الرئيسية » مقالات » اليهود البغداديين في الهند ـ 2

اليهود البغداديين في الهند ـ 2

الجزء الثاني من مقالنا (المترجم من كتاب صدر في عام 1995* ) يشتمل على بعض نشاطات اليهود البغداديين في الهند ثقافياً واجتماعياً وسياسياً، وعلى مدى قوة التقليد البغدادي لدى اليهود العراقيين وتمسكهم به في الهند وعلاقاتهم مع الجماعات اليهودية الأخرى، لغاية ابتداء مرحلة جديدة في حياة البغداديين المتمثلة ببدء الهجرة الثانية من الهند الى الدول الأوربية والأميريكية و الى اسرائيل.

5 ـ الحياة الاجتماعية :

إن الطبقة الثرية والتجارية التي كانت مهيمنة على الجماعة اليهودية في بومباي وكلكوتا، تألفت من أقل من أربعين عائلة، من اجمالي أعضاء الجماعة الذي قارب 5000 شخصاً. أما الباقي من أبناء الجماعة فكانوا يمتهنون أعمالا مختلفة، فمنهم حرفيين، مجلدي الكتب، وعمال في المصانع، وبعضهم كان يعتمد على مساعدات الجماعة المالية. في الوقت الذي اشتهر فيه البغداديون اليهود بالتجارة والصناعة وأعمال المال.

أما الأعمال والنشاطات الفكرية وكتابات اليهود فقد ازدهرت، ويعود ازدهارها الى جهود المطابع العبرية التي تأسست لانماء الوعي والثقافة لدى الجماعة وتحفيز كتابها على النشر. حيث تم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر طباعة العديد من الكتب الدينية، التاريخية، الأدبية، وكذلك بعض الكتب ضد محاولات التبشير المسيحي، ومن بين البارزين السيد كوهين حفيد موسى دويك، الذي أصبح القائد الروحي للجماعة اليهودية في كلكوتا.

منذ عام 1879 لغاية عام 1889 قام باصدار صحيفة عبرية عربية باسم (بيراح ـ الزهرة) اضافة الى صحيفة دورية باسم ( ميباسر ـ النذير) من عام 1873 لغاية 1877، و(شوشنة ـ السوسنة) عام 1901 وصحيفة الراوي 1889 لغاية 1900، التي اصبحت مراجع مؤرخة للجماعة اليهودية.

في بومباي صدرت دورية باسم ( الذخيرة الطيبة للشعب ) من عام 1856 لغاية 1886 اضافة الى أعمال أخرى صدرت بالعبرية العربية. وصدرت صحف أخرى بالانكليزية مثل (زيون ميسنجر ـ رسول صهيون) التي صدرت في عشرينات القرن العشرين واستمرت لغاية الأربعينات، كما صدرت صحيفة (المنبر اليهودي)، وصحيفة (المحامي اليهودي) من عشرينات الى أربعينات القرن العشرين. ومع أن اليهود البغداديين بقوا بعيداً عن الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، لكن البعض من الطبقة الوسطى من اليهود البغداديين انضموا الى رابطة بومباي الصهيونية وأصدروا كتاباتهم فيها .

6 ـ الارتباط الوثيق لليهود البغداديين بتقاليدهم العراقية :

كما هو حال يهود بني اسرائيل في كوشين (التي ورد خطأ في تسميتها بكوحين في مقالنا السابق المنشور بعنوان : من تاريخ اليهود (ومنهم البغداديون ) في الهند) فان اليهود البغداديين لم يقوموا برسامة (الترقية الى مرتبة رابي) رابيين من ضمن جماعتهم البغدادية في الهند، فبقوا على تعليمهم وتقليدهم اليهودي الذي تربوا عليه في بغداد، وحين كانوا في حاجة ملحّة في بعض التساؤلات وطلب الاستشارات فكانوا على ارتباط مع جماعتهم اليهودية في بغداد، حيث كانوا يتصلون بحاخامات بغداد لاجابتهم حول المسائل الدينية والفرائض والمسائل الطقسية والشريعة موضع تساؤلهم. وبعد الحرب العالمية الأولى بدأوا بارسال تساؤلاتهم الى الرابي الرئيس عن اليهود السفرديم في انكلترا.

