الرئيسية » مقالات » رسالة خاصة الى غبطة البطريارك لويس ساكو

رسالة خاصة الى غبطة البطريارك لويس ساكو

أتابع عن كثب الوضع في العراق وبالذات القضية المطروحة بين ابناء قوميتي التي وصلت الى مفترق طرق , وبنفس الوقت اقرأ بتمعن رسالتك الموجهة الى كل عراقي .
أرجع قليلا الى التاريخ في بداية السبعينات التحقت بجامعة الموصل لاكمال دراستي الجامعية قادمة من القوش كان لنا تجمع بإسم الكنيسة ( ندوة الايمان لكنيسة المشرق ) كنا نقوم بنشاطات ثقافية إجتماعية رائعة وكان من يترأس هذه الندوة حينها القس جاك القس يوسف حبي الله يرحمه والقس بطرس من كرمليس والقس جاك من القوش , كنا طلبة الجامعة . كل هذه المقدمة أذكرها كنا حينها موحدين ولم يتجرأ أحدنا ان يقول انت كلداني والاخر اثوري والثالث سرياني كلنا كنا نتكلم الكلداني والاثوري ونتفاهم بشكل جيد ونعيش أخوة تجمعنا الكنيسة حينها , بنفس الوقت كان هناك ندوة أخرى لاخواننا الميسحيين من الموصل يتكلمون العربية لانهم لم يجيدو لغتنا ولا فارق بيننا وبينهم إطلاقا .
إذن السؤال لماذا نحن ممزقين الان ؟ أخذ غبطة البطريارك لويس ساكو شعاره الوحدة . أحسنت على هذا الشعار واضيف “قوتنا في وحدتنا”,وعليه لتحقيق هدفك المنشود علينا ان ندرس واقعنا السياسي . اجد نفسي امام اشكاليات كثيرة التي تعيق تطور وتوحيد هذه الفئة من فئات الشعب العراقي الصغيرة بعددها,العريقة في تاريخها الثقافي سواء داخل العراق او خارجه.
سوف الخص هذه الاسباب إبتداءا من الوضع العراقي بشكل عام :
1- منذ 2003 بعد سقوط الصنم الدكتاتوري صدام تحولت ارض العراق الى ساحة الصراعات الدولية والإقليمية تدار بقوى عراقية منضوية بأحزاب سياسية وأخرى عربية وأجنبية في آن واحد. المجتمع العراقي في المرحلة الراهنة يعاني من مشاكل كثيرة معقدة ومتشابكة وذات تأثير مباشر على وجهة تطوره الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية نتيجة الصراع الاقليمي الذي يُدار على ارض العراق . الثقل الاكبر لهذه الصراعات وقع ويقع على القوميات والفئات الصغيرة التي لاتستطيع ان تتحالف وترسم لها ايدلوجية وطنية موحدة . بل تتشتت كل يوم اكثر فاكثر . علما ان الكادر المثقف يكتب ويصرخ ويغني ويطرح نقاط الالتقاء الا ان تدخلات الاطراف الخارجية تعمل بشكل سلبي والحقيقة هي صراعات أيدلوجية بقدر ما بالاضافة الى خلاف لمصالح شخصية للقيادات السياسية الموجودة على الساحة العراقية وهي عاجزة ان تتعاون مع بعضها وكل واحد يجر جانبا لمصالحه فقط دون التفكير بمصلحة الوطن .
2- صوت المثقف العراقي مهملْ ويريد ان يهيمنْ عليه من قبل الاحزاب السياسية وهي غير قادرة ان تضحي لمصلحة هذه الجماهير . وكل واحد ينطلق للكسب الى أصوات هؤلاء الجماهير الضحية الى جانبه للمناشدة في البرلمان متباهيا بأنه يُمثل العراقيين لكن أساس الصراع هو الكرسي وبواسطته يأتي المال .
3- ما يعيشه المجتمع العراقي بشكل عام حالياً هو حصيلة فعل وتفاعل تلك التناقضات والصراعات الدولية والعربية والاسلاموية الاقليمية الضيقة تتجلى بالعنف والقتل العشوائي والخراب المتفاقم وعدم القدرةعلى توفير مستلزمات الخلاص منها وإيجاد حلول عقلانية لفك اللغز . فالمجتمع العراقي يواجه اليوم:
الارهاب الدولي الذي ينام ويقعد لكن في دمه يحاول السيطرة على الدولة العراقية بكل اساليبه من اشاعة الفوضى والرعب والتفجير والنهب والاغتصاب والاعتداء على اعراض الناس بعد هدوء لعددة سنوات وبعد تضحيات جسام عاد الارهاب ثانية .
