الرئيسية » الآداب » الصدمة: قصة قصيرة

الصدمة: قصة قصيرة

حاولوا الاسترخاء التام ..
أنا ..
حكاواتي ..
سأروي لكم حكاية …
خذوا نفسا عميقا من الهواء …
أغمضوا أعينكم …
افتحوا آذانكم وأغلقوا أفواهكم ..
انتباه ..
تركيز ..
حتى بعد انتهائي من سرد تفاصيلها لمدة لا تقل عن ضعف زمن سماعها , مرة أخرى ضعف مدة روايتي للحكاية , تذكّروا جيدا ضعف المدة ..
اتفقنا ؟
بهذه الكلمات بدأ بهلول مساؤه في مقهى الحي القديم.
صمت مطبق خيّم على المكان , يكاد يسمع حتى دبيب النملة . كلمات بهلول كانت ثقيلة قوية مجلجلة سحقت كل الأحاديث والهمسات الجانبية التي عادة كان رواد تلك المقهى يتندرون بها ..
ساد الوسط فضول شيق ممزوج ببعض الرهبة ..
بدا الجمهور وكأن آذانهم أصبحت أطول بكثير من أحجامها الطبيعية , تحول الموجودون حرفيا الى كلهم آذان صاغية ..
القوم متأكدون بأن ما سيرويه بهلول سوف يكون من الأهمية بمكان , لذلك تم تنفيذ أوامره بالحرف.
بهلول:
كان يا ما كان في قديم العصور والزمان رجل اسمه نعسان, يركبه النحس والحظ العاثر في كل مكان.. ويشكو من السقم والحرمان وعندما طالت مدة الوجع واستفحل الألم حتى فقدت مراكز الشعور شعورها لديه , سئم الرجل وتمنى في تلك اللحظة أن يمنحه الله نعمة فقدان الوعي والخيال لأنه لم يستطع أن يتذكر ولو مشهدا يسيرا من سيرة حياته بطولها وعرضها على ما يشرح الصدر أو يبعث الأمل والأمان ويعطيه فسحة من الارتياح لتحمّل ما قد تجلب له الأيام ..
تبا !

لن أعود على العشاء ..
لا على فطور الغد ..
لا تنتظروني لن أعود قلت لكم ..
نعم .. الى .. الى اشعار اخر ..
هذا ما قاله نعسان وهو يصعق باب الدار الخارجي خلفه بصخب مدوي.
كان نعسان قد اعتمد في قرارة نفسه أن يذهب مع بداية حلول المساء الى الحي المهجور للبحث عن حقيقة الاشاعات التي كانت ألسنة الناس تلوك بها حول ما يختفي في جوف الحي المهمل في القسم الشمالي من البلدة والادعاء بأنه مسكون بشبح غير مرئي وبأن لذلك المخلوق المزعوم تأثيرعلى أقدار الناس وجلب نذور النحس على البعض و بشائر السعد على آخرين.
لم يكن لأهالي الحي شيء آخر غير التجمع في المقهى بعد عناء تعب النهار كل حسب عمله, وسيلة للاجتماع والألفة مع الآخرين من السكان.

سلك نعسان الطريق القديم المليء بالحفر بخطى بطيئة مطأطئا الرأس حتى بدا وكأنه على وشك السقوط والتهاوي أماما على وجهه وكأن ثقل رأسه يعادل ضعف وزن البقية من جسده!
ليس هناك ما أخسره في كل الأحوال أنا أريد ان التقي مع هذا الكائن ..
فقط ليكاشفني سر الشؤم الذي يصبغ كل ما يجري من حولي .. ..
منذ أن وعيت على الدنيا ولي من الأعداء أضعافا مضاعفة ..
من الخلان قلة !
مرة أخرى يردد في أعماق نفسه أنا لا أومن بالخزعبلات مع ذلك هاأنذا أسلك هذا الطريق لألتقي مع مخلوق خرافي. أليس السبب في كل ذلك هو غياب التحليل المنطقي وعدم انسجام التأويلات مع ما يحدث في الواقع.
لن أعود الا بنتيجة ..
تمتم لنفسه.
ظلام دامس ساد الحي المهجور تماما….
الوقت بدأ يمضي ببطء شديد .. ممل ….
نعسان بدأ يشعر ببرودة مقشعرة تلف كيانه..
جلس متكورا على نفسه مستندا بظهره على الجدار المتهاوي محاولا عدم السقوط بجسده من التعب والإعياء بجانب ذلك البيت المهدّم تماما .. لكن دون جدوى ..
تدحرج جسده وارتطم رأسه بالبقية الباقية من الجدار .. عندئذ .. رأى فيما يرى النائم ماردا طويلا يقف فوق رأسه..
حاول فرك أعينه بيديه الاثنتين وكأنه يريد رفع الغشاوة عنهما ..
لم يصدق ما رأى !
لا !!
لا بد من أنني في حلم !

لا بد
أن ما أرى هي نتيجة .. ال ..صد ..م..ة .. نعم انها هي ..الصدمة !!
عندما نظر في وجه المخلوق الواقف فوقه!
ا..ن..ه
ا .. نه ..
انه ينظر الى المرآة.

فرمز حسين
ستوكهولم
2013-05-05