الرئيسية » مقالات » حول تشريع قانون ؛جينوسيد؛ للشيعة في العراق

حول تشريع قانون ؛جينوسيد؛ للشيعة في العراق

عمليات الإبادة الجماعية أو ما يعرف بالجينوسيد Genocide هي ما نص عليها ميثاق الأمم المتحدة لسنة 1948 وعرفهّا على أنها “الممارسات التي تهدف الى تدمير المقومات الاساسية لحياة مجموعات إثنية” ، حيث أضطلعت المنظمة العالمية لمراقبة الجينوسيد Genocide Watch بمهمة مراقبة جرائم الإبادة الجماعية ومدى تطابق الجرائم التي تنفذ بحق الأقليات القومية والإثنية في العالم مع التعريف لقانونها ، وليس ببعيد عن ذلك إعتبارها جريمة الأنفال من جرائم الإبادة الجماعية ، فما جرى في تلك العملية من إبادة جماعية لشعبنا الكردي في إقليم كردستان وما حدث بالذات في مدينة حلبجة يعتبر بحق من أخطر جرائم الإبادة الجماعية في العالم حيث راح ضحيتها مئآت الآلاف من أبناء شعبنا الكردي غيبتهم المقابر الجماعية التي لازال الكثير منها لم يكتشف حتى يومنا هذا .
لقد أتبع في تلك الجريمة أشد فعاليات الإبادة فتكاً تمثلت في التهجير والإبعاد والتغييب والحرق والقصف الكيمياوي وتغيير أماكن السكن بالأراضي المحرمة و التغيير الديموغرافي للمناطق الكردستانية .. بل فقد أتبعت طرقاً جديدة في الإبادة لم يألفها العالم من قبل .. كل تلك الجرائم كانت المنظمة العالمية لمراقبة الجينوسيد قريبة منها حتى أصدرت قبل فترة وجيزة تقريرها الأممي بإعتبار جريمة إبادة الكرد من جرائم الإبادة الجماعية ولإنسجام عمليات الانفال مع المطالبات القانونية التي تعترف بها كعمليات ابادة “جينوسايد”، فتلك العمليات كانت خرقا فاضحا لاتفاقية الجينوسايد، هذه الاتفاقية الدولية التي كان العراق قد وقع عليها في عام ١٩٥٩.
واليوم وبعد إنتصار المنظمة الدولية لإبناء شعبنا الكردي .. نتسائل أما آن الآون لننصف ابناء الطائفة الشيعية في العراق على أقل تقدير ؟ ممن ، لغاية يومنا هذا ، تستمر عمليات إبادتهم بشكل منظم ، بل ويكاد أن يكون يومياً ، وإينما وجدوا على كوكب الأرض .. وأعتقد لوكانوا في المريخ لكانوا تعرضوا لذلك .. في العراق وفي باكستان وفي افغانستان وفي مناطق أخرى ينهش الإرهاب التكفيري بهم وتفتك العمليات المنظمة يومياً بمكونهم ، فالقرار الذي استندت عليه المنظمة الدولية في إعتبارها لجرائم الأنفال من جرائم الإبادة الجماعية هو لأنها تسببت في إبادة ما يقارب المائة ألف نسمة إضافة ما لحق من أضرار إقتصادية كارثية كانت على الإقليم .. واليوم لنحاول أن نحصي عدد الذين ابيدوا من الشيعة الذين سقطوا منذ الهجمات الوهابية التكفيرية إبان الدولة العثماني التي كانت تأتي من الجزيرة العربية لتصل لحدود مدينة كربلاء والنجف المقدستين وحتى الحروب التي كانت “مطحنة القرن” بالنسبة لهم مروراً بما أبتلع حفر الباطن من أجسادهم وما حصل في الإنتفاضة الشعبانية من هجمة كاسرة قذرة على الجنوب الذي سقط بيد رجال الإنتفاضة وإنتهاءاً بالقتل الممنهج الذي يستمر يومياً منذ عقد من الزمان مستهدفاً تجمعاتهم اينما وجدو وفي كافة شعائرهم الدينية والمجتمعية المدنية محملين مناطقهم تدميراً بنيوياً كبيراً حمل معه مآس إنسانية كبيرة ، فكل قصة لها وقع خاص بالتأثير ونوع خاص من الألم .. يعجز العالم اليوم عن وصف تلك المآس التي تحملها أبناء الشيعة منذ عام 1799م ، في العصر الحديث ، حين توالت الهجمات الوهابية على المدن المقدسة ، فالعشرات من الغزوات التي كانت تسير من الجزيرة العربية بهدف تدمير المراقد المقدسة عند الشيعة في العراق ، استمر حسب الوقائع التأريخية وما وقع منها في يدي منها ، منذ للأعوام 1799 ، 1800 ، 1801 .. إلخ .
واستمر مسلسل الإبادة “الشيعية” وليس بآخرها الدفع بالعراقيين الى الحروب الطويلة كما حدث مع إيران وتحت مسميات شتى كانت تلك مطاحن الحروب تعمل في جسد هذا المكون منذ استلام النظام المباد للحكم في العراق وكانت النتائج قاسية فقد كان فقراء الشيعة يدفعون للقتال في تلك المعركة بشعارات خادعة وأغطية قومية إلا إن تلك الخدعة لا يمكن أن تنطلي على العالم والمنظمات الإنسانية ، فقد كان دفعهم لذلك ليس سوى للخلاص من تلك الطائفة بشتى الطرق وكانت الحروب الكبيرة والطويلة هي انسب الطرق لذلك ، لقد تراوحت خسائر العراق في تلك الحرب بمئآت الالاف من القتلى ومثلهم من الجرحى والمعوقين .. ناهيك عن أولئك الذي حملوا في عقولهم ندب نفسية لا زالت آثارها عالقة حتى يومنا هذا .
