الرئيسية » مقالات » ما قبل التعددية

ما قبل التعددية

في بلد متعدد في كل شئ، كالعراق، يبحث فيه الجميع عن مبدأ التعددية ليحقق من خلاله التعايش السلمي وتاليا السلم الاهلي، فالتنوع الذي هو سمة الكثير من شعوب الارض، ومنها الشعب العراقي، ينبغي ان يكون مصدر قوة من خلال التعايش الذي لا يمكن تحقيقه الا من خلال مبدأ التعددية حصرا، فكيف يمكن تحقيق هذا المبدأ؟ وهل من شروط ينبغي توفرها لتحقيقه؟.

اذا تتبعنا تجارب البشرية على هذا الصعيد، ومنها تجربة (دولة المدينة) المدنية التي اسسها رسول الله (ص) فسنلحظ ان هناك شرطان اساسيان ينبغي توفرهما قبل ان يتحقق مبدأ التعددية الحقيقية، وليست الصورية كما تحاول صناعتها الانظمة السياسية الاستبدادية الشمولية والبوليسية:

الشرط الاول؛ هو تقاسم الحقيقة، ان صح التعبير، وعدم احتكارها من قبل اي طرف كان، بناءا على اساس القاعدة القرانية الذهبية التي تقول {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}.

الشرط الثاني؛ هو تعلم فن الاصغاء الذي ينبغي ان يتناغم مع فن الحديث، فلا يطغى عليه او يختفي امامه، كذلك على اساس القاعدة القرانية الذهبية التي تقول {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} فالاصغاء يساعد على اكتشاف الاخرين وتقييم افكار المتحدث.

فالذي يحتكر الحقيقة ويرى نفسه انه مالك لناصيتها لا يفكر بالاعتراف بالاخر لانه لا يجد فيه منفعة، بل انه لا يتحسس وجوده طالما ان الحقيقة ملك يديه ورهن اشارته، كما ان الثرثار الذي لا يعرف كيف يصغي للاخر ولا يعرف كيف يستمع الى حديث الاخرين، هو الاخر لا يفكر في تحقيق التعددية، لانه بالاساس لا يستمع للاخرين فكيف تريده ان يعترف بهم ليفكر بالتعددية؟.

لذلك، فان محتكر الحقيقة والثرثار طرفان اساسيان في اثارة النعرات في المجتمع واشاعة التزمت وظاهرة التكفير والغاء الاخر والحقد والكراهية، وبالتالي فهما مصدران اساسيان في تهديد السلم الاهلي، لانهما يهدمان كل مصادر التعايش ويحطمان كل محاولات الحوار التي اساسها الاعتراف بالاخر والاصغاء اليه بغية ايجاد القواسم المشتركة بين الفرقاء في المجتمع الواحد.

نحن اليوم باشد ما نكون حاجة، في العراق، الى التزام مبدا تقاسم الحقيقة ورفض كل انواع احتكارها من اي طرف كان، فكما انك من الممكن ان تمتلك بعض الحقيقة، انا كذلك من الممكن ان امتلك بعضا منها، لا فرق في ذلك بما امثله سواء من دين او مذهب او اثنية او مناطقية او مرجعية او اي شئ آخر، المهم ان لا يحتكر احدنا الحقيقة فيدفعه الى التزمت والتعصب وربما تكفير الاخر والاعتداء عليه وتسقيطه واغتياله.

كما ان تعلم الجميع فن الاصغاء للاخر يساعدنا على اكتشاف بعضنا البعض الاخر، كما انه يساعد الجميع على التعبير عن نفسه وبالتالي لم يبق مجال للتفكير بالسر والعمل السري والتخطيط بالسر، فاذا شعر كل مواطن في البلد بانه قادر على ان يتكلم ويتحدث ويعبر عن نفسه بكل حرية وبارادة غير مقموعة، فسوف لن يفكر بكبت ما يعتقد به والذي يتحول في اغلب الاحيان الى خطط سرية تدمر البلاد وتقتل العباد.

ان فن الاصغاء يساعدنا، كمجتمع، على ان يتفهم بعضنا البعض الاخر، فنتوافق على ما نشترك فيه ويعذر بعضنا بعضا على ما لم نشترك فيه، ولو اننا حققنا هذه الظاهرة لما احتجنا الى ان يعتدي بعضنا على البعض الاخر بمجرد ان نختلف، الا ترون ان نهايات اغلب مشاكلنا الفردية والاجتماعية وغيرها الى مصائب؟ والسبب لاننا لم نعرف بعد كيف نتحدث في مشاكلنا وكيف نصغ لبعضنا عندما نتحدث عنها.

