الرئيسية » مقالات » صناعتنا بعد عشر سنوات

صناعتنا بعد عشر سنوات

عقد من التخبط الصناعي كان كافياً جداً لضياع الهوية الحقيقية للصناعة العراقية بمختلف صنوفها ، حيث لم ينج صنفاً منها من الضياع منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا ، الصناعات الألكترونية والزراعية والمنزلية والغذائية ، كلها على الإطلاق عانت ولا زالت تعاني من التخبط الكبير في إمكانية إعادتها الى الحياة بعدما ترهلت أغلب تلك الشركات لتجاهد قياداتها ، بشق الأنفس، على توفير الرواتب لموظفيها ، ففي حزيران 2013 ، أعلن السيد عامر عبد الرزاق مسؤول دائرة الاستثمارات في وزارة الصناعة العراقية ، عن حلول الوزارة لإبعاد “شبح الأنهيار “عن 74 شركة” تعتبر في المقاييس الاقتصادية خاسرة ! حيث يتلقى ربع مليون عامل فيها رواتبهم عن طريق القروض من المصارف ، لتتجاوز تلك القروض الـ 11 مليار دولار.
نعم إنها تكاليف كبيرة جداً وضعت أغلب مجالس إدارات تلك الشركات أمام مسؤولية كبيرة أمام توفير رواتب هذا العدد الهائل من الموظفين وهي التي تعتمد على التمويل الذاتي ويهدد موظفوها بالطرد والنقل بصورة مستمرة ولتدفع الحاجة لتلك الرواتب الهائلة بالمجالس الإدارية الى البحث عن المال بأي طريقة كانت ، فتجد إحياناً أن شركة تختص بالإنتاج الألكترونية تنتج اليوم عربات جمع النفايات والحادلات والشفلات ، أو أن تقوم شركة أخرى تختص بالإنتاج الكهربائي بإستلام مقاولات بناء لمدارس وغيرها من المشاريع التي تبعد كل البعد عن تخصصها الحقيقي .
إن ما يحدث اليوم لا يمثل إلا إطلاق رصاصة الرحمة على الصناعة العراقية التي كانت توفر الكثير من المنتجات الى الأسر العراقية بل أن الكثير منها كانت مفخرة للصناعات الأقليمية ، وبعد أن زاحمتها المنتجات الصينية والكورية وإكتسحتها ولم تعد قادرة على أن تجاري تلك الصناعات التي تتم وفق أحد التكنولوجيات في العالم التي نبتعد عنها نحن بمسافات كبيرة جداً.
لقد أهملت تلك الشركات البحث والتطوير وتناسته كما تناست مشاريع نقل التكنولوجيا Transfer of Technology وأعتمدت نفسها كشركات تجهيز تشتري وتبيع وتعقد الصفقات لأي مواد لا يمكن للقطاع الخاص تمريرها بسهولة الى القطاع العام ليتم التعاقد معه وتصريف مواده الى القطاع العام عن طريقها ، لتقتل كل روح الإبداع لدى موظفيها وتنهي أي أمل بالتطور والعودة الى المربع الأول لها عندما كانت هناك خطوط إنتاج وإمكانيات كان لها أن تعيد مجدها لولا صولات الحواسم التي إنقضت على تلك المصانع بعد عام 2003 ، وموجات الفساد التترية التي أنهت إحلام تلك الصناعة من أن تنهض من كبوتها ثانية.
اليوم المؤسسات الصناعية أمام مسؤولية كبيرة جداً أمام صناعتها وإعادة الحياة الحقيقية والهوية الطبيعية للصناعة في بلد مثل العراق ـ ففي الوقت الذي كانت أغلب دول الجوار تعتمد على الإستثمار في صناعتها لعدم توفر المواد البشرية التي تمتلك القابلية على إدارة مشاريعها الصناعية وتعتمد على الخبرات الأجنبية بمختلف درجاتها الوظيفية ؛ كان العراق يبادر الى إكمال الخطوط الأنتاجية والإنتاج إعتماداً على قدراته الذاتية الهائلة في الإدارة والعمل ، ومسؤولية المؤسسات الصناعية اليوم والحكومة بالذات أن تطلق مبادرتها الصناعية وتدعمها بصورة جادة فنحن لغاية اليوم لم نر بوادر لعقد المؤتمر الصناعي الموسع لكل المؤسسات الصناعية في القطر للوقوف على المشاكل والمعوقات التي تقف حائلاً أمام القيام بالمشاريع الصناعية العملاقة ونحن أمام تهريٍّ واضح لصرفيات الموازنة العامة ، فمليارتها تذهب الى تركيا والصين وكوريا والكويت والأردن وغيرها من الدول التي أنتهزت تلك الفرصة لتغرق منتجاتها السوق العراقي ، نحن نتحدث عن عشرات الميارات التي تهدرها الدولة في الإستيرادات التي تقارب العشوائية مع توفر كل الإمكانات الصناعية في القطر القادرة على تلافي ذلك الإسراف اللا مبرر في الإستيراد .
المبادرة الصناعية على الرغم من كل المشاكل أمام إطلاقها بحاجة الى حلول تشريعية وقانونية إلا إنها تعتبر بارقة الأمل الوحيدة التي قد نرى من خلالها صناعة عراقية متطورة ومتجددة ، وإذا كانت مشاكل الإستثمار لا زالت عالقة فالنتوجه الى نقل التكنولوجيا وإحياء القيمة الحقيقية للبحث والتطوير وإحياء تقاليد الرقابة النوعية وأسس التدريب الحقيقية خارج القطر ، فبعد تطور الصناعة العالمية وإعتمادها التقنيات الحديثة في التصنيع نرى إننا أمام تحد آخر في تطوير قابليات الإنتاج لدى موظفينا ودفعهم بإتجاه التطوير ومواكبة أحدث تلك التقنيات .
ألف مليار دينار ، ترليون دينار ، هي النفقات الإستثمارية لوزارة الصناعة والمعادن في موازنة عام 2013 ، والمبلغ سيصبح أكبر إذا أضفنا له النفقات الإستثمارية لبقية الوزرات ، وعلينا أن نحسن إستخدامها وأن لا تذهب قيمتها الحقيقية وسط إعادة الإعمار والتأهيل لمصانع ستينات القرن الماضي لنعود في العام القادم ونهدر ذات المبلغ ولنفس الباب الذي أضحى اليوم أهم أبواب الفساد والإفساد .

زاهر الزبيدي