وحتى حرب الخليج وما تبعها من صفحات مؤلمة وكيف سقطت المحافظات الشيعية الجنوبية بالتدريج وكيف تم القضاء على ابناءها بصورة منظمة لازال المصورات والمقاطع الفيديوية تروي حكاية بؤسهم وموتهم بلا ألم أو حتى بألم ويكيف يقتاد الشيعة بعقالهم الى القتل وكيف تفعل رصاصة الرحمة برؤسهم من ايدي أولئك أنفسهم ممن دفنوا أبناء شعبنا الكوردي البطل تحت تراب وطنهم ، موتى أو أحياء ، لا يهم لديهم المهم أن يغيبوا عن وجه الأرض بأبشع الطرق وأكثرها فتكاً .
لقد كانت الإنتفاضة العراقية التي سميت بالإنتفاضة الشعبانية التي جرت مآسيها في عام 1991 م ، حيث كانت لكل محافظة من المحافظات الأربعة عشر ، من ثمانية عشر محافظة في العراق ، حملت شعلة الثورة المباركة التي كان لها الأثر البالغ في قيام الحدود الآمنة للإقليم وبداية نهضته بعد طول زمان من العزلة والقهر الصدامي ، لقد ذهب ضحية تلك الثورة في جنوب العراق خلال 14 يوم من عمر الانتفاضة 300 الف نسمة اي بمعدل أكثر من 20 ألف قتيل يوميا وهذا ما ذكرته أيضا الوثائق التي عثر عليها في مكتب علي حسن المجيد ، أحد أركان النظام السابق ، وآلاف القتلى العراقيين من شعبنا في الإقليم العراق وحتى يومنا هذا لازالت المقابر الجماعية تنبش ويعثر على المئآت من أهل الجنوب الذي نقلوا الى المناطق الوسطى في الصحراء الغربية ليدفنوا أحياء ، الكثير من الوثائق الدولية تشير الى ذلك وتؤرشف تلك المأساة الإنسانية الفضيعة التي ارتكبت بحق الشيعة في العراق ، ومن نتائج تلك الأنتفاضة هو نزوح الملايين من ابناء الشعب العراقي الى البلدان المجاورة ، لقد تمثلت جرائم الإبادة الجماعية بحق في تلك الإنتفاضة يستدعى بشكل سريع إجراءآت الإحصاءآت الرسمية لأعداد الشهداء وطوائفهم .
ثم ظهر ، خلال العقد الأخير، أمامنا التكفير الجديد وفتاوي القتل ، وظهرت موجات وهابية تترية جديدة أستهدفت هذا المكون بقسوة بالغة أستغلت فيه ضعف البنية الأمنية للمجتمع العراقي بعد 2003 ـ فوجهت أدوات القتل التي تمثلت بأبشع الطرق .. الذبح ، القتل بالتفجير بأنواع المتفجرات C4، TNT ، وغيرها من الأنواع .. الأسلحة الكاتمة ، فقد اشارت دراسة مسحية اجرتها مجلة لانسيت الطبية البريطانية المرموقة إلى أن 655 ألف عراقي قتلوا منذ بداية الغزو الأمريكي في 19 اذار مارس 2003 وحتى 11 تشرين ثاني أكتوبر 2006 كما قالت الأمم المتحدة ان نحو 34 ألف عراقي قتلوا خلال عام 2006 فقط !
ومن كل ماسبق نرى أن عدد قتلى الشيعة في العراق قد يتجاوز المليوني شهيد سقطوا جراء التنوع الكبير في استهدافهم وتخريب مدنهم وقراهم وجعلهم حتى يومنا هذا يعانون من وطأة العيش وقسوته على الرغم من أن هناك ستراتيجات قوية مدفوعة تكاليفها من دول إقليمية عدة هدفها القضاء على تلك الطائفة الدينية من خلال توجيه كل القوى لسحق دول ما أصطلح له بـ “الهلال الشيعي” والمكون من ايران ، العراق ، سوريا .. فحتى تلك اللحظة جميع تلك الدول مستهدفة وخير دليل على ذلك ما يحدث اليوم في سوريا وما سيلحق ذلك من هجمة شعواء على ابناء تلك الطائفة سوف لن تقل قسوة عما حدث في العراق ، بل قد تكون أشد من ذلك على إعتبار أن مقدار الشحن الطائفي يتزايد اليوم حيث لم تترك ممارسات الأنظمة السياسية مجالاً لذلك من خلال فداحة ردود الأفعال على كل ما يحصل .
كذلك علينا أن لاننسى ما يحدث في السعودية وباكستان ومصر والبحرين وأفغانستان والباكستان من إستهداف مؤسف لأبناء تلك الطائفة التي ما حملت يوماً في إجنداتها الفكرية والدينية أي دعوة للقتل أو التكفير .
وخلاصة لما سبق ندعوا المنظمة العالمية لمراقبة الجينوسيد Genocide Watch لإتخاذ كافة الإجراءآت التي تكفلها مراقبتها الحثيثة للإحداث التي وكبها أبناء تلك الطائفة وإعتبار إستهدافهم من الجرائم ضد الإنسانية Genocide ، قد نكون قد فقدنا الأمل والثقة بالمؤسسات العربية في ذلك على إعتبار أنها قد تكون قد جيرت قراراتها ،مسبقاً، لأحد ما دفع أكثر ليمسح مآس تلك الطائفة من سجل التأريخ بأي شكل كان ، ولكننا لم نيأس من المنظمات العالمية الرصينة التي تنتصر دائماً لضحايا الجنس البشري من أي نوع أو طائفة واينما سكنت جراح موتاهم … حفظ الله العراق .

زاهر الزبيدي