الرئيسية » مقالات » اليهود البغداديين في الهند ـ 1

اليهود البغداديين في الهند ـ 1

سنة 1760 ميلادية كانت البداية لميناء البصرة لأن يصبح مركزاً تجارياً لشركة الهند الشرقية البريطانية. ومن هذا الميناء ابتدأت نشاطات التجارة للعديد من تجار العراق من اليهود، حيث لعبوا دوراً مهماً في التجارة البريطانية في المنطقة التي امتدت تدريجياً نحو الهند. ورافقها هجرة لعدد من اليهود العراقيين الى الهند. استقروا في الساحل الغربي للهند في ميناء سورات. وفي أواخر القرن الثامن عشر، هاجر مائة يهودي من مدن مختلفة من الولايات العثمانية : حلب وبغداد والبصرة، الذين شكلوا نواةً لمستوطنة في (سورات) للتجار اليهود الناطقين بالعبرية والعربية. علما بأنه كان تواجد لبعض اليهود البغداديين في بومباي سبق التاريخ أعلاه.

1ـ لماذا أُطلق على جماعة يهودية في الهند (بغدادي) :

ان عبارة (بغدادي) أو (عراقي) كما تم استخدامها في الهند تشير الى اليهود القادمين من بلاد النهرين (بغداد والبصرة بشكل خاص) البلاد التي كانت لعقود طويلة بلاداً للتعليم والثقافة اليهودية. وبغدادي تعني البغداديين. لكن اشتملت التسمية اياها كذلك على اليهود الوافدين الى الهند من سوريا ومن مناطق أخرى من الامبراطورية العثمانية، مثل عدن واليمن، الناطقين بالعربية ، اضافة الى اليهود الوافدين من بلاد فارس ومن افغانستان غير الناطقين بالعربية.

ان اليهود البغدادي (أو البغداديين) يشيرون الى أنفسهم على أنهم من السفرديم كاشارة الى طقوسهم وليتورجيتهم الدينية أكثر مما كان اشارة الى الأصول الجغرافية التي أتوا منها.

2 ـ انتقال اليهود البغداديين من سورات الى بومباي وكلكوتا:

وحين تطورت ونمت الأعمال البريطانية في كلكوتا وبومباي، قلت أهمية ميناء سورات، فانتقل اليهود الذين كانوا مستوطنين في سورات الى المراكز التجارية الجديدة متسارعة النمو: بومباي وكلكوتا. وبتشجيع من قبل البريطانيين قامت العوائل اليهودية العراقية الثرية والمرموقة ـ مثل عائلة ساسون، عزرا، اليعازر، كاباي، خدوري، مصليح، ابراهام ـ بالانتقال الى هذين المركزين الجديدن مما ساعد في ازدهار أعمالها التجارية، وأصبحوا وكلاء أو وسطاء في تجارة القطن والجوت والتبوغ. وحقق بعض التجار البغداديين نجاحا كبيراً في تجارة الأفيون.

3 ـ البغداديون في بومباي :

يعود تاريخ جماعة community اليهود البغداديين في بومباي الى عام 1730، وبعد قرن من هذا التاريخ، كان يتواجد أربعين عائلة من اليهود الناطقين بالعربية بين مجمل أعداد اليهود في بومباي البالغ 2246. وكانت تجتمع الجماعة لتأدية فروضها وصلواتها اليهودية في بيت تم تأجيره من الفرس ( الزرادشت الهنود من أصول فارسية).

وفي عام 1833م ، وصل الى بومباي داؤد ساسون (1792 ـ 1864 م) التاجر الثري ورجل الأعمال البغدادي ذائع الصيت إن كان في بغداد او في الهند والعالم وكان لعائلته نفوذ لدى السلطات في بغداد، وشهير بامبراطوريته المعروفة بامبراطورية ساسون الاقتصادية والمالية التي كان لها مراكز في بومباي، كلكوتا، رانغون، هونغ كونغ، شانغال، سنغافورا وفي أنحاء أخرى، واشتهر ساسون بقيامه بأعمال خيرية كثيرة، مما جعل الكثيرين في عالم المال بتلقيبه وامبراطوريته المالية بـ (روتشيلد الشرق).

في عام 1861، قام ساسون، وهو اليهودي المحافظ، بتعمير سيناغوغ (كنيست ماكان داؤد מגן דוד)، (أي نجمة داؤد)، في بومباي. وتم الحاق مبانٍ أخرى مع السيناغوغ اشتملت على فندق للمسافرين، حمامات التطهير الطقسية، ومدرسة دينية لتعليم التوراة.

انتشرت الأخبار حول أعمال ساسون ،وعنه، بعيداً وطارت بين جميع يهود الامبراطورية العثمانية، مبشرة بأن الأعمال قد توفرت في بومباي بجهود الثري اليهودي ساسون وشركائه، دلالة ليس فقط على توفر فرص العمل بل على المجتمع الهندي المتسامح والآمن لليهود على عكس اضطهاد الدولة العثمانية في ذلك الوقت.

أما في بون Pune التي كانت مصيفاً لراحة واستجمام أثرياء بومباي من اليهود، فقام ساسون بتعمير سيناغوغا فيها باسم (اوهيل داؤد أي خيمة داؤد بالعربية)، وكذلك مدرسة ومستشفى وفندق للفقراء.

كما ساهم ساسون كثيراً في تطوير مدينة بومباي، فموّل العديد من المشاريع في مجال الصحة والتعليم والمعاهد الاجتماعية التي كانت مفتوحة للجميع. وحينما توفي ساسون في عام 1864م كتبت جريدة التايمز الهندية : فقدت بومباي واحداً من أكثر النشطاء والأثرياء، مواطناً من فاعلي الخير للشعب..