كما حافظ البغداديون اليهود الذين استقروا في بومباي أو في كلكوتا على الحسّ الجماعي، كما أنهم حملوا معهم كل تقاليدهم من بغداد وحافظوا عليها. طقوس وعادات الحفاظ على المولود الجديد، التقليد اليهودي الخاص بطريقة اجراء الطهور للأطفال، الخطوبة وأصولها وضرورتها قبل الزواج ، بعض عادات الزواج ودفن الموتى والعزاء، اضافة الى كل عاداتهم الأخرى التي حافظت على بغداديتها (أو عراقيتها) كالأغاني والأناشيد والرقصات في الحفلات المختلفة والأعياد. كما أنهم حافظوا على أزيائهم وثيابهم بحسب التقليد العراقي، وطعامهم ومأكلهم بقي بذات نوعيته العراقية وطريقة اعداده التقليدية، أي حافظوا على مطبخهم العراقي وهم في شتاتهم.

كما أنهم لم يتخلوا عن دورهم الذي كان لهم في العراق في المجال الفني والغنائي، ففي الهند ساهموا في الانتاج السينمائي في بداية ظهور الانتاج السينمائي فيها، وبرز العديد من الممثلين البغداديين في السينما الهندية ولم تترك النساء المجال الفني للرجال فقط، بل ظهرت العديد من الرواد من الممثلات البغداديات اليهوديات في الهند، في الأفلام الأنكلو ـ هندية والهندية. وينطبق الحال على المجالات الفنية الأخرى من فنون الموسيقى والغناء والرقص.

7 ـ الحياة العامة والسياسية لليهود البغداديين:

إن اليهود البغداديين بصورة عامة لم تكن لديهم ميولا للأمور السياسية في الهند. لكنهم كانوا نشيطين في الشؤون العامة. فكان للجماعة أعضاء في مجلس القضاء. كما كانت تتم دعوة الشخصيات من علية الجماعة الى الاحتفالات والمناسبات الحكومية، وكانوا يساهمون في تنظيم العديد من الاحتفالات العامة . كان بعضهم مثل البرت (عبدالله) ابن الثري ديفيد ساسون عضوا في المجلس التشريعي. وفي القرن العشرين حصل اثنين من اليهود البغداديين على منصب محافظ لبومباي وهما: السير ساسون.جي. ديفيد، و مائير نسيم. كما أصبح السير فكتور ساسون عضوا في المجلس التشريعي الهندي للصناعيين والمطاحن، وعمل على حماية صناعة النسيج الهندية من بعض معوقات الصناعة البريطانية.

كان لسياسة الفصل العنصري التي شجعت عليها بريطانيا في الهند في الفصل بين البريطانيين ( والمتأثرين بالثقافة وأسلوب الحياة الانكليزيين) وبين الهنود وعززها كثيراً النمط الاستعماري المتبع، تأثيراً كبيراً على مواقف اليهود البغداديين من السكان الأصليين الهنود. فكان البغداديون ميالون للانخراط والتماهي مع المجتمع الانكليزي في الهند، من أجل أن يتم اعتبارهم اوربيين سياسياً واجتماعياً. فالى جانب محافظتهم على تقاليدهم الدينية تمكنوا من تبني طريقة واسلوب العيش الانكليزيين. فأثرياء البغداديين لبسوا الثياب الأوربية وتغربنوا ثقافيا ـ بالثقافة الغربية. بينما فقراء اليهود البغداديين نساءاً ورجالا استمروا في ارتداء ثيابهم التقليدية العربية وتعلموا اللغة الهندية ليتواصلوا مع الهنود في حياتهم اليومية العادية، ومع هذا فأن أغلب البغداديين لم يتقنوا جيداً البنغالي والمراثي اللغتين المحليتين. وقام الكثير منهم بالتحول الى الانكليزية كعلامة تميز ثقافتهم التي فضلوها، وقام الكثير منهم بالانضمام الى النوادي والمراكز البريطانية التي لا تسمح بدخول الهنود اليها، كما أن المؤسسات التجارية للبغداديين تم ارتباطها بغرفة التجارة البريطانية.

