الرئيسية » مقالات » رَبيع خير أم خريف بؤس عَربي ؟

رَبيع خير أم خريف بؤس عَربي ؟

لا أحَد يَعلم مَن هو تَحديداُ أول مَن أطلق مُصطلح الرَبيع العربي على التَحَرّكات الشَعبية والتظاهُرات المُفاجئة التي إجتاحَت الدول العَربية في السَنين الماضِية، والتي أحدَثت في بَعضِها تغيّرات خَطيرة وخلفَت في بَعضِها الآخر آثاراً مُدَمِرة سَيَحتاج إصلاحَها رُبّما الى عُقود. هُنالك مَن يَقول بأن أول مَن أطلق هذا المُصطلح هو الفرنسي نيفي المَعروفة خلفيّته السياسية والفكرية، والذي شوهِد في أغلب بُؤر الفِتنة التي ضَرَبَت هذه الدول. وهُنالك مَن يَقول أن المُصطلح هَيّأت له مُؤسّسات غَربية كانت تُخَطّط مُنذ زَمَن لإثارة هذه القلاقِل، وقد نظمَت بَعضها دَورات لمَجاميع مِن الشَباب العَربي لتدريبهم على تَهييج الشارع وإشاعة الفوضى، بحُجّة نَشر مَفاهيم الديمقراطية وحُقوق الإنسان في العالم العربي.

سَواء كان مَن أطلق هذا المُصطلح فرداً أو مُؤسّسة هو لم يُطلِقه مِن فراغ، فمُطلِقه كان يَسعى بكل تأكيد لدَغدَغة مَشاعِر عَوام الشارع العَربي والتلاعُب بوَعيهم الجَمعي، وإعطاء الرَأي العام إنطِباعاً مَغلوطاً بأن هذه الثورات البائِسة سَتأتي للعالم العربي بالخير والسَلام والحُرية والديمقراطية، كما يَأتي الرَبيع بالسَماء الصافية والشَمس المُشرقة والورود والفراشات. مِن ناحية أخرى كان مُطلقه يَسعى بخُبث للرَبط بَينه وبَين رَبيع براغ الذي يختلف بظروفه وأحداثه عَمّا يَحدُث اليوم في العالم العربي، فرَبيع براغ لم تكن خلفه أو تُحَرّكه قوى ظلاميّة مُتخلفة كنَهضة تونس وأخوان مصر وجَبهة نُصرة سوريا!

إذا كان المَقصود بهذا المُصطلح سُقوط وتهاوي جَميع الأنظِمة الدكتاتورية في المَنطقة، فلابُد إذا أن يَكون أول رَبيع عَربي هو الذي حَدَث في العراق عام 2003 بسُقوط أعتى وأسوَء هذه الأنظِمة قاطِبة، فإبن علي ومبارك والقذافي كانوا حَمامات سَلام مُقارنة بصَدام، وأنظِمَتهم كانت قِمّة في الديمقراطية مُقارنة بنظامِه. ويَبدوا أن الآمر فِعلاُ كذلك، فخطة بناء الشَرق الأوسط الجَديد وإعادة رَسم خريطته بَدأت أولى بَواكيرها بإحتلال العراق، لكن يَبدوا أن أمريكا وحُلفائها وجَدوا أن العَملية سَتكون مُكلفة بهذه الطريقة، كما أكتشفوا أن الشٌعوب العَربية وفي مُقدمَتها الشَعب العراقي لا تريد ديمُقراطية حَقيقية بل تريد تسَليط قوى الإسلام السياسي على رقابها ومُقدّراتِها، لذا عَمدوا لإستِخدام خُطة(بأسَهُم بينَهُم)، أي نَخر الأنظِمة مِن الداخِل عِبر تهييج الشارع الذي تتحَكم به قوى الإسلام السياسي عَليها، حَتى إذا عَمّت الفوضى وخَفّت مَوازين الأنظِمة إنقلبوا عليها بحُجّة الوقوف مَع الشُعوب وتطلعاتها. لقد إنتدَبَت أمريكا رَبيبَتها دويلة قطر التي لا تُرى على الخريطة لتنفيذ هذه المُهمّة ودَعمَها وتمويلها مِن قلب الحَدَث، إعلامياً عَن طَريق جزيرَتها المَسمومة أو لوجستياً عِبر تقديم المال والسِلاح لمليشيات الإسلام السياسي والقاعِدة التي تُحارب الأنظِمة القائِمة، وسَبَق لقطر أن لعِبَت نفس الدور مع العراق لكن بأسلوب مُختلف، فقد كانت قاعدتها العديد مَركز عَمَليات قوات الإحتلال والقاعِدة الرئيسية التي إنطلقت منها جيوشه وطائِراته بإتجاه العراق.

