الرئيسية » مقالات » ماذا بين الجـــواهري والشيوعيـين؟!

ماذا بين الجـــواهري والشيوعيـين؟!

نشرنا في العام الماضي، وفي مثل هذه الايام تحديدا، وقفات سريعة، حول بعض تراث الجواهري الثري، وعنه، قلنا فيها ان الحديث يطول ويعرض، ويتشعب، عن مواقف ذلكم الشاعر الخالد من الحركة الوطنية العراقية، والشيوعية اساساً، وعلاقاته مع قياداتها الرئيسة، خصوصاً، وعلاقات تلكم القيادات به، ولقرابة سبعة عقود، وأزيد، ومنذ أواسط ثلاثينات القرن الماضي، وحتى تسعيناته بشكل محدد .
وقد وعدنا بالسعي لاتمام بحث موسع بهذا الشأن، لأهميته البالغة على ما نظن، في تأرخة وتوثيق نضال عريق وحافل لأمة عراقية، كان قصيد الشاعر العظيم سفراً زاخراً لها، تناولته عشرات الفرائد، وبعشرات المناسبات، ولم تكن سجلاً لها وحسب، بل وشهادات عيان عليها، توثق للمزيد والمزيد منها، وعنها . ونعترف ان عاما قد مرّ، ولم نتمكن من الايفاء بذلكم الوعد، ليس لسبب آخر، سوى زحمة الوقت، لا سيّما وقد توفرت لدينا اضافات جديدة، واوراق ذات صلة، واستذكارات ثمينة- كما نزعم – مما تطلب جهدا ووقتاً، أعوزانا للسير قدما بتلك المهمة .
ومع ذلك، وفي اطارالامر وخلاله، ها نحن نعود اليوم نعود اليوم لاجتزاء بعض مما سجلناه في كتابتنا السابقة، عن التوثيق ذاته، مع “تأنيق” هنا، وتجديد واضافات هناك، فضلا عن محطات جديدة، هي أقرب للمشاهادات والشهادات الشخصية، عن فحوى الموضوع، ومحتواه… ونعني: مواقف الجواهري من الشيوعيين، وعلاقاته مع قياداتهم بالأخص، وعلاقاتها به، كما اسلفنا. ولكل منها تفاصيل وتشعبات تحتاج بحد ذاتها لدراسات وبحوث واستنتاجات موسعة، تضاف لمساهمات عديدة، سبق وان نشرت عبر متابعات وحوارات ولقاءات وغيرها… ومن هنا -أيضا- فإن كتابتنا هذه تهدف لمزيد من الملموسيات المحددة، عن ذلك التراث، والتاريخ ذي الشأن. ومما نؤشر اليه بهذا السياق، عددا من الاتجاهات التي قد تساعد في الوصول الي بعض المراد، ومن بينها:-
1- تقارب انطلاقات الوعي “الجواهري” الانساني، بل وتشابكه، مع بدايات ذيوع الوعي”الشيوعي” والوطني الثوري في العراق، فكراً وسياسة وتنويرا اجتماعيا .
2- ترافق ذلكم ايضا مع انطلاقات النهضة السياسية في البلاد، وتشكل الجمعيات، والاحزاب السياسية، وغيرها من الاطر الثقافية والمدنية .
3- تعمق علاقات الجواهري الشخصية، والخاصة، مع النخب ةالشخصيات الوطنية والفكرية والادبية، اعترافاً منه بتميزها، واعترافاً منها بريادة الشاعر الخالد، وعبقريته الاستثنائية.
4- انغمار الجواهري في ميدان الصحافة، ثم العمل السياسي المباشر، الى حد انه كان عام 1946 الرجل الثاني في الهيئة المؤسسة لحزب” الاتحاد الوطني” الى جانب عبد الفتاح ابراهيم .
5- خوض الرجل –الجواهري- للنشاط البرلماني العراقي، وترشحه للمجلس النيابي عام 1947 … ثم في عام 1948 .
6- اضطرار الشاعر الكبير للتغرب والاغتراب، واللجوء السياسي، في الخمسينات الماضية الى القاهرة، ثم دمشق… وبعدها الى براغ عام 1961 – 1968 والعودة الى تلكم الحال، والى براغ ايضا، ودمشق، منذ عام 1980وحتى رحيله عام 1997 .
7- النشاط الريادي للجواهري في مجالات العمل النقابي والمدني، الوطني والعربي والعالمي، منذ اواسط الاربعينات، ومن أبرزها: مساهمته، ممثلا وحيدا عن البلاد، في المؤتمر التاسيسي لحركة السلام العالمية في بولندا… ثم تبوؤه مهمة نقيب صحفيي العراق الاول، ورئيس اتحاد الادباء العراقيين، في ان واحد، عام 1959.
8- المشاركة الفاعلة في هيئات وفعاليات التضامن مع الشعب العراقي ضد الظلم والعسف والارهاب، بشكل مباشر، ومن اهمها كما نشهد: انتخابه رئيسا للجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي، اثر الانقلاب البعثي الاسود، الاول، في شباط 1963 … وحيويته في مؤتمر المعارضة الوطنية للنظام الدكتاتوري، بيروت 1991.
واذ نشير للمحددات الموجزة اعلاه، أنما يهمنا منها القول: ان كل الفعاليات المنوه لها، كان للشيوعيين وقياداتهم، ونخبهم، دور بارز فيها. ومن هنا فقد توطدت، ولحدود بعيدة، صلات وعلاقات الجواهري الكبير، ولنحو سبعة عقود، مع اقطاب الحزب الشيوعي، ومفكريه ومثقفيه، من اجيال مختلفة، في تلكم المنابر، والاطر والنشاطات، وخاصة في بغداد وبراغ ودمشق، ، وفي مقدمتهم الشهداء الخالدون: يوسف سلمان يوسف – فهد، حسين الرضي – سلام عادل، جمال الحيدري، صفاء الحافظ، عبد الرحيم شريف، توفيق منير، محمد حسين ابو العيس، عبد الجبار وهبي …. وكذلك الراحلون الاجلاء: زكي خيري، عامرعبد الله، محمود صبري، رحيم عجينه، صالح دكله، ثابت حبيب العاني، نزيهة الدليمي، صلاح خالص، محمد صالح بحر العلوم . وله – الجواهري- مع العديد من تلكم الشخصيات، وأولئكم المناضلين، ذكريات عديدة، واخوانيات، كما و” مناكدات” شعرية ووجدانية، من جهة، واستذكار وتخليد وتمجيد، من جهة اخرى، كما يعلمنا ديوانه العام، وذكرياته، الى جانب وقائع ووثائق اخرى، نأمل ان نسلط عليها الضوء لاحقا. وفي هذا السياق سنتجاوز – حالياً- الحديث عن صلات وعلاقات واخوانيات الجواهري، مع نخبة اخرى، وجمع اخر، من المسؤولين الشيوعيين، الراهنين، او المبتعدين عن الحزب لهذا السبب او ذاك. وقد عمدنا لتاجيل ذلك الى فترة قادمة، احترازا، لا لسبب آخر. خاصة وأن ثمة تفاصيل وشؤون عديدة، وكثيرة، تحتاج لمزيد جهد ووقت لاتمام توثيقها .

