الرئيسية » دراسات » كوردستان الحمراء

كوردستان الحمراء

كوردستان الحمراء

نجمة كورد القوقاز المؤفلة

تواجد الكورد في القوقاز السوفيتيتة منذ اكثر من الف سنة و الدليل الساطع على تواجدهم يتمثل في الحسنكين و الشدادين حيث استقروا في هذه المنطقة في القرنين العاشر و الحادي عشر في جنوب ناكورنوكرباغ خلال مراحل التوسع الاسلامي و توالت اليها الهجرات الكوردية تباعا في السنوات (1807و 1813 و 1828) و منها بعض القبائل الى تركمانستان خاصة في عشق اباد و دفع اضطهاد الدولة العثمانية الى الهجرة الجماعية للكورد اليزيدين من شرق الاناضول و شمال وادي الرافدين في عام (1914) الى ارمينيا و جورجيا و تشير التقديرات المتوقعة خلال التسعينيات من القرن المنصرم بان بلغت اعدادهم في جمهوريات السوفيتية السابقة حسب ما يلي.

اذربايجان        200,000 

ارمينيا            75,000

جورجيا          40,000

كازاخستان      30,000

قرقيزيا          20,000

اوزبكستان      10,000

طاجاكستان     3,000

سيبيريا          35,000 منهم 30,000 في فلاديفستوك

كراسندار       30,000

متفرقة          12,000

ان الكورد في الاتحاد السوفياتي السابق قد شكلوا واحدة من القوميات المعترف بها واصبحوا معزولين عن المجتمعات الكوردية المجاورة لهم لاغلاق الحدود المحكم من قبل السلطات السوفيتية .

كانت المنطقة ذات الاكثرية الكوردية تقع ضمن جمهورية اذربايجان بين ناكورنوكرباغ و جمهورية ارمينيا اي تحدها كل من ارمينيا و جورجيا و اذربايجان و تتألف من المدن او المناطق التالية , كولباجار و لاشين و زينكيلان و كوباتلي و جبرائيل و في سنة (1920) عينت الادارة الاذرية الامير الكوردي خسرو بي سولطانوف حاكما على ناكورنوكرباغ

بعد تغير النظام في روسيا بنجاح الثورة البلشفية و وصول لينين الى العاصمة بطرس بيرغ في (16/4/1917) و من ثم انتهاء الحرب العالمية الاولى جرى في عهد لينين النظر في تنظيم و ترتيب اخر لشعوب الاتحاد السوفياتي و من ضمنها الشعب الكوردي و من الاجراءات التنظيمية تم انشاء قضاء كوردستان من المدن و المناطق ذات الكثافة الكوردية المذكورة انفا في (7/7/1923) ثم تحولت الى مقاطعة كوردستان القومية ذات الحكم الذاتي شبه المستقل و سميت ب(كوردستان الحمراء) عاصمتها لاشين و مساحتها (6210) كم2 و نفوسها (48,000) نسمة شكل الكورد (80%) و الباقين من الاذريين و عين في شهر اب من نفس السنة حسى حاجييف رئيسا لمجلس الادارة و شكلت لجنة في عام (1925) لتطويرها .

من الامتيازات الممنوحة لها اصدار جريدة كوردستان السوفيتية و فتح معهد تربوي و تعليم الاطفال لغة الام و البث الاذاعي و كادت ان تكتمل المؤسسات الادارية لها في نهاية العشرينيات , الا ان الايادي الخبيثة في القيادة الاذرية و بتنسيق مع تركيا الكمالية قد اطالتها بدوافع ان الكورد ينعطفون الى الغرب و كذلك نمو العنصرية القومية في القيادة الاذرية و معادات الكماليون في تركيا الى الكورد و تطور العلاقات السوفيتية التركية الودية في عهد ستالين