القوميات الصغيرة جزء من العراق الكبير للقوميات غير المسلمة حصة الاسد من هذا الارهاب مثلا كانت مدينة الدورة غالبية سكانها من المسحيين الان قتل واغتصب وهجر بالقسر الالاف منهم و هكذا الحال مع البصرة وحوادث الموصل الاخيرة عام 2008 كانت وصمة عار للحكومة المحلية والحكومة الاتحادية.ولحد اليوم لازلنا ننتظر من الذي قام بكل هذه الاعمال الاجرامية ضد المسيحيين واليزيديين والصابئة المندائيين والشبك دون جواب .
4-السياسة التي مارستها وتمارسها الدولة الإيرانية الإسلامية التي تصطدم مباشرة مع سياسة الدول العربية الاخرى المجاورة وتتناقض وتتعارض مع مصالح الشعب العراقي الوطنية حيث اتسع الصراع السني الشيعي حتى فشل على النطاق العراقي والاقليمي الان يتعمق أكثر فأكثر , هذا الصراع المجنون نجح بتهجير عدد كبير من هذه القوميات الصغيرة خارج العراق وهذا المسار هو نفسه الذي سار به العرب لتهجير اليهود في منتصف القرن الماضي . والان إنتقل الطاعون نفسه الى بقية الدول في المنطقة .
5- الجامعة العربية لاتحل ولا تربط متقوقعة على نفس فكرها القومي العربي المتخلف ولا تستطيع ان تخرج منه وهي تفقد هيبتها اكثر فاكثر بل احيانا تتخبط لتأخذ الجانب الديني الطائفي فهي تحاول ابراز الهوية العروبية تارة واخرى الهوية الدينية وكلاهما فاشلان وبهذه الحالة يكون ضحية هذه الستراتيجية المريضة “القوميات غير العربية غير المسلمة في المنطقة” . ماذا عملت لنا نحن القوميات الصغيرة ؟ الجواب لاشئ لان عروبتها فوق كل شئ وتفكيرها العروبي الذي أكل الدهر عليه وشرب .
6- في داخل العراق هناك تكالب امام اعين الجميع على سرق اموال العراق من قبل الاحزاب السياسية وعلى رأسها القيادات الحزبية السياسية منها من هي متمثلة في الحكومة وعلى راس هذا النهب والسلب هي ايرادات النفط والغاز العراقي منذ 2003. ولحد اليوم يحاول المالكي ابعاد الادلة والتستر على الفاسدين من ذوي الراس الكبير ومن المشاركين في السلطة .
7- كان يُفترض إجراء تعديلات على الدستور العراقي في ما يخص تحقيق المساواة الدستورية التامة بين المرأة والرجل في كل الميادين والمستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والفنية والعسكرية دون استثناء لكنها لم تحدث بسبب إنشغال السياسيين بسرقة أموال النفط العراقي .
ولا شك أن هناك الكثير من الحقوق والواجبات التي يفترض أن تنظم وأن ينص عليها الدستور ، سواء أكان ذلك في التعديلات القادمة للدستور الدائم أم في قوانين خاصة أم في نظم وتعليمات إدارية تنتظر الدراسة والبحث لتخرج الى العالم المتحضر .
في مقابل هذا الواقع المتشابك للتناقضات والصراعات اليومية نلاحظ الوقائع التالية من طرف آخر, ولقوميتي اشكاليات مشابهة وسوف اذكرها :
1-كل حزب سياسي من احزاب كلدو سريان اشور يريد ان ينفرد بالساحة السياسية ويجعل نفسه ممثلا لهذه القومية ويحاول حجب المجتمع المدني ان يُعبر عن رايه بالعملية السياسية بشكل مستقل .
