الرئيسية » مقالات » صديق اليوم عدو الأمس … عدو الأمس صديق اليوم

صديق اليوم عدو الأمس … عدو الأمس صديق اليوم

نلاحظ الأعمال والمهام والواجبات التي تنجز بصورة ممتازة في البلدان المتطورة سببها وجود نظاما” ثابتا” ودستورا” متطورا” وبشرا” مثقفا”. ونرى الكثير من الناس يبني أمالا” على ما لدى المؤسسات الحكومية والخاصة كونها وجدت لخدمته او أنشأت وأسست لحسابه وإكمال أعماله واحتياجاته وتلبية طلباته، فلا يوجد شخصا” يفهم معنى الوساطة، العلاقات، النفوذ، المحسوبية، الدعم المادي، الهدايا، الرشا، … وغيرها من الأمور لانجاز أعماله، فالإنسان الذي يقدم طلبا” في مؤسسة ما يعرف جيدا” ان تلك المؤسسة تولي طلبه الاهتمام اللازم وتسعى جاهدة لإرضائه وإقناعه كونه زبون ومواطن له حقوق وعليه واجبات. ولا يمكن ان تجعل المؤسسات العملاقة والشركات التجارية الحكومية او الخاصة علاقات موظفيها هامشية، سطحية، عابرة، مصلحية، غير نموذجية وغير معيارية، شكلية، غير مبدعة ولا مطورة وغير مثالية، … الخ لان ذلك سيؤثر على سير الأعمال وانجاز المهام والواجبات المكلفين بها في حالة النظر الى المشاكل والقضايا الخدمية بهذه الصورة!

بل العكس من ذلك هو الصحيح، فنجد التقييم والتقويم وفق مناهج ورؤى وطرق وأساليب علمية وعملية تسعى الى البناء وليس الهدم، العمل وليس التوقف، الإنتاج وليس الجلوس، الحوار وليس الشجار، العمل كفريق وليس لغة وسياسة الأنا، فيكون ذلك منتجا” ويعكس صورة المؤسسة ويلبي حاجة المراجع والزبون دون مشاكل او توقف.

اليوم هنالك مؤسسات فيها تراكمات من المشاكل ويسعى الموظف او مقدم الخدمة الى الشجار مع الزبون ومحاربته نفسيا” وإداريا” وتنفيذيا” وتهميشه وإقصاءه بحجة البيروقراطية المفرطة والضوابط الصارمة، ولا نمتلك علاقات عامة او فن فض النزاعات والحوار الجاد والعلاقات الوظيفية المستدامة. ففي حالة غياب الوسيط في المؤسسة لا تنجز أعمالك ولا ينظر بها الا بعد حين من الزمن الطويل وقد يؤدي ذلك الى قتل روح المواطنة والبناء والعمل من اجل المواطن والوطن، وخدمة المصلحة العامة. الوطنية هي ليس انجاز بريد يومي او اكمال معاملة رسمية او تأدية واجبا” ما بدون رغبة؛ وانما هي عملية متواصلة ومستمرة من النشاط والحيوية في اداء الواجبات وتحمل المسؤوليات وتلبية الطلبات وتطوير الذات واقتراح الحلول والمشاركة الفعالة في البناء والاعمار والاصلاح والتحسين وليس الاعتماد على سياسة رمي الكرة على الاخر او ترك العمل والتطلع الى الوقت كي يمضي اليوم وينتظر طالب الخدمة شهورا” من اجل اجباره على الاشياء غير المحببة او المرغوب فيها في المفاهيم العلمية الادارية الحديثة وفق ادارة القيمة، الوقت، الاداء والاهداف.

نجد صديق اليوم يكون عدوا” وخصما” كونه لم يؤدي واجبا” ما او مهمة ما لانها خطأ او ليس وفق الضوابط والتعليمات فيولد العداء، الحقد، الكراهية او بحجة ان الاعمال كثيرة والمهام مزدحمة والواجبات متكررة وعدم وجود مساعد او كفاءة لدى الاعلى مما يعني شن الحرب عليه لانه مخلصا” ومثابرا” ومبدعا”. وتربط الغالب من الناس لغة المنفعة او لغة التواصل النفعي او لغة الحوار المالي الهادف او لغة الاعتماد المتبادل وفق المصالح المشتركة غير المقبولة اجتماعيا” ولا اخلاقيا”، ويكون الضحية في ذلك السباق طالب الخدمة ولا نعدل في الامور التي تخص الناس والمعارض لنا خصما” والميسر والمسهل لأمورنا صاحبا” وداعما”. فهنا نقول: “كلمة حق يراد بها باطل …” او عمل شيء ما وفق المصلحة الذاتية والاهواء المزاجية غير المنطقية او المعقولة وفق الاعراف والقيم الوظيفية او الاجتماعية.
اخيرا”، نرى اعداء الامس اصدقاء اليوم بفعل عامل الزمن والمنفعة والمصلحة وليس عامل المهنية واحترام الوظيفة او اعطاء الراتب الشهري حقه كما يقال لدى الناس العقلاء فالمبدأ العقلاني والوظيفي والاخلاقي ان لانكون أعداء لإرضاء الأخر واصدقاء لاقناع المزاج والميول والرغبات، وليس ان نكون عقلاء تفكيريا” ومبررين مهنيا”، بل نكون عاملين وظيفيا” وفق الضمير والقانون، كما يقول سقراط: “ليس ضروريا” ان يكون عملي مقبولا” من الجميع، لكن ضروريا” ان يكون صادقا” …”

الأستاذ الباحث علي اسماعيل الجاف