الجواهري مع زكي خيري


ولكي لا يبقى الأمر هنا فضفاضاً، والحديث عاماً، دعونا نتوقف عند قصيدتين اثنتين لا غير، من عديد أُخر، فيهما الكثير والعديد من المؤشرات ذات الصلة، عن علاقة ومواقف الجواهري من الشيوعيين، وهم الفصيل الأقدم – على أبسط وصف – في الحركة الوطنية الذي تصدى واستمر، ومنذ أواسط ثلاثينات القرن المنصرم، مقارعاً بحزم ومثابرة، العسف والطغيان والظلامية في البلاد… ونعني بتينك القصيدتين رائيته العصماء عام 1951 والموسومة ” في مؤتمر المحامين”، وفريدته المعنونة “سلاماً .. إلى أطياف الشهداء الخالدين”، التي نظمها بعيد الانقلاب البعثي الدموي الأســــود عام 1963.
ففي القصيدة الأولى التي تتجاوز أبياتها المئتين وعشرين، يمجد الجواهري في مقاطع عديدة منها، نضالات الحركة الوطنية، وشهدائها من شيوعيين وثورييـــــــن وغيرهــــم … وقد جاء مطلعها باهراً كما هي العادة ليقول:
سلامٌ على حاقد ٍ ثائر ِ، على لاحب ٍ من دم ٍسائر ِ
يخبّ ويعلم ان الطريق، لابد مفض ٍإلى آخر ِ
كأن بقايا دم السابقين، ماض ٍ يمهد للحاضر
ثم يعود في المقطع التالي مباشرة للتصريح بدل التلميح، وبصوت جهوري، واصفاً بهيبة وإجلال أولئك المناضلين المضحين من أجل الحياة الحرة الكريمة، والمستقبل المشرق… وقد رأى العديد من المتابعين أن أعدام القيادة الشيوعية – الوطنية الأولى (فهد، صارم، حازم) في شباط 1949 كان له أكثر من تأثير على الجواهري لنظم هذه العصماء، خاصة وأنه قد توقف في جزأي مذكراته على تلك الواقعة الكبيرة، وعند علاقته مع مؤسس الحزب الشيوعي (يوسف سلمان يوسف – فهد) في الأربعينات الماضية:
سلامٌ على جاعلين الحتوف، جسراً إلى الموكب العابر
على ناكرين كرام النفوس، يذوبون في المجمع الصاهر ..
سلامٌ على مثقل بالحديد، ويشمخ كالقائد الظافر
كأن القيود على معصميه، مصابيح مستقبل زاهر …
تعاليت من قدوة تقتدى، ومن مثل ٍ منجح ٍ سائر
سمير الأذى والظلام الرهيب، خلا الحيّ بعدك من سامر ِ
وإن كانت تلكم الأبيات تؤشر، ولم تحدد، فان القصيدة الثانية التي نعني، ولنقلْ “السيمفونية” ولا نخف، جاءت بأكثر من اسم وكنية ولقب، لعديد من شهداء الحزب الشيوعي، وقياداته الذين نال منهم فاشيو العهد البعثي الأول، في الثامن من شباط 1963… ومنذ بداية تلكم القصيدة المتفردة، بل والسيمفونية كما اسلفنا، يعبّر الجواهري عن عمق مشاعره لشموخ أولئكم الأبطال قائلاً:

