الرئيسية » مقالات » رُؤى ثقافيّة (47) في ملتقى «العربي» الثاني عشر!

رُؤى ثقافيّة (47) في ملتقى «العربي» الثاني عشر!

ــ1ــ
عَصَفَ النثر بالشِّعر في ملتقى مجلَّة «العربي» الثاني عشر. فكان نصيب الشِّعر لا يعدو جلسة علميّة مختصرة، يتيمة، ضاق فِترها عن مسيرها، للمسارعة في تلبية دعوة إلى الغداء. ولم يحظ بسوى أمسية محدودة، لثلَّةٍ قليلةٍ من الشعراء. وهم فوق ذلك أصدقاء، ينتمون إلى مدرسة واحدة، وللون واحد، أقيمت على هامش الملتقى، وبعيدًا عن مكان انعقاده. لا شكّ أن عنوان الملتقى جاء فضفاضًا جدًّا، لا يحتويه الوقت بحال من الأحوال، ولا مراء في أن النثر مأنوس عادة، والشِّعر نَزِق مشاغب دائمًا. «انظلم» الشِّعر، يا معشر العرب؟ تلك دعوى اقترفتها إبَّان جلسة الشِّعر «المكبسلة». مع أن الشِّعر كان أوَّل الأصوات في نهضة الجزيرة والخليج خلال النصف قرن الماضية، وأجهرها، وهو إلى ذلك لسان العرب الأهم، في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، لا الرواية، مهما تملّقنا الرواية، وحاكينا السائد العام. ومازلنا على أملٍ مع الشِّعر في ملتقى خاصّ من «العربي»، يحفظ للشِّعر مكانته الصميمة في حياة الأُمَّة الثقافيّة، واقعيًّا واستراتيجيًّا. و«العربي» قد عوَّدت الحفيِّين بها، وبمشاريعها، على تقبّل ما يتطلَّعون إليه من الأجمل والأمثل والأكمل.
ــ 2 ــ
فيما عدا اتساع ثوب الملتقى، وضآلة قوام الشِّعر فيه، جاء التنظيم عاليًا حقًّا، وأوراق البحوث ثريّة، إلى حدٍّ كبير. بيد أن المهتمّ بالنقد الأدبي كان يقع في حيرة إزاء بعض الأوراق: أهي نقد اجتماعي؟ أم ثقافي؟ أم فكري؟ أم سياسي؟ أم أدبي؟ أم خلطة من ذاك كلّه؟ ذلك أن بعض القضايا التي تُسوَّق تحت عباءة الأدب، كالقِيَم الاجتماعيَّة، وهموم الهويَّة، وعلاقة الأنوثة بالذكورة، لا وزن لها في ميزان الأدب، ما لم تأت في نصوص أدبيَّة، بما يعنيه هذا المصطلح من معنى. وأزعم أن تلك الأبعاد المضامينيَّة، الأيديولوجيَّة، قد باتت تطغى على معاييرنا المنهاجيَّة النقديَّة اليوم. وتغلب على معايير الجوائز الأدبيَّة كذلك. فإذا ما يسمَّى (النقد الأدبي) يأتي بدوره ليدور في هذا الفلك، الأيديولوجي السياسي والإعلامي، أشواطًا تُفقده وظيفته. فما عادت الرواية رواية، ولا القصيدة قصيدة، بل هما حمَّالتا الحطب لأبي لهبِ الصراعِ بين التيّارات في الساحة الجدليَّة العامَّة.
ــ 3 ــ
مِن أمتع الجلسات التي شهدتُها في الملتقى تلك الجلسة الحواريَّة التي ضمَّت الروائي الشاب سعود السنعوسي بالروائي الكويتي الرائد إسماعيل فهد إسماعيل، الفاتن بعمقه، وثراء معناه. في تجربة الروائي إسماعيل وجدناه كأنما يؤكّد مقولةَ (إيمّانويل كَنْت)، في كتابه «نقد العقل المحض»، الذاهبة إلى أن كلّ معرفتنا تبدأ بالتجربة «الأمبيريَّة»، التي مصدرها بَعديٌّ، لا قَبْليٌّ. فالرجل كما حدَّثنا ربما زار سريلانكا أو الفلبين فقط لكي يتذوَّق المكان ويستنشق رائحته، قبل أن يكتب عنه مشهدًا روائيًّا. في حين أن روائيًّا آخر كنجيب محفوظ لم يكن يغادر القاهرة تقريبًا، ومع هذا يكتب عدَّة أعمال روائيَّة، من حيث هو. والحق أن محفوظًا كان أيضًا لا يكتب إلَّا عمَّا يعرف، في القاهرة، وما حولها، حتى في نصوصه البعيدة عن هذه البيئة. فهو في «أولاد حارتنا»، على سبيل المثال، يكتب عن الرحلة الإنسانيَّة منذ آدم، ولكن من خلال الواقع الذي خَبِرهَ في القاهرة. يفعل هذا لا على سبيل توظيف الأقنعة، بالضرورة، ولكن لأن تلك هي خبرته الحقيقيَّة والضروريَّة للكتابة. ومِن هنا فلعلَّ هذا السؤال الذي شَهَرْتُه اعتراضًا على الروائي إسماعيل، إزاء تجشّمه السفر كي يكتب رواية- زاعمًا [أنا] أن تلك مهمَّة المؤرِّخ أو الجغرافي، لا الكاتب الروائي، وأن التجربة يمكن أن تكون متخيَّلة لا واقعيَّة- لعلّ ذاك السؤال، بعد التأمل، يجيب بنفسه عن نفسه، وبشاهد تجربة محفوظ المشار إليها، التي كانت تضطرُّه إلى جعل العالم كلّه «قاهريًّا» ليكتب عنه. وهو، إذن، ما يتكشَّف عن وجاهة رأي روائيِّنا إسماعيل، وصدق رؤيته، وجدِّيَّة تجربته.