ومن بعد وفاته، أصبح أولاده عبدالله (البرت) وألياس داؤد وحفيده يعقوب ، القوة الرئيسية في تطوير صناعة النسيج في بومباي. وبمساعدتهم وجهودهم نمت المدينة ، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لتصبح مركزا صناعيا مهما جداً.

واستمر أبناء ساسون بأعمال أبيهم داؤد ساسون الخيرية لليهود ولشعب المدينة والبلاد بشكل عام. أنشأوا سيناغوغ (كنيست الياهو) في بومباي. وثم انتقل العديد من ابنائه واحفاده الى لندن ومن ضمنهم زوجته فلورا ساسون، حيث أصبحوا من شخصيات المجتمع الانكليزي الراقي، واشتهروا بأعمالهم الخيرية وببناء المدارس.

في بومباي قامت البلدية بانشاء نافورة تكريما لفلورا ساسون حيث تم اطلاق اسمها عليها.

من الواضح أن تاريخ البغداديين اليهود في الاقتصاد والمجتمع والثقافة والتعليم والديانة كان يدور حول عائلة ساسون بدرجة رئيسية.

4 ـ البغداديون في كلكوتا :

كلكوتا التي هي العاصمة البريطانية الهندية لغاية عام 1911، أصبحت المركز الأكبر الثاني لليهود البغداديين الذين استوطنوا فيها. وبالرغم من أن أغلب المستوطنين في كلكوتا هم من اليهود العراقيين، الذين وصلوا اليها في القرن التاسع عشر بسبب المعاناة والاضطهاد التي عانوها على يد الوالي العثماني داؤد باشا (1817 ـ 1831 م) ، قدم الى كلكوتا عدد من اليهود الحلبيين، من ضمنهم شالوم عوبديا ها كوهين (لقب لعائلة يهودية بمعنى الكاهن) الذي وصل كلكوتا في عام 1797 م والذي ازدهرت أعماله التجارية فيها، ويعتبر حفيده موسى دويك هاكوهين مؤسس الجماعة اليهودية في كلكوتا، فخدم فيها كرئيس أول للجالية ورابي الجماعة (شرفياً) و موحيل (المطهرجي الذي يقوم بطقس الطهور للمولودين اليهود الذكور). هؤلاء الرجلان، مع اليعازار هارون آراكية قاموا باصدار الصحف التي لها أهمية باعتبارها تؤرخ لجماعة كلكوتا اليهودية.

عوائل يهودية أخرى من العوائل المشهورة بالتجارة والثروة، مثل عائلة مصليح، يهودا، عزرا والياس، التي اشتهرت بتجارة الجوت والملابس والقطن والحرير والافيون.

في أواخر القرن التاسع عشر، وصل عدد أبناء الجماعة الى 1800، وبعض من أعضاء الجماعة تحول الى سوق البورصة، وأصبحوا من ملاكي الأراضي في المناطق الحضرية.

ان عائلة عزرا كانت العائلة اليهودية الأكثر أهمية في كلكوتا، وأغلب تاريخ جماعة اليهود البغداديين في كلكوتا كان يدور حول قبول أو رفض هيمنة هذه العائلة.

في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، قام ديفيد جوزيف عزرا ـ الذي يعتبر من أكبر ملاّك العقارات كلكوتا ـ بصرف الأموال الطائلة على مؤسسات الطائفة.

أما عائلة ساسون التي أسست فروعا لشركاتها وأعمالها في كلكوتا ، فقام ابناؤها بمصاهرة عائلة عزرا بالزواجات بين أبناء العائلتين، فاقتربت العائلتان من بعضهما.

في عشرينات القرن العشرين، احتلت الامبراطورية الصناعية لعائلة ألياس المكان والمصاف الأول ووفرت فرص العمل ليهود كلكوتا، تماماً مثلما قامت به عائلة ساسون في بومباي.

قامت عائلتي الياس وعزرا بالأعمال والمشاريع الخيرية تماما كنظيرتهم عائلة ساسون في بومباي.

في البداية سكن أغلب البغداديين في كلكوتا في الجزء الشمالي والغربي من المركز التجاري، وبنوا لهم ثلاثة سيناغوغات قريبة الواحدة من الأخرى، تم بناء أول كنيست بغدادي باسم (نبي السلام) الذي انتهى بناؤه عام 1831، وبعد فترة وبسبب ازدياد عدد اليهود البغداديين فلم يعد يتسع الكنيست لهم، فتم بناء كنيست (بيت ايل ) في عام 1856. وأخيرا الكنيست الثالث في عام 1884 تم بناؤه باسم (نجمة داؤد)، وهو أكبر كنيست في الشرق. لغاية عام 1880 كانت كل نشاطات الجماعة الدينية والاجتماعية تتم في الكنيست، وحتى تلك الأمور التي تتعلق بين الجماعة والحكومة الهندية.

وكما كان عليه الحال في بومباي بخصوص تعليم الأولاد في المدارس، فقام يهود كلكوتا المتمكنين مالياً بارسال أولادهم الى مدارس خاصة، بينما فقراء اليهود فأرسلوا أولادهم الى المدارس التبشيرية المسيحية المجانية التي افتتحت في مناطق يهود الشتات لتبشيرهم بالمسيحية. ولهذا السبب زللحفاظ على نقل التقليد اليهودي للأولاد تم افتتاح مدرسة، في عام ثمانينات القرن التاسع عشر، يتم فيها تعليم أبناء وبنات العوائل اليهودية المعوزة ، التي اضطر المبشرين المسيحيين من بعدها لأن يغلقوا مدرستهم التبشيرية.