمرها، ليست كذلك، ويجب على الانسان ان يدرك ذلك حتى لا يعوّل عليها حينما يرغب ان يحقق مايصبو له من اهداف في الحياة التي يعيشها، وبالتالي لاتحدث فيصيبه الاحباط ويشعر بيأس وتصيبه حالات نفسية سلبية تؤثر عليه.

يشير الباحثان Dave Feldman و Max Kubota  في بحثهما “ Hope “الى ان الاشخاص الذين يضعون اهداف لحياتهم هم بالنتيجة سيكونون أكثر سعادة وصحة ويمتلكون عاطفة ايجابية كبيرة مع نسبة قليلة من الكآبة والقلق فضلاً عن تقدير نفسي عالي على حد تعبير الدكتورة Diane Dreher .

لكن تبقى قضية مهمة جداً وهي تحديد هذا الهدف اولا والنظر لمدى واقعيته ثانيا، حيث لن يصبح الهدف هدفا حقيقيا واقعيا مالم يكن متسما بخمس سمات، وهذه السمات كما يحددها بعض خبراء التنمية البشرية هي :

1- أن يكون الهدف محدد Specific  فالمفترض ان يكون الهدف محدداً وواضحاً لا ان يستم بالغموض.

2- أن يكون قابل للقياس Measurable    فلاينبغي السعي وراء هدف غير ممكن قياسه.

3- أن يكون ممكن الحصول عليه Attainable اذ من العبث ان نبحث عن هدف لايمكن الحصول عليه والوصول اليه.

4- أن يكون واقعي Realistic  فلا يمكن لاهداف وهمية او خيالية ان تكون مسعى لنا.

5-  أن يكون مزمّن…Timely   أي يكون له وقت واضح ومحدود.

الباحث C. R. Snyder مؤوسس سايكولوجيا الامل Hope Psychology  أختصر هذه السمات التي يجب ان تتوفر بالهدف وحددها بثلاثة عناصر، اذ يجب، لديه، ان يكون الهدف ذا معنى  meaningful وقابل للقياس measurable  وسهل الادارة manageable .

مؤوسس سايكولوجيا الامل اشار الى ان الانسان سيكون لديه أمل حينما  يكون لديه :

الاول: قابلية لوضع هدف واقعي( أ انا اعرف اين اريد ان اذهب )

الثاني: ان يستطيع تشخيص كيفية انجاز هذه الاهداف ومن ضمنها كيف نبقى مرنين ونطور طرق بديلة للحل (انا اعرف كيف اذهب هناك)

الثالث: ان نؤمن بانفسنا (انا استطيع فعل ذلك )

وهي نظرية جديدة في مفهوم الامل نظر اليه الباحث من حيث اعتبار الامل عملية ادراكية عقلية وليست مشاعر واحاسيس، وقد ربط فيها الباحث بين مفهوم الامل وبين تحديد الانسان لاهدافه، على حد تعبير الباحثة الاجتماعية والسايكولوجية Elana Premack  .

هذه السمات تستطيع ان تشكّل بمجملها الهدف الواقعي الذي يجب على كل انسان ان يكون لديه لكي يسعى لتحقيقه في المستقبل، كما يجب حينما يكون لديه مثل هذا الهدف الواقعي ان يعرف جيدا الفرق بين هذا الهدف وبين الحلم !، اذا الكثير من الاشخاص يبقى طيلة حياته وهو يحلم باشياء لن تتحقق بل ويموت وهي لم تزل في خياله  يجر عليها حسرات عدم رؤيتها مُنجزة امام عينيه لانها ببساطة ليست اهداف واقعية بل احلام وخيالات وهوامات.

الباحث Craig Jarrow وهو صاحب موقع Time Management Ninja الذي يتابعه المئات من الاشخاص والذي تجد فيه عشرات المقالات التي تتحدث عن الفعالية والمهارات والعادات والتكنولوجيا وتنظيم الوقت، وضع  تمييزا واضحا ودقيقا بين الاهداف الاحلام، أذ تساؤل Jarrow  في مقالته”عشر اختلافات بين الاهداف والاحلام يجب ان تعرفها”:

10 Big Differences Between Goals and Dreams That You Must Know

هل تنتظر من حلمك ان يصبح حقيقة  لكي يغير حياتك؟ ويرد على السؤال…انا اسف لاني اقول لك بان الاحلام لاتفعل ذلك فاهدافك هي من تغير حياتك فقط!