2-غياب فعلي لستراتيجية واضحة للقوى الكلدوسريان اشور الديمقراطية العراقية وإنعدام خطة مدروسة سياسية وأكاديمية ذو أهداف قصيرة الامد لوقف نزيف الهجرة وأهداف طويلة الامد لابقاء المهجرين ذو إرتباط بوطنهم الام والاعتزاز بأصالتهم بأرض الرافدين, إضافة الى ضعف دورها وتأثيرها في أحداث العراق وعلى مستوى الدولة والمجتمع , وخاصة مع العناصر الاكاديمية والمثقفة الديمقراطية من هذه القومية اذ الاحزاب السياسية الموجودة في الساحة تحاول تسخير ارائهم واقلامهم لحساب اجندة سياسية معنية بهذا الحزب او ذاك وهذا اخطر ما يحصل في العراق ليس على مستو القوميات الصغيرة بل على مستوى العراق اجمع بمعنى اخر إهمال رأي المثقف المستقل في العملية السياسية ومنظمات المجتمع المدني لهذه القوميات نقص كبير في النهج الديمقراطي .
3- من مصلحة هذه القومية ان تربط مصيرها بمصير القوى الديمقراطية العراقية عامة فقط القوى الديمقراطية هي التي تقف حليفة لهذه القوميات الصغيرة . هذه القوميات الصغيرة يتأكلها نزيف الهجرة , لا تستطيع ان تبقى على ارض وطنها الاصل في ظل عدم وجود الديمقراطية الحقيقية وحكم القانون ودحر الفكر الديني المتطرف في كل الاديان الذي يريد ان يلتزم بالعادات القبلية المتخلفة لتمرير ايدلوجيته.
4-قسم من هذه الاحزاب تتمايل الى سياسة وايدلوجية قومية متعصبة هذا مما يعمل الى تفكيكها ايضا . وفي هذا الجو المشحون فهي الاخرى ” القوميات الصغيرة ومنها الكلدو سريانية اشورية تتخبط غير كفوءة او قديرة لجمع شمل هذه الفئة التي تنتمي الى دين واحد لكن تمزقها المذاهب الدينية , كما يمزقها موقعها الجغرافي اذ يقطن ابناء هذه القومية من شمال العراق حتى جنوبه ففي الجنوب تطبعو بطريقة معيشة معينة والان تتمثل بالانغلاق فقط لسلامة حياتهم . الذي يعيش في كردستان او في سهل نينوى يميل الى الانفتاح واكثر حرية للتعبير عن الراي السياسي او الاجتماعي والديني ,بعكس الذين يعيشون في الموصل فهم اكثر انغلاقا خوفا من سيف الارهاب . اما القسم الذي هاجر البلد منذ سنوات وبضمنهم بعض السياسيين يفضلون مصالحهم الشخصية ويحاولون فرض أنفسهم على الساحة العراقية رغم ضعف قاعدتهم الجماهيرية داخل العراق .اكثر من ذلك يجعلون من انفسهم منظرين لابناء هذه القومية الذين يعيشون في الداخل والكثيرين من هؤلاء يتخبطون بين الفكر القومي المتعصب والوطنية العراقية ( لارض الرافدين ) يصلون الى باب مسدود لانهم الان في دور الانحسار . أثبتت التجربة ,من تقوقع بفكره المتعصب دون انفتاح مع الاخر هو الخاسر الاول في الصراع .
5- غياب فعلي لدور فعال ومؤثر ويومي للمثقفين كلدو سريان اشور من المستقلين في العراق والدور السلبي للسياسيين في تغييب وعزل هذه الفئة المتنورة عن فئات المجتمع الأخرى. واضح جدا اقلامهم نشطة واحيانا تقود إلى بروز إشكاليات جديدة بين هذه الفئات والسياسيين. رغم هيمنة السياسيين واراء بعض رجال الدين تبرز الاقلام المتميزة وهذا بفضل الانترنيت .وهو المطلوب . الصراع يحتدم وهذا الصراع ظاهرة صحية يجب ان يكون صراع سلمي على مستوى حضاري بطرح الاراء والافكار واجراء مناقشات علنية وغير علنية بين الاطراف المتصارعة . يجب اعطاء دور للمجتمع المدني ان يعبر عن رأيه بدون اي ضغط من الاطراف الدينية او السياسية .
6- يعد الكادر الاكاديمي والفكري من القوميات غير المسلمة كادر مهم على مستوى العراق بشكل عام ويشكل نسبة كبيرة لكن لم يُعطى له المجال اولا ,ثانيا لم يزج معظمه في هذه العملية المعقدة وهو الاخر مغبون كجزء من فئة المثقفين المغلوب على امرهم على مستوى العراق اجمع .
