الرئيسية » مقالات » تحت التحت وفوق الفوق

تحت التحت وفوق الفوق

مللنا من إكذوبة الشراكة حيث تمضي السفينة وفيها العشرات ممن يحملون صفة الربان ،ويمكن لسياسي واحد أن يكون دولة بمفرده يسمع له الناس ويطيعوه ،ويمكن ذلك لوزير ولنائب ولوكيل وزير ولمدير عام ولعضو في حزب وتكتل ،أو جماعة سياسية، أو دينية، أو عشائرية والجميع لهم الحصانة والهيبة والوقار ،ولهم الحق في أن يقولوا مايريدون ….وتبهت الوجوه والألسن ،وتصغي الأسماع له،وتبتهج النفوس ،وتفرح ،وتستقر الضمائر لوعوده وكلماته الربانية ولإلهامه الموعود بالظفر فلايأتيه الباطل من بين يديه ،ولامن خلفه لأنه جاء لينتشل العباد من وهدة التردي والخوف والحرمان، وينتقل بهم الى عوالم فسيحة من التطور والرقي والنهوض ،ولديه مشاريع لاحدود لها يمكن أن يصنعها للشعب الثائر على التاريخ المكتنز بالحرمان والإنتظار لغد أفضل وأجمل وأنمى.
حين ذاك يكون الجميع في معرض إصدار الأوامر، ولاأحد له الحق في رفض تنفيذها ،بينما لايقبلون هم أن تلقى عليهم الأوامر ولايستسيغون سماعها إن كانت قولا، ولايقرأونها إن كانت مكتوبة ومعنونة ،فهم فوق القانون وفوق الدستور وفوق الفوق ،ولايفقهون من كلمة تحت شيئا ،ولاوجود لها في قواميسهم ،وقد كانوا من فترة ليست بالبعيدة لايفهمون الفوق وتعودوا على التحت ،وربما كانوا تحت التحت، لكنهم اليوم، وكما هو واضح فوق الفوق، ولهم السبق في القول والفعل والمقام والمنصب والرفعة ،ولاهم لهم إلا تامين أنفسهم ومكاسبهم ،وليس لهم شأن بالناس العاديين الذين لم يعودوا من مقامهم ،ولامن مستواهم، ولامن صنفهم بعد أن رقتهم السماء الى منزلة عليا لاسبيل لدنوها ،ولاالى خفضها لأي سبب كان.
العملية السياسية في العراق وبالشكل الذي هي عليه طينت عيشة الناس وسببت لهم المتاعب بأشكال وأصناف لاحصر لها ،بل وزادت من عذاباتهم ولونت حياتهم بالسواد بفعل الموت والإرهاب الأعمى الذي طال كل شئ ،ولم يستثن شئ من عمران وإنسان وحيوان وأسواق ومدارس ومستشفيات ،وليس للسياسيين سوى التصريح بالقول الفصيح والكلام المعسول الذي لاقيمة له ولا أهمية سوى إنه كلام في النهاية يمكن أن يخدع فئة بسيطة لكنه لايصمد وينكشف بعد مدة ،والكتل السياسية تخوض في مشاكل لانهاية لها بسبب الطريقة التي تشكلت بموبها العملية السياسية وأرغم حتى السياسيون أن يتداولوا السلطة بموبها بشكل غير منظم جعل من المحاصصة والتوافق والشراكة عناوين عريضة في مساحة ضيقة لاتحتمل إلا أن يكون فيها شكل واحد يرعى الجميع وفق نظام سياسي واضح المعالم يكون للحكومة فيه دور فاعل ،ويأخذ المعارضون دورهم بدلا من الطريقة الحالية التي يتنازع فيها الناس المناصب والمواقف والحصص ،وهذا النظام هو الحكم بالأغلبية السياسية التي أصبحت الحل الأخير في ظل هذا التناطح والتنابز الذي لاسابق له في هذه البلاد التي تحولت بفعله الى قائمة الدول المنتظرة لشئ قد يحدث ،لكنه لايبدو قريب التحقق وعلينا أن نسرع الخطى في هذا السبيل.