ولم تكن الجلسة التالية، التي أدارتها الكاتبة ليلى العثمان، وضمَّت فوزية شويش السالم، ويوسف المحيميد، وسعود السنعوسي، ومحمود الرحبي، وهدى الجهوري، بأقلّ إمتاعًا وطرافة. وجاءت شهادتا العُمانيَّة الجهوري والكويتي السنعوسي لافتتين على نحوٍ خاصّ. تحكيان عن تولُّد النبتة الأدبيَّة، وما قد يعتورها من قحطٍ أو مطر. لقد كان الشابّان يعشقان ابتكار الكذب، الفنِّي لا الأخلاقي، وأعذب الأدب أكذبه. وهكذا تخلَّقت تجربتاهما القصصيَّة المبكِّرة، على اختلاف التفاصيل بينهما.
ــ 4 ــ
أمَّا في المسرح، فقد عُقِدَت جلسة «المسرح الخليجي المعاصر وتطوره». أدارها المخرج أحمد عبدالحليم، الذي سعدتُ بمعرفته، وبـ«قفشاته» اللطيفة. قال لي ذات اشتباك، بتواضع الكبير: «أنا معجب بكلام حضرتك، مع أن «ما ليش فيه»؛ أنا مخرج مسرحي.» قلت: «أ وليس المسرح أبا الفنون؟!» على أن لأبي الفنون هذا حكاية لاحقة، جَرَت أحداثها خلال جلسة المسرح المشار إليها. كان على المنصَّة الدكتور علي العنزي، والدكتورة وطفاء حمادي. وكانت الجلسة تناقش، جوهريًّا، ما آل إليه أبو الفنون من استبداد عياله بآرائهم دونه، حتى إنهم ليريدون أن يَرِثُوه وهو حيّ! الشِّعر خرج من تحت عباءته، وتمرَّد على أُبوَّته نهائيًّا، منذ زمن بعيد، وألوان الدراما الأخرى كذلك فعلَت. ثم ظهر عليه «الصندوق السحري»، المسمَّى التِّلفاز، ثم حفيده «اليوتيوب»، ويخلق ما لا تعلمون! شاخ أبو الفنون، فصار جَدًّا. وللأسف، باتت زوجاته يستخففن بقِوامته عليهنّ، فيمشين على «حلّ شعورهن»! بل قد يُمارسن الهوى مع مَن هَبّ ودَبّ، فتنعقد زيجاتٌ غير شرعيَّة. وهكذا ضاعت الأنساب الأدبيّة، وأبو الفنون يضرب أخماسًا بأسداس! آه، يا لَعقوق الأولاد للآباء، والبعلات للبعول! أمَّا الثقافة العربيَّة المجيدة، فلم تعترف بأُبُوَّة هذا الأب، أصلًا، فأراحت واستراحت. ربما لأن الثقافة العربيَّة ثقافة قَبَلِيَّة الطبع والطابع، لا تؤمن بالتنوع والاختلاف ولا بلغة الحوار. لذلك لم يكن لأبي الفنون وجود بين العرب، قبل العصر الحديث. وحين بدأتْ تتعرَّف عليه ثقافتنا، كان قد بلغ من الكِبَر عتيًّا. عَرَّفها عليه المدعو مارون النقّاش (1817- 1855)، ثم خليل اليازجي (1856- 1889)، وأبو خليل القَبَّاني (1841- 1902)، وصولًا إلى أحمد شوقي (1868- 1932)، ومحمود غنيم (1901- 1972)، وعزيز أباظة (1898- 1973)، وغيرهم. حينئذٍ كان أبو الفنون أشقر الشَّعر، أزرق العينين، وفرنسيًّا غالبًا. كان مسرحًا مترجَمًا. ثم أعاده شوقي شِعريًّا غصبًا. ثم بات شعبيًّا، تسلويًّا، تجاريًّا. تلك هي سيرة مسرحنا، وأزمته النفسيَّة والاجتماعيَّة. أمَّا اليوم، فلعلّ من المكابرة إنكار أن عصر الصورة الحيَّة، والبدائل التواصليَّة السريعة، تزيد الطين بلَّة في طريق أبي الفنون. ما الذي يدفع إنسانًا (سَوِيًّا) الآن ليذهب إلى مسرح، ويشتري تذكرة، وينتظر عَرضًا، وبإمكانه أن يشاهد ما شاء، ومجَّانًا، عبر قناة فضائيَّة، أو حتى عبر قناة «يوتيوب»؟! إنَّ الواقع الثقافي، وطبيعة التلقِّي، قد اختلفا، في العالم كلِّه، عن ذي قبل. وما لم يأخذ أبو الفنون، حفظه الله ورعاه!، بتقنيات العصر، ويبتكر البدائل المواكبة والجاذبة للجماهير، فسيصبح في ذمَّة التاريخ، كصديقته الحيزبون، التي كانت تُدعى: الملحمة الشِّعريَّة، أو كمقامات الحريري وبديع الزمان الهمداني.. إلخ. ومن أَنذرَ، فقد أَعذر!
