الرئيسية » مقالات » علكة المجنون ملء فمه

علكة المجنون ملء فمه

قيل في متون امهات الكتب “من أمن العقاب ساء الادب” وقالت حسجة الدواوين العشائرية “علج المخبل ترس حلكة” وهذا ما نراه ونلمسه من فساد المسؤولين في الدولة الآن، يعلنونه أشكرى، من دون وجل، اعتمادا على كتلهم السياسية وفئآتهم الطائفية والقومية.

فاذا قبض على وكيل وزارة متلبسا بالرشوى، صاح قومه استهداف طائفي، وعند احالته الى القضاء، تعمل ماكينة المساومات.. شيلني واشيلك وسد لي هاي واسدلك الجاية؛ فتخلي المحكمة سبيله، وتقضي بتعويضه عن ايام التوقيف وتعيد له اعتباره وتجرم من بلغ عنه، متقدمة بالاعتذار عن اعاقة خدماته الوطنية، للكيان الفئوي الذي ينتمي له.

الحكومة من جانبها تحتفظ بملفات، كافية لفتح ابواب السجون، تلقي فيها بكثير ممن يضعون انفسهم فوق القانون، لكنها لا تعلنها؛ لحفظ بيضة المجتمع من التصدع، على امل اطلاقها متى ما شعرت بأن صاحبها يتمادى على حساب المصلحة الوطنية، بالفساد في المال العام.

والعذر لن يحمي الحكومة من طائلة القضاء؛ لحجبها معلومات تدين مجرمين وتحمي المال العام، ما يضعها تحت طائلة تهمة التواطئ واخفاء معلومات عن العدالة.

اذن الحسابات السياسية لن تعفي الحكومة من القضاء.. لكن ثمة اولويات تجب مراعاتها، مادام السكوت عنها لا يزهق ارواحا بريئة.

مسؤول في فعالية وطنية كبرى، وظف العراق لارواء شهوتي المال والنساء، ولم يتعاطَ مع تلكما الشهوتان (بعرفة) انما بهوس لا يراعي فيه منطقا ولا قانونا ولا عرفا اجتماعيا او تراتبا وظيفيا.

حتى انطبق على اجراءاته التي لا تعقل، مبدأ “حدث العاقل بما لا يليق فان صدق فلا عقل له” كأن يتعاقد مع شركة اقليمية على نصب سرادق لمشروع ما، وقبل ان تنتهي مدة العقد، تلملم الشركة سرادقها وتعود به الى مقرها في دولة اقليمية، ويتضح ان السرادق مؤجر وليس ملكا للعراق، بمبلغ يكفي لبناء عشرة قصور مثل هذا السرادق وتفوقه دقة في الاداء.

ولما بلغ السيل الزبى، فعلا لم تستطع الدولة محاسبته، لانه محمٍ بفئة قومية فوق القانون، فاكتفت الدولة بتجميده في منصبه، من دون فاعلية، لكنها لم تستطع زحزحته من المنصب ومميزاته وراتبه الفلكي ونسائه.

فبعد فضيحة السرادق وعشرات النساء اللواتي استجرن بالدولة لحمايتهن من مساوماته على اعراضهن نظير ادائه دوره التقليدي في المسؤولية ازاءهن، اكتفت الدولة بتجميده،…

وهذا يذكرني بنمير دهام، ابن ابن عم الطاغية المقبور صدام حسين، الذي كان يمشي في الشوارع ويقتل من لا يعجبه، وفي الملاهي ويقتحم الحفلات العائلية الخاصة، فارضا نفسه على نسائها، ما يؤدي الى موت اكثر من رجل في الحفلة تعيسة الحظ، التي تصادفه.

ولم يحد من فظاعته صدام الا عندما قتل ستة عشر دبلوماسيا اجنبيا في حفلة واحدة، فسجنه ستة اشهر في (ابو غريب) يخرج عند الثانية عشرة ليلا الى ملاهيه ومومساته، ويعود الى السجن في الرابعة فجرا، ومعه آرتيست، يتلقفها حراس السجن بالرعاية والعناية والتبجيل.

فما اشبه اليوم بالبارحة!؟

تمنينا ان يلي هذا المسؤول شخص معتدل، معروف بوعيه والتزامه وحرصه لله والوطن، ففجعنا بان المنصب محجوز لفئة معينة، حتى لو تحول التجميد الى اعفاء او سجن ( وهذا مستبعد) فان فئته ترشح بديلا عنه، ولا يتصدر المنصب مرشحنا التقي الورع العاقل؛ لان المحاصصة لا تسمح بالولاء الوطني انما تحصر المناصب بفئات دمرت الدولة وكتفت الحكومة؛ حتى ارى لسان حال دولة رئيس الوزراء نوري المالكي يقول ما قاله اشاعر: “القاني في اليم مكتوفا وقال: اياك اياك ان تبتل بالماء”.

المحاصصة تلزمنا بمشيئة صاحب الملك الذي اخذ بها طابو على حساب الكفاءة، فالتربية مثلا من حق الشيعة، واذا توفر تربوي كفوء لكن سني، نتخطاه لمن هو اقل منه كفاءة اذا كان شيعيا، والعكس يصح الى عمق خراب الدولة.

المحاصصة تشبه قانون (حق الزراع) الذي ابتلى به رشيد عالي الكيلاني العراقيين سنة 1933 جاعلا من الفلاح مملوكا للاقطاع صاحب الارض والمكان والزمان.

ناهيك عن وضع المسؤولين في منعة.. تحميهم طوائفهم وقومياتهم.. من المسائلة القانونية التي تقيهم الوقوع في زلل، يورطهم بالدوران داخل سورة النفس الامارة بالسوء، مع مصد واق عن رحمة الله.. دوامة نهم وطوفان شراهة للمال والنساء، احبط مشروعا كبيرا وسفه الدولة؛ لأنها عجزت امام المواطنين عن معاقبة من ثبت عليه تقصير صارخ، مكتفية بتجميده (في) منصبه، من دون ان تجروء على احالته للقضاء لأنه من قوم فوق القانون.

قدر العراقيين في كل زمان، ان يقعوا تحت ظلال سيوف فرسان فوق صهوة القانون، يمتطونه موجهين دفة البلاد شمالا او جنوبا.