اننا بأحوج ما نكون اليوم الى الحوار في العراق الجديد المتنوع في كل شئ، ولا يتحقق الحوار قبل الاعتراف بالتعددية، ولا تتحقق الاخيرة قبل الاعتراف بالاخر مهما اختلفنا معه، ولا يتحقق ذلك اذا احتكر احدنا الحقيقة ورفض ان يتقاسمها مع الاخرين، وكذلك اذا ما تشبث بالكلام ورفض ان يصغي للاخرين.

ان مشكلة التكفيريين تكمن في انهم يتصورون بانهم يمتلكون ناصية الحقيقة بالكامل وان على الباقين الانصياع لما يعتقدون به من دون تفكير او تردد، والا فالقتل والذبح والالغاء بانتظارهم.

كذلك فان مشكلتهم هي انهم يثرثرون كثيرا ولا يريدون الاصغاء للاخر، ولهذا السبب فانهم لا يعرفون بماذا يفكر الاخرون وكيف؟ ولماذا؟ ولهذا السبب يتقاطعون مع الجميع ويتخاصمون مع الجميع، وبالتالي فانهم يعيشون عقدة الخلاف والعراك مع كل الناس، واحيانا حتى مع انفسهم، لانهم يعيشون في شرنقة الذات المحتكرة للحقيقة والثرثارة التي لا تصغ الى الاخرين مقدار انملة.

وبرأيي، فان هذين المبداين لا يتحققان بقانون ابدا، وانما بالثقافة التي تعتمد تغيير الذات اولا وقبل كل شئ، فالقانون لا يصنع ثقافة، وانما العكس هو الصحيح، فان الثقافة هي التي تصنع القانون، فالاخير هو تعبير عن الواقع الثقافي لاي بلد، ولذلك ترى ان شعوب البلاد المتحضرة تنتج قوانين متحضرة، من جانب، وهي على اتم الاستعداد للالتزام بها، من جهة اخرى، اما الشعوب المتخلفة فتراها تنتج قوانين متخلفة، فضلا عن انها غير مستعدة للالتزام حتى بالقانون الذي تنتجه ثقافتها المتخلفة، لانها لا تشعر باهميته وجدوائيته، على الرغم من انها هي من انتجته وصنعته وشرعته.

وان اهم انواع التعددية التي نحتاجها اليوم في بلدنا العراق، هي التعددية السياسية، لنقضي على المشاكل التي تنتجها ظاهرة التعددية القبلية والمناطقية والمرجعية والاثنية والمذهبية والدينية والتي استشرت في المجتمع بشكل خطير بعيد سقوط الطاغية الذليل صدام حسين في التاسع من نيسان عام 2003، بسبب سياساته العنصرية وحروبه العبثية وما ابتلي به العراق على مدى نيف وثلاثين عاما من الاستبداد والديكتاتورية وتكميم الافواه والقتل على الهوية، ما قمع كل مظاهر التعددية والقدرة على التعبير عن الذات.

ان جل مشاكلنا يعود سببها الى احتكارنا للحقيقة، وجهلنا بفن الاصغاء للاخر، فنحن لا نتقاسم الحقيقة فيما بيننا، فكل واحد منا يعتبر نفسه انه هو الحقيقة وان الاخرين على باطل، وان الواجب الشرعي والوطني يفرض عليه ان يتحدث ويخطب وينظر اما واجب الاخرين الشرعي والوطني فهو الاصغاء له لانه يعلم وهم يجهلون، وانه يفهم وهم لا يعلمون وانه يتحلى بالوعي وهم لا يعقلون، فلماذا عليه ان ينصت لهم اذن؟.

ان مشكلتنا ليس في انعدام الحقيقة فيما بيننا، وانما في مصادرتها من قبل هذا الطرف او ذاك، كما ان مشكلتنا لا تكمن في عدم وجود القانون، فالقوانين كثيرة والحمد لله، كما ان دستورنا فيه قرابة (200) مادة، انما المشكلة في القانون الخطا والذي هو نتاج الثقافة الخطا والعقلية الخطا، ولذلك ينبغي علينا اولا ان نغير ثقافتنا لتنتج لنا قانونا سليما يعبر عنها بشكل صحيح.

تعالوا، اذن، نتقاسم الحقيقة ونصغي لبعضنا، لنعترف ببعضنا وتاليا لنحقق مبدا التعددية بابهى صورها.

3 مايس (أيار) 2013