وهنا يضع عشر تمييزات قاطعة بين الهدف والحلم:

1- الهدف شيء ما تعمل عليه… بينما الحلم شيء تفكر فيه.

2- الهدف يحتاج لعمل وفعل… بينما الحلم يمكن ان يحدث من غير ان ترفع اصبعك حينما تكون نائما.

3- الهدف له موعد نهائي ووقت محدد… بينما الحلم قد يستمر مدى الحياة ، فبعض الناس يقضون كل حياتهم وهم يحلمون.

4- الهدف لايأتي من غير ثمن ووقت ومال وجهد وعرق… بينما الحلم مجاني.

5- الهدف يؤدي الى نتائج… بينما الحلم لا يؤدي الى اي نتيجة.

6- الهدف يقوم على اساس واقعي …بينما الحلم شيء خيالي ، انت قد تحلم بانك سوبر مان لكن هذا لن يحدث اما الهدف فهو شيء يمكن تحقيقه ويقوم على وقائع ، وقد يكون الهدف كبيرا لكنه ليس فوق طبيعي.

7- الهدف يغير حياتك… بينما الحلم يلهمك فحسب.

8- الهدف يجب ان يتم التركيز عليه… بينما الحلم لا .

9- الهدف يحتاج لعمل مضني…بينما الحلم يحتاج لخيال فقط وهو سهل ..فكل الناس لديهم احلام لكن القليل منهم لديهم اهداف.

10- الهدف يعمل على توسيع قدراتك ومهاراتك ..بينما الحلم يوسع خيالك فحسب.

ومع تحفظنا الشخصي على بعض النقاط التي نرى انها جزء من الاخرى، فانه يتضح بشكل جلي الفرق الكبير والشاسع بين ان يكون لشخص ما هدف محدد بأطر موضوعية وواقعية وبين ان يكون هذا الشخص غارق في احلامه، وهو فرق لايكون مجاله نظريا فحسب بل ان الباحثون يؤكدون على ان تحقق الاهداف الموضوعة من قبل الشخص يؤدي الى انتاج مادة الــdopamine وهي مادة في الجسم مسؤولة عن الشعور بالمتعة والارتياح، وعلى نحو متبادل فان الــ dopamine  يعمل على تنشيط مجموعة من الدوائر العصبية التي تجعل الانسان متلهفا للخوض في غمار تحديات وتجارب جديدة على حد تعبير الباحث والكاتب Hara Estroff Marano .

اما الاحلام فانها تبقى في ذهن الشخص حيّة متوقعا، عن جهل، انه يستطيع في يوم ما ان يحققها غير مدرك انها تفتقر لشروط التحقق والخروج من حيز الخيال والفكر الى دائرة الحقيقة والواقع الفعلي، فــ”الاحلام لاتموت من تلقاء نفسها… نحن من نقتلها ! ونحن نستطيع ان نعيدها للحياة ” على حد تعبير الكاتبة  Jen Kim  … وهي عبارة جميلة، واجد نفسي مفسرا لها وعلى طريقتي، اذ علينا ان نقتل احلامنا التي ليس لها مستقبل واقعي، وعلينا ان نتعامل معها بمنهج ورؤية مغايرتين بعد موتها.. وهي اعادتها للحياة وذلك من خلال بث الواقعية فيها وتبديل ” جنسها” من حلم الى هدف يسعى المرئ الى تحقيقه كي يشعر ان لوجوده في هذه الحياة قيمة ومعنى وفائدة.

 

 

مهند حبيب السماوي

alsemawee@gmail.com

 

– للاطلاع على عناوين أجزاء السلسة السابقة من مقالات بحثية :

الجزء الاول: 
مقالات بحثية – أدمان الفيسبوك
الجزء الثاني:
مقالات بحثية- علاقة الأفلام الإباحية بالكآبة 
الجزء الثالث: 
مقالات بحثية – الكذب والغش والسرقة
الجزء الرابع :
مقالات بحثية – الفرق بين الحب والشهوة 
الجزء الخامس:
مقالات بحثية- كم مرة تمارس الجنس ؟
الجزء السادس:
مقالات بحثية- النوموفوبيا 
الجزء السابع:
مقالات بحثية- معنى صورتك في الفيسبوك

الجزء الثامن:

مقالات بحثية- الانسان والهاتف النقال