الرئيسية » شؤون كوردستانية » كاكه رحمة..إمرأة كوردية نجت من المقابر الجماعية وعاشت كأسطورة

كاكه رحمة..إمرأة كوردية نجت من المقابر الجماعية وعاشت كأسطورة

      

الأنفال

كان العديد من الرجال قد تجمعوا لأداء صلاة الظهر حين اطل ابراهيم القايم قائلاً بأسى واضح ان “كاكه رحمة” توفيت قبل أيام في اربيل. بعدها بساعات قليلة كان الخبر قد وصل الى الجميع وليلتها نامت منطقة “عين الكايم” التابعة الى ناحية الشنافية في الديوانية على قصة امرأة عاشت بينهم متخفية مدة 18 عاماً وذاع خبرها بعد ذلك كأحدى اعاجيب الحكايات.
حكاية “كاكه رحمة” التي جرت في صحراء الشنافية 80 كم غرب مركز محافظة الديوانية بدأت في شتاء 1985، اذ يقول هادي تركي وهو احد قيام الامام عبد الله ابو نجم عندما سمع احد رعاة الغنم في منتصف احدى ليال الشتاء اطلاق نار في وادي مهاري الواقع في عرض الصحراء تلاه عند الفجر ضجيج “شفل” في المنطقة نفسها، فما كان من الراعي صبيحة اليوم التالي سوى التوجه بأغنامه صوب مصدر الصوت فهاله ما شاهده من منظر لامرأة اربعينية بزيها الكوردي وقد لاذت بكومة تراب وهي ترتجف من الخوف والهلع وكأنها طريدة تتبعها الذئاب المفترسة.
ويضيف تركي: “وبعد ان اقترب منها الراعي وسقاها الماء وأطعمها عرف انها كانت ليلة البارحة ضمن العشرات من الرجال والنساء والأطفال الكورد الذين جلبهم النظام القمعي من قرى أربيل ونفذ بهم حكم الاعدام وطمرهم في مقبرة جماعية وعرف ايضا انها الناجية الوحيدة من رشقات الرصاص التي سمعها منتصف ليلة البارحة لكونها سقطت مغشيا عليها قبل فتح النار بثوان وكان دوي الرصاص سبب افاقتها من الغيبوبة، لذا ما كان امامها سوى الزحف بين الجثث وفوق الرمال المسقية بالدم بعيداً عن الحارسين الذين تركتهما لجنة الاعدام بانتظار “الشفل” الذي تأخر لعطل ما.
ويسرد القيم هادي تركي القصة: “لم تجد  “كاكه رحمة” التي اضحت تعاني حالة نفسية صعبة سوى الاطمئنان الى الراعي والذهاب معه الى الديار في منطقة عين الكايم التابعة الى ناحية الشنافية، وفي المقابل لم يجد الراعي الذي تملكه الخوف من غضب ازلام النظام في حال عرفوا انه انقذ من توقعوا انها الآن راقدة في المقبرة الجماعية الا ان يضع هذه المرأة في مرقد الامام عبد الله ابو نجم عليه السلام ليلا.
ويضيف تركي: “لذا فعندما جاءنا نحن القيام الى المرقد صباحا كان الراعي مجبراً على الكذب امامنا قائلا: بأنه لايعرفها وانه وجدها في مكان قريب وهي مريضة وفاقدة الادراك، ولكننا وقتها عرفنا امرها من زيها ولغتها وايضا من جراء ماكان يتردد من قصص الاعدامات والدفن الجماعي في الصحراء، وهكذا تعاطفنا معها وكتمنا امرها عن مسامع الوشاة واستبدلنا ملابسها الكوردية ورحنا نشيع انها مجنونة مستندين بذلك على وضعها النفسي الصعب.
وعن حياتها الصعبة نتيجة الحالة النفسية التي منيت بها وحياة الغربة التي فرضت عليها والخوف المتواصل من النظام، يقول حسين علي وهو احد رجال المنطقة: “عاشت “كاكه رحمة” 18 سنة خادمة في مرقد الامام عبد الله ابو نجم الواقع في صحراء الشنافية تعتاش على ما يقدمه اليها اهالي المنطقة الذين تعلقوا بها الى حد البكاء على انينها عندما كانت تتذكر الاهل والديار فكانت كلما اخذها الشوق الى الاحبة والربوع الخضراء انعزلت عن الناس وراحت تنعى بلغة كوردية شجية فيبكي معها رجال ونساء المنطقة الا انها ما ان تنتهي من البكاء حتى تشير اليهم وباصرار انها ستعود الى اهلها وبيتها ذات يوم”.
ويضيف علي: “وبعد انهيار النظام القمعي في سنة 2003 سارع الاهالي الى الكشف عن المقبرة الجماعية التي ضمت رفاة 271 شهيداً كورديا كما جرى الافصاح عن حقيقة قصة اختهم “كاكه رحمة” وذات ضحى هالهم ماشاهدوه عندما وقفت “كاكه رحمة” وراحت تنظر الى شاب قادم من بعيد فركضت نحوه ووقعت ثلاث مرات قبل ان تحتضنه بقوة”، ويتابع علي: “تبين لنا فيما بعد انه ولدها، وعمت السعادة الاهالي واقاموا الافراح وودعتها عين الكايم بدموع حارة وبقوا على اتصال معها طيلة السنوات العشر الماضية”.
كانت الاقدار قد فرضت على هذه المرأة الكوردية التي قضت حياتها في الجبال الخضراء ان تنتقل مجبرة للعيش في صحراء قاحلة مكتظة بالكثبان الرملية، وان تمكث 18 سنة في مرقد امام لاتعرف عنه سوى الملاذ الذي قبل حمايتها من بطش الطغاة وسكان لاتعرف لغتهم فكانت نظرات الحب الصادقة اللغة المشتركة بينها وبينهم،  لذا فان حزنهم العميق على تلقيهم نبأ وفاتها وايقادهم للشموع في مرقد عبد الله ابو نجم ترحما عليها كان الدليل الحقيقي على مكانتها السامية في قلوبهم النقية.

عمليات الأنفال سيئة الصيت، هي عمليات الإبادة جماعية التي نفذها نظام المقبور صدام حسين ضد المواطنين الأبرياء من أبناء شعب كوردستان، ونفذ النظام المقبور عمليات الأنفال في العام 1988، على عدة مراحل، وهي:  
* الأنفال الأولى: منطقة السليمانية، محاصرة منطقة (سركه لو).
* الأنفال الثانية: منطقة قرداغ، بازيان ودربنديخان.
* الأنفال الثالثة: منطقة كرميان، كلار، باونور، كفري، دووز، سنكاو، قادر كرم.
* الأنفال الرابعة: في حدود سهل (زيي بجوك) أي بمعنى منطقة كويه وطق طق وآغجلر وناوشوان.
* الأنفال الخامسة والسادسة والسابعة: محيط شقلاوة وراوندز.
* الأنفال الثامنة: المرحلة الأخيرة، منطقة بادينان، آميدي، آكري، زاخو، شيخان، دهوك.
وقام النظام المقبور خلال عمليات الأنفال بتدمير أكثر من 5000 قرية من قرى كوردستان واجبار اهالي هذه القرى على الاقامة في مجمعات قسرية تفتقر الى ابسط الخدمات، كما اسفرت هذه العمليات الاجرامية عن استشهاد أكثر 182 الف مواطن كوردي بريء، تم دفنهم في مقابر جماعية في مناطق صحرواية بجنوب العراق.


PUKmedia الديوانية/ عباس رضا الموسوي