الرئيسية » مقالات » بدايات للاصلاح

بدايات للاصلاح

 يتميز النظام السياسي الديمقراطي عن غيره من الانظمة الديكتاتورية بخصلة هي في غاية الاهمية، الا وهي، قدرته على الاصلاح الذاتي والتطور والتنقل من صيغة حسنة الى اخرى احسن، اما النظام الديكتاتوري فلا يمكن تطويره ابدا، لان الديكتاتورية لا تتطور، والاستبداد لا يتحسن، والنظام البوليسي لا يمكن اصلاحه، وكون العراق الجديد تأسس على مبادئ الديمقراطية وادواتها، ولذلك يمكن اصلاح نظامه السياسي وتطويره وتحسينه مهما تدهورت الاوضاع السياسية ومهما تشابكت المشاكل، فالديمقراطية قابلة للاصلاح على العكس من الديكتاتورية، فكيف يمكن تحقيق ذلك، والعراق اليوم على كف عفريت، قد تفلت الامور بشكل سئ لا سامح الله؟.

   اولا: وقبل كل شئ، لا اريد هنا ان احمل جهة دون غيرها مسؤولية الاوضاع السيئة الجارية في العراق.

   صحيح ان هناك اطراف تتحمل مسؤولية اكبر من غيرها، ولكن يبقى الامر ان الجميع يتحملون المسؤولية، وبنسب متفاوتة، كل حسب موقعه ودوره في المجتمع والدولة، فالمسؤولية هنا تشاركية.

   ثانيا: فانا لست مع من يحاول اقناع نفسه بان عهد النظام الشمولي البائد افضل من العهد الجديد، ففي ذلك العهد كان هناك لص واحد واليوم كثر اللصوص، على حد قولهم، وفي ذلك العهد كان عندنا ديكتاتور واحد واليوم عندنا اكثر من ديكتاتور، وفي عهد الطاغية الذليل صدام حسين كان في العراق تمييز طائفي مشخص ومحدد المصدر، اما اليوم فاننا نعيش تمييزا طائفيا متشعبا ومتعدد المصادر، وهكذا.

   لا اعتقد ان امرءا يقارن بين العهدين، يحترم نفسه وعقله وذاكرته، الا ان يكون قد اصيب بمس في عقله فنسي او تناسى لحاجة في نفسه يريد قضاءها، اذ ليس بين العهدين اي وجه مقارنة ابدا.

   ثالثا: كذلك فانا لست ممن يتشاءم لدرجة الياس، وانما اظل اعيش على الامل حتى آخر لحظة، فلقد خلق الله تعالى عباده ومنحهم العقل الذي يمكنهم من فعل المستحيل، وليس شعوب الغرب بافضل منا لا عقلا ولا دماء، فالدماء التي تجري في عروقنا جميعا هي دماء حمراء اللون، وان العقل الذي تحتويه جماجمنا هي كلها من الوهاب خالق السماوات والارض، وهي قادرة على الابداع والاصلاح وخلق المستحيل بشكل او بآخر، والدليل على ذلك ان المواطن العراقي، مثلا، يبدع ويخلق كل جديد بمجرد ان ينتقل من محيطه الى اي بلد غربي، وبنظرة فاحصة لحال العراقيين في بلاد الغرب، الولايات المتحدة الاميركية مثلا، فستجد ان فيهم العلماء والخبراء وكبار رجال الاعمال والاساتذة المبدعين والباحثين وكل عناوين التقدم العلمي، ما يعني ان العقل واحد، الا ان المشكلة في جانب آخر والتي تتعلق تحديدا بالارادة والمثابرة.

   تاسيسا على هذه الحقائق، اعود لاطرح السؤال الذي صدرت به المقال، واقول، فكيف، اذن، نحقق الاصلاح؟ وما هي البدايات؟.

   لكون النظام السياسي في العراق الجديد برلمانيا، هذا يعني ان اي جهد وطني يستهدف الاصلاح يجب ان يبدا من البرلمان، مجلس النواب، والذي يثبت للشارع العراقي يوما بعد آخر، وللاسف الشديد، بانه برلمان فاشل ليس بمستوى المسؤولية ابدا، فلقد مزقته الخلافات بشكل مرعب، وهو تحول الى ما يشبه صالة السينما، يحضر جلساته الاعضاء متى ما ارادوا ويخرجون تاركين اجتماعاتهم وراء ظهورهم متى ما شاؤوا، ولذلك لا يكتمل نصاب جل اجتماعاته الا بشق الانفس، فيما لا يحضرها، كمعدل، اكثر من ثلث الاعضاء، وانا لم اقرا يوما عن برلمان في العالم يحترم نفسه يتغيب عن جلساته ثلث اعضائه كمعدل يومي.

