الرئيسية » مقالات » العراق بعد عشر سنوات على كسر العقليات الدكتاتورية والمركزية الفوقية

العراق بعد عشر سنوات على كسر العقليات الدكتاتورية والمركزية الفوقية

 

قد تكون المنظومات الإيديولوجية و فلسفات التاريخ مصدراً مهماً من مصادر الوعي و أداة للتثقيف والتنوير، لكنها قد تكون في المقابل أداة للتزييف والتضليل، خاصة عندما نعرف بأن اللاوعي والوهم أو الخداع لها دورها في تشكيل الوعي وقرارات العقل و سير التاريخ.
فقبل عشر سنوات كانت النرجسية العقائدية والإيديولوجية القوموية طاغية علی ممارسة الهوية في العراق. تلك الإيديولوجية التي كانت مبنية علی منطق العنف والإرهاب والقتل والدمار، لا تؤمن بسبب عقليتها المركزية الفوقية و لو بشكل نظري علی قواعد الشراكة و التوأمة والحماية والرعاية.
و بعد سقوط الطاغية في التاسع من نيسان 2003 كانت هناك محاولات للتوصل الی تسوية مقبولة من جميع المكونات في هذا البلد المصطنع (العراق)، لكنها ضعفت و وصلت الی حد الشلل والإنسداد بعد أن نهض البعض في بغداد من سباته الديني ليعلن الدكتاتورية من جديد. إنها سياسة مآلها إزدياد حدة الأزمة بدءاً بأعمال العنف و إنتهاءاً بعدم الإستقرار السياسي، إن لم نقل الی السير نحو الحرب و الإقتتال داخلي، فبدلاً عن السعي في سبيل دمقرطة حقيقية جذرية للمجتمع العراقي وترسيخ العدالة الإجتماعية وسيادة القانون ودولة المؤسسات عوضاً عن دولة الشخص والعين يعمل رئيس الحكومة في بغداد من أجل أجندات شخصية ومصالح ضيقة ضارباً عرض الحائط مستقبل الشعب العراقي والشراكة والدستور.
إن بناء الديمقراطيات هو من أجل بناء البلدان وسعادة الشعوب، بعد تثبيت ثقافة أحترام كل بند من بنود الدستور، أما التغيير فيجب أن يشمل البنية السياسية القائمة واستئصال رموز الفساد المهيمنين على مراكز القرار في بغداد.
ومن المعلوم بأن الحرية هي صراع و محرك الوجود، التي تبدأ بالإعتراف المتبادل و أن الشخص المستبد أو الدكتاتور لا يؤمن بالحرية، لأنه يبقی أسير ضرب من الأنا و حدية من العزلة والإنغلاق النرجسي حول ذات، لايمكن أن تتواجد إلا من خلال الآخر. فبروحه السيكوباثية المضادة للمجتمع يريد هو أن يملي بشكل جبري سياساته و مواقفه علی الآخرين و يعيد إستعمال الترهيب والتصفية والترغيب بعد نشر الفساد في كل مرافق الدولة و جمع المتملقين والمتسلقين حوله، لإستخدامهم كمادة خام في سبيل إنجاح مهامه و مشروعه الإستبداي، الذي تتمعن في تفكيك البنى والروابط المجتمعية وتسعی في تدمير جميع الفئات الاجتماعية ولا سيما المنتجة منها لمصلحة أوليغارشية طائفة عسكرية تستأثر بقوة عمل الجميع.
“دولة القانون” برئيسه و هو رئيس مجلس للوزراء و قائد عام للقوات المسلحة و المسؤول الوحيد عن الأمن في العراق بعد أن أخضع جميع المؤسسات العسكرية والأمينة والاستخباراتية مباشرة لسلطته تريد اليوم إذابة الشعب العراقي في بوتقة فكرية واحدة أي إذابة الأفراد والمؤسسات والجماعات في كل اجتماعي واحد حيث الشعب والدولة والمجتمع المتجانس و هذا يعني بأن توجهات حزب الدعوة المقولبة في دولة القانون ستكون لها كلمة الفصل في التوجه العام للدولة والمجتمع.
فبدلاً عن نسج علاقات صداقة ومصالح مشتركة متوازنة تخدم قضية السلم والتعايش القومي والعملية الديموقراطية وحل الخلافات العالقة بين الإقليم والحكومة الإتحادية بشكل سلمي عن طريق الحوار البناء، تسعی رموز بارزة في “دولة القانون” في تقليص موقع الكوردستانيين ككتلة قومية ثانية الى جانب كتلة القومية العربية و تعمل بجدية علی إفشال التجربة الديمقراطية اليانعة في الاقليم الكوردستاني الفدرالي الآمن. فالذي يشتغل علی تغيير مواد الدستور و الإنقلاب علی النظام الديمقراطي الفدرالي يقوم بجر العراق نحو العباءة الخمينية، لكي لا تتأهل المجتمعات العراقية لممارسة الديمقراطية و لكي تنضج بنيتها و ثقافتها.
إن المراهنة علی المنطق الشمولي و فتح جبهات سياسية أخری على طريقة التدخل السيادي للدول إقليمية بهدف تجييش الحالة السياسية هي نوع من أنواع العمل علی إفشال التجربة الفدرالية السعي لتقليل إستحقاقات الشريك الأساسي في العراق.
نقول بأن الثقافة الديمقراطية هو حق الجميع في النقد و طرح مشاریع بديلة. والحريات الديمقراطية تقوم على أساس المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون وهي تكسب معناها ووظيفتها العضوية عندما ينتمي المواطنون إلى جماعات تمثلهم. و التعددية السياسية كما التعددية الثقافية والاجتماعية لها أهميتها. أين نحن اليوم من تلك الثقافة بعد عشر سنوات من سقوط الدكتاتور صدام.
وختاماً لقد صدق من قال: “أعدنا بناء العراق على أساس مبادئ ثلاثة وهي الشراكة، واالتوافق، والمشاركة في القرار السياسي، ولم نتفق علی أن يذهب ديكتاتور ليأتي آخر محله.”
الدكتور سامان سوراني