ــ 5 ــ
وجاءنا (السدحان) ليرفض «البَرْبَرَة»، كما قال! إذن لِمَ جئت، يا أبا عابد؟! أبو مساعد كان في الجلسة العاشرة، الأخيرة، وكان يُفترض أن يكون معه الفنان سعد الفرج، لكنه غاب. جاء فنّاننا فقط ليتحدَّى من يتفوَّه بانحدار «طاش ما طاش»؛ فيكفيه فخرًا حلقته عن المختلس بدعوى أنه متلبِّس بجنّي! هكذا قال صاحبنا، مع أن الجلسة كانت عن «الدراما الخليجيَّة» وتجاربها، لا عن الجنّ، ولا عن الإسقاطات ذات الدِّلالات الاجتماعيَّة. إنها عن الفنّ نفسه، بوصفه فنًّا، ذا تقنية، وآفاق تحوّليّة، لا عن مضامينه. لقد كان المتوقَّع أن يتحدّث الرجل، مثلًا، عن المسرح بجامعة الملك سعود، ودوره في النهضة المسرحيَّة. أن يقدِّم شهادة عن تجربته وزملائه: بكر الشدي، وناصر القصبي، وراشد الشمراني، وغيرهم. أن يناقش أسباب انقراض المسرح السعودي؟ أهو للسبب المشار إليه، من أن أبا الفنون صار طاعنًا في العجز، تعصِف به أمراض العصر والشيخوخة؟ أم أين المشكلة؟ لقد توهَّج المسرح في السعوديَّة في تلك السنوات الممحلات، التي كانت تمثِّل ذروة التوتر الاجتماعي والفكري، فيما الوضع الآن يبدو أكثر انفتاحًا ونُضجًا وموتاة لنهضة مسرحيَّة، والقضايا أكثر إلحاحًا على دَور المسرح. نجمُنا لا يجيب، وظلّ يدور على سوالف الجِنّ، والهيئة، والعنصر النسائي. نكشناه «ليُبربر»، ولو قليلًا، لكنه آثرَ الذَّهَب، وذَهَب!
وبذا غاب المسرح السعودي، ونقاشاته، وغابت الدراما عن ملتقى «العربي».. ولا عزاء لأبي الفنون.
وما الدنيا إلَّا «مرسح» كبير!_[الكاتب: أ.د/عبدالله بن أحمد الفيفي، عنوان الموضوع: «في ملتقى «العربي» الثاني عشر!»، المصدر: صحيفة «الراي» الكويتية، العدد 12321، الثلاثاء 26 مارس 2013، ص40]، على الروابط:
http://www.alraimedia.com/Alrai/Article.aspx?id=423481&date=26032013  
http://www.alraimedia.com/Resources/PdfPages/AlRAI/2835E39F-F386-45FF-8D03-44A6C3BDB013/P40.pdf  
http://khayma.com/faify/index417.htm l

‬‬‬‬‬‬p.alfaify@gmail.com  
http://www.facebook.com/p.alfaify  



تحذيرات هامة يجب مراعاتها لإعادة نشر هذه المادة:
1- يجب ذكر اسم المؤلف كاملاً، كما هو في الأصل.
2- يجب نقل الموضوع كما هو في الأصل.
3- عند اقتباس أو تضمين أيّ جزء من هذه المادة يجب الإشارة إلى اسم الكاتب.