 و اتاتورك مما ادى الى اهمال كوردستان الحمراء و سكانها رسميا سنة (1930) و احباط تطويرها و اعيد ضمها الى اذربايجان و لم يبق من اسسها الا جريدتها التي كانت تصدر من باكو منذ (1926) باعتبارها لسان حال كوردستان الحمراء و استمرت لغاية (1961) حيث الحقت باخواتها من المكتسبات التي اغرنت لهذا الشعب المضطهد ومن ثم منع التحدث باللغة الكوردية و اتبعت سياسة الجزر ازاء التقليل من اعدادهم فقد تم تهجيرهم قسرا في ثلاث مراحل من مواطنهم في ارمينيا و اذربايجان و جورجيا الى كازاغستان و جمهوريات اسيا الوسطى و سيبيريا في الاعوام (1936و 1946 و 1989) و فقدوا اراضيهم و ممتلكاتهم و هجروهم في عربات السكك الحديدية المخصصة للمواشي في برد الشتاء القارص و مات منهم الكثير اثناء التهجير و رميت جثثهم في الانهار او العراء على الثلوج لتلتهمها الضواري .

بعد وصول المرحلين الى اسيا الوسطى سكنوهم في بقعة ارض مقفرة و في الخيام وسط الصقيع فيما بعد سميت بقرية كاسكابولاك و كذلك من هجروا الى مناطق اخرى لم يكونوا اوفر حظا .

في احدى ليالي شهر نيسان داهمتهم مجموعة سيارات عسكرية و القوا القبض على الرجال منهم من (18 الى 65) عاما من العمر مدعين اشغالهم في العمالة لتأمين العيش لاسرهم و لم يعودوا الى ان اتضح بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بانهم دفنوا في مقابر جماعية و تم الكشف عن مقبرة جماعية في حديقة بكازاغستان تضم رفات مئات من الضحايا و منهم الكورد المذكورين و بنوا عليها متحفا يرتاده الزوار .

كان عدد الكورد السوفيت قبل الترحيل و الابادة الجماعية و صهرهم في بوتقة الاذرين و غيرهم يتجاوز المليون بكثير

متحف الضحايا في كازاغستان

بينما اظهرت احصائيات عام (1979) عددهم ب(16,000) نسمة اي لا يقل عن مليون شخص ابيدوا او تنحوا عن قوميتهم الكردية تحت ضغوط و ظروف قاهرة و قاسية لا يتحملها المرء .

لا يخفى عن البال بان القادة الاذربايجانيون جاهدوا جديا في الغاء كوردستان الحمراء ذات الحكم الذاتي قبل و بعد ضمها اليهم و للوصول الى مبتغاهم ابتكروا وسيلة رخيصة في عدم تسجيل اي مواطن مسلم ما لم يسجل نفسه اذريا و الا يعد خارجا عن الدين ولا يحق له التسجيل و دخول الجامعات واشغال المناصب في الدولة وبهذا النمط قد انتزعوا الهوية من الكورد و حققوا ماربهم في المثل القائل اذا غابت الهوية سقطت الحقوق و انخفض عددهم من (35,000) عام (1916) الى (250) نسمة عام (1970) و الاكثرية من الجيل الجديد لا يتكلمون اللغة الكوردية للاسباب المذكورة و هكذا تحت غطاء المكر و الخداع صهروا الكورد في بوتقة قوميتهم و حولوا كوردستان الحمراء الى مقاطعة ادارية و من ثم القضاء عليها تماما لفقدان هويتهم .

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي حصلت اذربايجان على استقلالها في (30/1/1991) و اول رئيس لها كان حيدر عالييف من اصول كوردية و من نخشجوان و اورث الحكم بعد وفاته نجله الهام وهو يعادي الكورد و ما يتعلق بهم كما وجد  امثالهما من ضياء غوك الب و كما يقال في المصدر عن عصمة انونو الرئيس التركي بعد اتاتورك و هما من اصول كوردية و كذلك طه الجزراوي فيما بعد غيراسمه الى  طه ياسين رمضان و غيره في حكومة البعث في العراق .