لكن عَودة الى العراق ونظامه السابق الذي كان دون شَك بوليسياً وقمعيّاً دَعونا نتسائل.. هل إن ماحَدَث في العراق بسُقوط ذلك النِظام كان رَبيعاً؟ ألسنا نظلم الرَبيع ونتجنّى عَليه إذا أطلقناه على ماحَدَث في العراق؟ أي رَبيع هذا الذي أشرَقت أيامُه الأولى عَن جَريمة بشِعة كجَريمة مَقتل السَيّد مَجيد الخوئي؟ وأي رَبيع هذا الذي أزهَر لنا عَن ميليشيات مَوت لا تُعَد ولا تُحصى ومِن كل شَكل ولون كفرق المَوت والجَيش الإسلامي وجَيش المَهدي وفيلق بَدر والقاعِدة في كل زاوية مِن أرض العراق؟ وأي رَبيع هذا الذي باتت شَمس حِزب الدَعوة بفضله محرقة للعراق؟ وأي رَبيع هذا الذي باتَ العراقي يُصَنّف بسَبَبه حَسب قومِيّته وطائِفته ودينه فيَقول المَرء(عَربي، كردي، شيعي، سُني، مُسلم أو مَسيحي) قبل أن يَقول أنا عراقي هذا إن تذكر وقالها؟ وأي رَبيع هذا الذي لم يأتي للعراقيين حَتى اليوم بالأمن والخدَمات؟ وأي رَبيع هذا الذي جاء بأصحاب المَحابس والعَمائِم والمُنقبّات والمُعَبّبات وبالدَعوَجيّة كالمالكي ومِن قبله الجَعفري لحُكم العراق؟ أي رَبيع هذا الذي جاء بالغَنوشي والنَهضَجية لحُكم تونس الخَضراء، وبمُرسي والأخوَنجية لحُكم مَصر أم الدنيا وسَيَأتي بـ(X) والنُصرَجية لحُكم بلاد الشام بلاد السِحر والجَمال؟

أي رَبيع في أن يَحكم أمثال هؤلاء الدول العَربية، رَغم أن عامّة شُعوبها والحَق يُقال لا يَليق بها سِواهُم ولا تستَحِق مَن هو أفضَل مِنهُم، فوجودَهم في السُلطة سَيزيد بؤس هذه الشُعوب بُؤساً وتَخلفها تَخلفاً، في الوقت الذي تُسابق فيه باقي شُعوب العالم الزَمن للحاق برَكب الحَضارة والتطوّر. إنه في أحسَن الأحوال خَريف، مَع الإعتِذار طَبعاً للخَريف الحقيقي لأنه أجمَل وأصدَق وأرفَع مِن رؤى أحزاب الإسلام السياسي ووجوه ساسَتها العابسة المُتجَهّمة، خَريف بُؤس ومَهانة سَيَطول الى ما شاء الله مِن السِنين ورُبّما العُقود، سَيَتبَعه بكل تأكيد شِتاء قارص نتمَنى أن يَكون مُمطِراً ليُعيد الحياة لهذه الدُول التي باتت بوراً، وبَعده رُبّما سَيَأتي الرَبيع الذي قد لا تَعيش أجيالنا الحالية والقادمة لتراه وتَعيشه، هذا إن قُدّر له أن يَأتي.

نَحن بَعيدون جداً جداً عَن الرَبيع وأجوائه التي تأتي فقط بما هو جَميل وزاه مِن الوجوه والمَناظِر والآفكار، وهو بالعَكس تماماً مِمّا رَأيناه ونراه اليوم في ما يُسَمّى بالربيع العَربي مِن وُجوه كالِحة ولحايا كثة لإمّعات الإسلام السياسي. إن الرَبيع بكل الأحوال لا يَأتي عَن طريق الهَيَجان والفلتان والثوَران والفوضى، بَل عَن طَريق العَقل والمنطِق والتطور السِلمي للمُجتمَع ونظامه السياسي، وهو أمر لا تزال الشُعوب العَربية ونُخبَها غَير مُهَيّئة له وبَعيدة عَنه.

مصطفى القرة داغي