   اما التسقيط والتشهير والسباب والاتهامات واغتيال الشخصية بين اعضائه وتبادل التهم والتخوين والعمالة فحدث عن ذلك ولا حرج، فكلما اصغ الى احاديث الاعضاء بعضهم عن البعض الاخر اتذكر القصة المعروفة التي تتحدث عن (صديقين) من (المثقفين العرب) تاها في الصحراء، وفي الاثناء اهتديا الى نور يسطع من خيمة اعرابي فسارعا لزيارته والنزول عنده كضيوف خفيفي الظل يقضون عنده ليلتهم ويسدون عنده جوعتهم، ليغادروا في اليوم التالي.

   نزل (الصديقان) عند الاعرابي الذي رحب بهما اشد الترحيب، طالبا منهما التهيؤ ليحضر لهما الطعام.

   ذهب الاول لقضاء حاجته، تاركا صاحبه وراءه، فساله الاعرابي ليتعرف منه على زميله قائلا: ومن هو صديقك هذا؟ وما هي درجته العلمية؟ وهل انه يفهم شيئا؟ وما مدى ثقافته؟.

   رد عليه الرجل بالقول: لا عليك به، انه جاهل ولا يفهم شيئا، انه (حمار) لا يفقه من الدنيا اي شئ.

   عاد الاول ليحل محل الثاني الذي ذهب هو الاخر ليقضي حاجته.

   استغل الاعرابي استفراده بالثاني ليكرر عليه الاسئلة عن صاحبه ليتعرف عليه منه.

   اجابه الثاني عن تساؤلاته بما اجاب به الاول، قائلا له: لا عليك به، انه (خروف) لا يفقه شيئا من الحياة.

  عاد الثاني الى مكانه، ينتظر مع (زميله) ان ياتي الاعرابي لهما بالطعام.

   دقائق ودخل عليهما الاعرابي بطبق كبير فيه صحنان يسر منظرهما الناظرين، يحتوي الاول على (الجت) والثاني على (الشعير) قائلا لهما: تفضلا، تقدما وكلا طعامكما المفضل.

   استغرب الضيفان (المثقفان العربيان) من فعل الاعرابي، وغضبا اشد الغضب، وصاحا بوجهه: اتهيننا انت؟ ما هذا؟ هذا ليس بطعام الانسان، انه طعام الحيوانات؟ أعربي انت وقد أسأت اصول الضيافة؟.

   رد عليهما الاعرابي الشهم بكل هدوء:

   لا بالعكس فهذا طعامكما، الم تقل انت عن زميلك بانه حمار؟ هذا الشعير له، والم تقل انت عن زميلك بانه خروف؟ هذا الجت له؟ فاين المشكلة؟ انا لم افعل شيئا سوى انني جئت لكم  بما طلبتم؟.

   طبعا، انا لا اقصد احدا في هذه القصة، معاذ الله، وانما تذكرتها وانا اصغ الى الاوصاف التي يطلقها السادة النواب تحت قبة البرلمان ضد بعضهم البعض الاخر من زملائهم، وهي ليست المرة الاولى التي اسمع منهم ذلك، فالمشهد يتكرر منذ ان تاسس اول برلمان عراقي في العهد الجديد ولحد الان، متمنيا من كل قلبي ان يتذكر السادة النواب هذه القصة كلما اراد احدهم ان يصف زميله او يتحدث عن النواب الاخرين.

   ان التغيير المرجو في العراق الجديد، يجب ان يبدا من تغيير البرلمان، اولا ان يحترم النواب بعضهم البعض الاخر، فليس لاحد منهم مشروعية دستورية افضل من الاخرين، فكلهم نواب للشعب، وكلهم يستمدون شرعيتهم من الناخب حصرا، بغض النظر عن صحة او خطا اختيار الناخب لهذا النائب او ذاك.

   ان البرلمان الذي لا يحترم نفسه، لن يحظى باحترام الشارع ابدا، وليست هذه دعوة لقمع حرية التعبير تحت قبة البرلمان، ابدا، انما هي دعوة لاحترام الذات، والفرق شاسع بين الاحترام والتعبير عن الراي.

   13 مايس (أيار) 2013