8 ـ علاقة اليهود البغداديين مع جماعة بني اسرائيل :

انعكست اختيارات اليهود البغداديين (في اختيارهم للثقافة واسلوب الحياة الانكليزية، وتفضيل اعتبارهم محسوبين على الانكليز أكثر مما على الهنود)، على علاقاتهم مع الجماعات اليهودية الهندية الأخرى. ومع أن البغداديين قبلوا بيهود كوشين في جماعتهم . في البدء كانت العلاقات ايجابية بين البغداديين وبين بني اسرائيل في بومباي حيث يتركز بني اسرائيل عددياً ، لكن تدريجياً تم انسحابهم. وتولدت لدى البغداديين الشكوك حول يهودية بني اسرائيل ودرجة محافظتهم على الممارسات التقليدية اليهودية، وفي ذات الوقت كانوا قلقين (ومهتمين) بشأن حماية موقعهم ومكانتهم في المجتمع الأوربي في الهند. فمسائل مثل النقاء والطبقية واللون ، التي كانت مهمة في البيئة الهندية وكان يتم التشديد عليها في المحيط الاستعماري (الكولونيالي) البريطاني، أصبحت سببا في خلق التوتر بين اليهود البغداديين وجماعة بني اسرائيل. كانت سابقاً تحدث بعض الزواجات المختلطة بينهما، لكن بتغير موقف البغداديين، قاموا بعدم احتساب بني اسرائيل كـ (منيم) : النصاب القانوي لأداء الصلاة الذي كان يستلزم 10 مؤمنين غالباً. وعدم دعوتهم لقراءة التوراة في الكنيست ـ السيناغوغ. لكن لم تدم هذه التوترات كثيراً، حيث تحسنت العلاقات بين كلا الجماعتين منذ أواسط القرن العشرين.

9 ـ تشتت جماعة اليهود البغداديين ثانية :

ان حصول الهند على استقلالها، لم يكن مرحبا به كثيراً من قبل اليهود البغداديين الذين كانوا يتطلعون كثيراً للتطبع بالأوربيين في الهند، والى حد كبير كانوا يرفضون التماهي مع الهنود، ولم يتحملوا القومية الهندية. فكانت لديهم الشكوك منذ استقلال الهند بامكانية تمتعهم بالراحة في الهند الجديدة. كما حدثت عدة أحداث كانت سببا في هجرة البغداديين من الهند خلال عدة عقود ومنها:

بعد عام 1947 م تم سنّ أنظمة اقتصادية من قبل الحكومة الهندية، قيدت بموجبها الاستيرادات، وسيطرت على النقد الأجنبي، مما أعاق بشكل جدّي أعمال العديد من الأثرياء البغداديين.

كما أن التغييرات السياسية في الشرق الأوسط في أواخر الخمسينات وبداية الستينات سببت في غلق الأسواق العراقية والمصرية بوجه التجار البغداديين.

يضاف الى ذلك قيام عائلة ساسون بغلق مصانعها في أواسط الاربعينات، التي حرمت العديد من عمال بومباي من العمل. كذلك قيام ألياس بغلق مطاحنه في كلكوتا في عام 1973.

كل هذا أدى الى خروج العائلات الثرية بأموالها الى بلدان أخرى: انكلترا، كندا، الولايات المتحدة واستراليا. وباقي العائلات البغدادية التي كان لديها أقارب يؤمّنون لهم فرص العمل تم خروجهم ومغادرتهم للهند، والقليل منهم توجه الى دولة اسرائيل. ومن مجموع 5000 بغدادي لم يتبقى غير 200 لغاية منتصف التسعينات، وهؤلاء بقوا إما لكونهم طاعنين في السن، أو لأن لديهم أعمالا تجارية محلية في الهند.

اليهود البغداديون الذين هاجروا من الهند، الى اسرائيل لم يخلقوا لهم جماعة مستقلة منعزلة كيهودٍ هنود، بل اندمجوا مع الجماعة اليهودية العراقية كبيرة العدد التي هاجرت الى اسرائيل مباشرة من العراق.

*المقال بأغلب معلوماته مترجم بتصرف من كتاب : قصة ثلاث جماعات : اليهود في الهند، الكاتب: اوربا سلاباق، 1995