عندما حلت عاصفة برويستر ويكا على الاتحاد السوفيتي و قيام مجلس السوفيت الاعلى عام (1989) باصدار قرار ياعادة هيكلة التشكيلات الادارية القومية الملغية في فترة و لسبب ما ، لم يتوفق الكورد السوفيت كالقوميات الاخرى في احياء كوردستان الحمراء و العودة اليها والتي فقدوها في عهد ستالين و كان بمقدور الكورد العمل لاعادة ما فقدوها اسوة بالقوميات الاخرى و نظموا مظاهرة في موسكو بتاريخ 11/4/1989 و و جهوا رسالة الى القيادة السوفيتية باسم الاكراد المسلمين طالبوا فيها اسكانهم في منطقة ما صالحة للزراعة و رعي المواشي دون المطالبة بحقوقهم القومية و احياء كوردستان الحمراء موطنهم الاصلي  كان بتوجيه متعمد من الحكومة الاذربايجانية حتما و لكون المظاهرة باسم الكورد المسلمين كانت مشاركة الكورد غير المسلمين محدودة فيها .

من ضمن الفعاليات التي نالت استحسان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي الدعوة الى مؤتمر عام لجميع كورد السوفيت و انعقد المؤتمر في صيف 1990 في موسكو بحضور ممثلي جميع المناطق الكوردية خارج و داخل الاتحاد السوفيتي و كان اول بادرة جادة لايجاد حل لقضية كورد السوفيت ولكن عدم الوئام بين كورد اذربايجان و كورد ارمينيا حال دون التوفيق و كان كل طرف يدافع عن حكومته اكثر من ان يطالب بحقوقه المغتصبة و كان الصراع عن (ناكورنو كرباغ) بين تلك الدولتين طاغ على قاعة المؤتمر و الدولتان هما السببان الرئيسيان في اسقاط كوردستان الحمراء وعدم احيائها و الغريب في الامر ان ما قاله الكاتب عبد المنعم ماجد في كتابه الدولة الايوبية في تاريخ مصر الاسلامي بان الكورد خلائق لا تحصى و امم لا تحصر لو لا سيف الفتنة يحصدهم لفاضوا البلاد اذ رموا دائما بشقاق الرأي و تفرق الكلمة ، هذه الخصلة قد لاحقت الكورد اينما وجدوا و في اي عصر كان حتى في هذا الظرف الرهيب نحن فيه اليوم  وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي ضيق الخناق على الكورد الساكنين في كوردستان الحمراء السابقة و اصبحت مسرحا للعمليات العسكرية الاذرية الارمنية و احتلت الاخيرة ناكورنو كرباغ و من ثم منطقة كوردستان الحمراء و طردت الاذرين منها و نزح حوالي (18,000) من الكورد منها (11,000) الى اذربايجان و (7,000) الى كراسندار و استولت ارمينيا على المنطقة و غيرت اسماء المدن و المناطق لكوردستان الحمراء السابقة الى الارمينية و افلت نجمة الكورد ، كوردستان الحمراء ، و ذهبت ادراج العواصف حيث كان قادة الاذرين خنجرا مسموما في خاصرة كوردستان الحمراء وهم من نفس الثقافة و الدين الا القومية ولكن اصبحوا هزيلين مهزوزين امام الارمنين .

لو امعنا الى نتائج الحربين العالميتين الاولى و الثانية و الحرب الباردة جميعها كانت بعيدة عن الكورد و كوردستان ، نجد بان هناك دول قد انتصرت و دول خسرت الحرب و دول انمحت عن الوجود و ولدت او ظهرت على الواقع محلها دول ذات قوميات مكبوتة اخذت استحقاقها في الوجود و تحررت الا الكورد قد خسروا كل شيء و جنوا من حصيلة نتائجها الابادة الجماعية و الترحيل و التهجير و السلب و النهب و اغتصاب ارضهم و تجزئتها بين الدول الا الكرامة و لاحقتهم اثارها الملذعة الى انهيار كوردستان الحمراء في الاتحاد السوفياتي عام (1930) و جمهورية كوردستان في مهاباد (1946) جراء المساومات و المصالح و تصفية الحسابات بين الدول المنتصرة في الحروب في حين ليست للكورد لا ناقة و لا جمل فيها و لربما قد تكون لاسباب و دوافع مزمنة متوارية تخشى تلك الدول من اثارتها و الكورد منها براء .

 

المصادر  :-

1.     تاريخ الكورد الحديث، ديفيد مكدول، ترجمة  راج ال محمد .

2.     كوردستان الحمراء     جامعة دهوك .

 

                                                                                                            كركوك

     

لطيف دلو / كركوك

 

                                                                                                  25/9/2012