سلاماً وفي يقظتي والمنام، وفي كل ساع ٍ وفي كل عام ِ
تهادي طيوف الهداة الضمام، تطايح هاماً على اثر هام ِ
سلاماً وما انفك وقد الضرام، من الدم يشخص حياً أمامي

ثم يستمر الرمز العراقي الأبرز مستذكراً، وموثقاً لكثير من الأحداث، بالصور تارةً، والايحاء مرات أخرى، مفسراً ومؤرخاً بشكل مباشر للوقائع، وممجداً الواهبين حياتهم للشعب والوطن، والقيم والمبادئ العظيمة… خاصة وان له – كما يؤكد العارفون – علاقات حميمية ووطيدة مع العديد من أولئك الشهداء البواسل:

سلاماً مصابيح تلك الفلاة، وجمرة رملتها المصطلاةْ
سلاماً على الفكرة المجتلاة، على صفوة الزمر المبتلاة
ولاة النضال، حتوف الولاة، سلاماً على المؤمنين الغلاة
سلاماً على صامد ٍ لا يطالُ، تعلّم كيف تموت الرجالُ …

*****************
سلاماً وما أنا راع ٍ ذماماً إذا لم اسلم عليكم لماما
سلاماً ضريحٌ يشيع السلاما، يعانق فيه “جمالٌ” “سلاما” (1)
سلاماً ، أحبة شعب نيامى ، إلى يوم يؤذن شعب قياما.
*****************
حماة الحمى والليالي تعودُ، وخلف الشتاء ربيع جديدُ
سيورق غصنٌ، ويخضر عودُ، ويستنهض الجيل منكم عميد
سيقدمه “رائدٌ” إذ يرود، ويخلف فيها اباه “سعيدُ” (2)
و”سافرة” ستربِّ النسورا، توفي أبا “العيس” فيهم نذورا (3)
ثم تتابع أبيات القصيدة التي يتلاحم فيها – كما توحي، بل وتبين معانيها – الخاص مع العام في مواقف الجواهري من الشيوعيين، وعلاقاته بقياداتهم، طوال عقود، كان الجانبان حريصين – كل الحرص – على ادامتها وتعميقها، برغم “عتاب” هنا و”دلال” هناك، أحياناً… ولنا حول ذلك وقفة، بل ووقفات أخرى .
———————————————————————-
هوامــــــش واحــــــالات:
* تقتضي الاشارة هنا على ما نظن، الى وفير من كتاباتنا التوثيقية الاخرى، المنشورة في وسائل اعلام عديدة، شملت تفاصيل ذات صلة، ومنها بعناوين: الجواهري سياسيــــــــاً .
– صحفيا. – لاجئا سياسيا. – رئيسا للجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي … وغيرها.
1- “جمـــال – “سلاما” : الشهيدان: جمال الحيدري وسلام عادل .
2- “رائــد” – “سعيد” : نجلا الشهيدين: عبد الرحيم شريف “وعبد الجبار وهبي .
3- “سافرة”- “ابو العيس”: سافرة جميل حافظ، زوجة الشهيد محمد حسين ابو العيس.
مع تحيات مركز الجواهري في براغ
www.jawahiri.com