7- هناك طلب ملح بإجتماع يجمع القوى الخيرة المثقفة للقوميات الصغيرة والهدف من هذا الطرح هو لتوحيد الخطاب السياسي واذا بالاحزاب السياسية تتصارع لافشاله وتدعي ان هذه خطوة غير ناجحة . الان جاء البطريارك لويس ساكو ليطرح كلمة الوحدة نعم وأنا معك لعلك تحقق ما يدور في خلد المثقفين وانا واحدة منهم .
8- لو حكم القانون في العراق القوميات الصغيرة تنتعش وتمارس الديمقراطية بعيدة عن سيطرة القيادات الحزبية وبما فيها الاحزاب القومية لهذه القوميات الصغيرة . وتخطأ الاحزاب والمجموعات السياسية لقوميتي التي كثرت تهجماتها واحدة ازاء الاخرى ان تنفرد بنفسها وتهمش المثقفين والمجتمع المدني .
9- ضعف مشاركة المرأة أخص بالذات من القوميات الصغيرة في مجمل العملية السياسية, الان تظهر بعض الاسماء النسوية الكلدو سريانية اشورية النشطة الشابة على المستوى السياسي والثقافي والاجتماعي والفني الادبي وهذه ظاهرة صحية ويجب مساندتها لان المرأة بطبيعتها الانثوية تحب ان تجمع ولا تفرق لانها تملك غريزة الامومة الراعية لاولادها .
10- الكادر الاكاديمي من الكلدو سريان الاشور سيكون في طليعة هذا الركب الإنساني الحديث. هذه طاقات وإمكانيات كامنة يفترض تفجيرها بعناية كبيرة ورعاية تامة ووعي بالمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق الجيل الجديد من الشابات والشباب لخدمة بلد الام لهذا الشعب العريق بتاريخه الحضاري , ولكنها تبقى مهمة الجميع. وتحقيق ذلك يستوجب بدوره تغيير بنية الاقتصاد التي ستساهم بدورها في تغير بنية المجتمع ووعيه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وقدرته على تحمل المسؤوليات وممارسة الحقوق وأداء الواجبات بشكل مترابط وموحد .
11- غرق السياسيين بايجاد تسمية لهذا الشعب واهملو الذي يقتل ويذبح ويهجر بدلا ان يفكرو بجمع شمل وانقاذ هذا الشعب المذبوح . اننا شعب واحد يجمعنا الدين واللغة والفلكلور والعادات والتقاليد والارث التاريخي الشامخ المشترك هناك نقاط لقاء أكثر من نقاط خلاف ؟
12- يجري الان ابراز نقاط الخلاف اكثر من ابراز نقاط اللقاء ويتحمل السياسيون الان على الاقل والكنيسة ايضا لتفرقة هذه المكونات منذ فترات طويلة .
13- ذكر البطريارك لويس ساكو في رسالته الاولى بعد إنتخابه الاصالة وانا أقول نعم إننا نملك الاصالة بالانتماء الديني تراثنا على ارض أجدادنا بنفس الوقت أقول رسالة الديانة المسيحية هي السلام مع الجميع ونبذ العنف وعليه نعيش بسلام على ارض الرافدين مع إخوتنا من غير القوميات ومن الاديان وهي الرسالة الانسانية وهذه هي الاصالة بالنسبة لي . لماذا نعيش في المهجر جار مع جار مع اليهودي والمسلم والبوذي والكافر لان رسالة هذه الحكومات مأخوذة من الرسالة الانسانية التي تقبلها معظم المنفتحين من الديانات المختلفة ومكرسة بقانون موحد وينطبق على الجميع دون إستثناء وهكذا تعيش الدول الراقية إجتماعيا وسياسيا الكل يحكمه القانون .
14-نعم التجديد رسالة إنسانية كل شئ قابل للتجديد هذه فلسفةعلينا الاخذ بها أيضا كل شئ في حياتنا يتجدد بما فيها خلايا أجسامنا ومنها خلايا أدمغتنا ولهذا السبب إقتنعتْ الكنيسة بهذا التجديد وطالبت به الان ونحن المثقفين من هذه القومية الصغيرة الذين أجبرنا على فرش بقاع العالم بقوة السيف والحديد نطالب التجديد ليس فقط في كنيستنا وأحزابنا الدينية وممثلينا السياسيين لكن في رسالتنا وعلى رأسها التوحيد في خطابنا السياسي والديني والقومي .
أواسط نيسان 2013