الرئيسية » مقالات » غيابهم أفضل من حضورهم

غيابهم أفضل من حضورهم

ممارسة الديمقراطية ليست سهلة، خاصة في شعب لم يمارسها من قبل، حيث كان ضحية الاستبداد طوال تاريخه. لقد أذل حكم البعث العراقيين أيما إذلال، وحاول صدام إخصاءهم. فالشعب العراقي الذي تشكل قيم البداوة أهم ركن من أركان شخصيته وثقافته، يمثل عنده شيخ العشيرة والضابط العسكري قمة الرجولة، حاول صدام إذلال هاتين الشريحتين من الرجال، فمنح نفسه أعلى رتبة عسكرية (مهيب ركن) يعادل رتبة مارشال، وهو لم يخدم يوماً واحدا في الجيش، وللإمعان في إذلال العسكر، منح مرافقه رتبة فريق ركن، يرافقه كظله، وفي الاجتماعات يقدم له الكرسي، ويقف خلفه كالتمثال أو الصنم. أما إذلاله لشيوخ العشائر فكان قد حقق قفزة حضارية كبرى ولكن إلى الوراء، حيث أعاد العراق إلى مرحلة القبلية، ونصب على كل عشيرة أحد مرتزقته من تلك العشيرة، وحوَّل العراق إلى إتحاد مشيخات، ونصب من نفسه شيخ المشايخ، فأحيى قانون العشائر الذي ألغته ثورة 14 تموز قبل أكثر من خمسين سنة، حيث منح الشيوخ الحق في حل المنازعات بين أفراد عشائرهم، متجاوزاً بذلك السلطة القضائية والمحاكم المدنية. وكان صدام يدعو الشيوخ بين حين وآخر إلى بغداد ليقدموا أمامه رقصات ذليلة مع ترديد أهازيج يمجدون بها شخصه، ليشعرهم بإخصائهم وبأنه هو وحده الفحل في العراق!!.

هذه العقدة النفسية وغيرها من العقد لازمت هؤلاء بعد سقوط صدام في الحفرة التاريخية، وستبقى تلازمهم طيلة حياتهم حتى ولو تسنموا أعلى المواقع في السلطة والعشيرة. لذلك فبعد إسقاط حكم البعث وقيام الديمقراطية وإطلاق الحريات بلا ضوابط ، واكتشاف حقيقة صدام بعد إخراجه من حفرة حقيرة منفوش الشعر أشبه بمجنون، حاول من أذلهم صدام أن يتخلصوا من عقدة النقص والشعور بالدونية، لا بخدمة بلادهم والتجاوب مع الديمقراطية والحرية بمفهومها كمسؤولية، بل اساءوا استخدام الحرية والديمقراطية للتمرد على الحكومة المنتخبة التي هم يشاركون فيها، وأساءوا حتى للشعب الذي انتخبهم. لقد وجد هؤلاء رجولتهم في مخالفة السلطة ومشاكستها في الحق والباطل، ليثبتوا أنهم رجال شجعان وليسوا مخصيين كما أراد لهم صدام.

ويمكن التأكد من صحة ما ذكرنا أعلاه من تصرفات نواب بعض الكتل السياسة في البرلمان، وتصريحات قادة ما يسمى بتظاهرات المناطق الغربية أو “الربيع السني”. فمن الأساليب التي اتبعها هؤلاء النواب معارضتهم لأي مشروع قانون تقدمه الحكومة للبرلمان، وعرقلته، لمجرد معارضتهم للحكومة رغم أنهم شركاء فيها.

وعلى سبيل المثال، لقد حاول نواب بعض الكتل السياسية عرقلة قانون الموازنة لأربعة أشهر، لا لسبب إلا نكاية برئيس الوزراء نوري المالكي، وهو تصرف غريب وغير لائق، أضر بالشعب العراقي وكلفه نحو 25 مليون دولار يومياً. فتصور عزيزي القارئ حجم الخراب البشري الذي أصاب هؤلاء النواب لإلحاق الأذى بناخبيهم وحتى بأنفسهم. ولم يقتصر هذا السلوك على نواب التيار الصدري طبعاً، بل شمل نواب ما تبقى من كتلة العراقية، وحتى نواب التحالف الكردستاني باستثناء أولئك النواب الذين انشقوا عن كتلة العراقية، وكذلك نواب كتلة التغيير الكردستانية، الذين فضلوا المصلحة الوطنية على مزاجية قادتهم، فبقوا في الجلسة التي تم فيها التصويت على قانون الموازنة رغم غياب النواب المشاكسين.

والغريب أنه لما تم التصويت على الموازنة بنجاح يوم 7/3/2013، انزعج النواب الكرد الذين قاطعوا الجلسة على أمل عدم اكتمال النصاب، راحوا يعترضون أنه تم تهميشهم، وأنه لا يجوز التصويت على قانون الموازنة بغيابهم!!. ولكن أيها السادة، من همشكم؟ ومن همش من؟ أنتم الذين اخترتم مقاطعة الجلسة بملء إرادتكم لإفشالها، وبالتالي لعرقلة التصويت على قانون الموازنة، وليذهب الشعب إلى الجحيم!!
وحين تم التصويت بدونكم، خرجتم إلى وسائل الإعلام صارخين: “يا عالم لقد تم تهميشنا وهذه مخالفة للديمقراطية!!”. نعم، كانت مخالفة لديمقراطية التوافقات سيئة الصيت، ولكنها ليست مخالفة للدستور، ولا للديمقراطية الحقيقية التي تمارس في أرقى الدول الديمقراطية العريقة. لذلك نرجوكم أن تواصلوا مقاطعتكم للجلسات القادمة لما تبقى من عمر هذه الدورة البرلمانية، ففي غيابكم عنها خدمة لا تقدر للشعب العراقي الذي أخطأ في انتخابكم.

إن ما تحقق يوم 7/3/2013 من إصدار قانون الموازنة، ومجموعة قوانين أخرى بفضل مقاطعة المشاكسين المعرقلين كان خطوة إلى الأمام، وفي الاتجاه الصحيح لإنضاج الديمقراطية، وتصحيح مسارها، واختباراً عملياً رائعاً أثبت فشل الديمقراطية التوافقية، وأن لا ديمقراطية حقيقية إلا بحكومة الأغلبية.

لا شك أن الديمقراطية العراقية مازالت ناشئة، وفي مراحلها الأولية رغم مرور عشر سنوات على ولادتها، فعشر سنوات فترة قصيرة في تجارب الشعوب، وبالأخص في تكريس الديمقراطية في شعب لم يمارسها من قبل… على أي حال، إن ما تحقق يوم 7/3/2013 أثبت بدون أي شك أن حكومة الشراكة الوطنية الشاملة هي فاشلة ومعرقلة للديمقراطية، وقد فرضتها مرحلة تاريخية معينة بعد إسقاط الفاشية. وعشر سنوات فترة كافية أثبتت فشلها، ويمكن التعلم من هذه التجربة الرائدة وتصحيح مسارها، وأنه قد حان الوقت لحكومة الأغلبية، يشارك فيها نواب كتل سياسية توافق على برنامج انتخابي معين، تعمل على تنفيذه خلال أربع سنوات من عمر الدورة البرلمانية القادمة. وفي نفس الوقت يشكل نواب الكتل غير المشاركة في الحكومة جبهة المعارضة الديمقراطية تحت قبة البرلمان لمراقبة نشاطات الحكومة. وهذه هي الديمقراطية الحقيقية.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/