الرئيسية » مقالات » الفساد المالي …. والخوف

الفساد المالي …. والخوف

عندما يتحدث احدهم عن الفساد المالي والاداري ….تجد جميع الموجودين من المتلقين…. يؤيدون صاحب الحديث ويثنون على ما يقول ….والثناء لا يطال افكار المتحدث ووجهة نظره فحسب …بل يمتد لشخص المتحدث … وبالتأكيد هذا يدل على الاتفاق الجمعي من التذمر الشديد والسخط واللوعة القاتلة في قلوب الناس من هذا الوباء الكبير والمزعج الذي يؤرق عموم العراقيين….هذا الوباء الذي اصاب اركان الدولة العراقية ….. وبدأ ينخر بها وكأنه اصبح سرطان فتاك ….. يبدو الى الان من الصعوبة ايقافه او تحجيمه …. حتى السراق الافتراضيين يتحدثون عن هذا المرض اللعين …..
ومن ثم نتهال الاحاديث الجانبية والاعتراضية … الا ان الجميع متفق ان اللصوص وسراق المال العام الان يعملون بهدوء و جرأة غير مسبوقة دون حذر شديد… ولا يعنيهم اي رد فعل ..في حين ان اللصوص في الازمان السابقة كانوا حذرين الى درجة الرعب…..اما الان فالعكس تماما …. فممكن جدا ان تتم السرقة بهدوء وامان وربما مغطاة بالتلاعب الرشيق على القوانيين … ومحمية بيافطة …. ليس هناك دليل مادي او معنوي على السرقة والاتهامات لا تجوز اخلاقيا واعتباريا…… وبالتالي يبدأ السارق بأقامة دعوى رد الاعتبار وتبدأ معادلة ( البايك يحلف المبيوك )
ثقافة الخوف من الاعلان عن اللصوص من الاعلام او من المواطنين مباشرة او حتى من بعض مؤسسات المجتمع المدني المختصة بهذا الشأن … له ما يبرره…فأن كبار اللصوص ( الدرجة الاولى ) من الموظفين الحكوميين وقادة الجيش والسياسين الكبار … هؤلاء محميين … اما كيف تتم حمايتهم …يتداول الناس وربما هي حقيقة او تقترب من التكهنات..
منهم من يعتقد انهم محميين بطائفتهم … وذلك عبر تسخين الشحن الطائفي وايهام الناس بأنه يمتلك اعلى درجات الشرف والنزاهة الا انه مستهدف لكونه من هذه الطائفة او تلك ويحول جريمته الى معركة كبيرة يجهد الجميع من اجل اطفاءها واحاطتها بالصمت لا ن نتائجها ستكون ذات كلف عالية … والاخر يعتقد انهم محميين بعشائرهم …… وامر الحماية من العشائر امرا ذو صلة قديمة الا انه الان ازدهر بشكل مفجع …فحتى على مستوى البرلمان العراقي وهو النخبة التي تمثل المواطنين في التشريع والرقابة … اذا حصل خلاف بينهم ..فسيرد احدهم بصوت عال … اني سأقاضيك قانونيا وعشائريا… فمثل هذا الامر…..يبدو انه له شيوعا عاما والكل يحتمي به … فحين الاخبار عن اي مفسد…لابد للمخبر ان يتوقع ( الكوامة ) من عشيرة المفسد ..وان عليه ان يتحمل كل الاضرار والخسائر اللاحقة التي تصيب ابن العشيرة التي بسب اخباره حصل هذا الامر …..البعض من المواطنين يضيف امرا اخرى ان للسراق ميلشيات مسلحة وتمتلك من الاسلحة الحديثة والمتطورة ما لا يمكن لا احد ان يواجهها …من العبوات اللاصقة الى المسدسات الكاتمة..التي تطيح برأس المخبر بهدوء وسلاسة ..ولن تترك اثر للصوت قد يهرع بعض رجال الامن او المواطنيين لمعرفة الجاني ..وان كانت عبارة … ( يمعود اني شعلية ..هاي تصفية حساب بيناتهم ) تلك العبارة باتت وكانها حكمة لا يختلف عليها اثنين كونها تورط المبلغ بمشاكل… لا تقل عن مشاكل المخبر عن الفساد ….. ويعتقد ايضا ان بعض اللصوص يمتلكون قتلة مأجورين… ومثل هذا الامر لم يكن بمثل هذه الاحترافية في بلدنا الا انه كما يبدو تسرب لنا من احداث بعض الافلام البوليسة والتجسسية…كل هذا متفق بشكل واقعي مع ضعف الاجهزة الحكومية عن حماية المخبر بأي وسيلة حتى لو بدائية .. ومن الممكن وبيسر ان يتسرب اسم المخبر الرباعي وعنوان مسكنه وعنوانه الوظيفي الى الجهات المتضرره من فعله الوطني …وبالتالي يصبح هدفا سهل الاصطياد … وعليه اصبحت لغة المواطنين لا تعدو ان تكون همسا ولايمكن لاحدهم ذكر اي اسم متهم بهذا الامر خوفا على حياتهم……. ان تلك الظاهرة … ظاهرة الخوف عن الابلاغ عن سراق المال العام….بالتأكيد لها رعاة …ولها منظريين …ومن اول هؤلاء هم السراق ..والمستفيدن منهم ..وربما بعض الاحزاب والجهات الحكومية التي تشكل الطوق الاول من الحماية الفاعلة لهؤلاء السراق.. وربما يمتد الامر ليصل الى رشوة او اخافة وسائل الاعلام وبعض ادوات القضاء … وحتى الى اطراف في الجهات الرقابية…..اذا هي خلطة متشابكة ورهيبة ولها اذرع وقدرات كبيرة …. تجعل المواطن يعيش حالة الاحباط التام واليأس الكبير… بل بات الامر من المسلمات اذا دعى احدهم الى ترشيد السرقة ….نعم الترشيد فقط….. وليس محاربة الفساد حينها سيشعر انه بالغ بالامر بل عليه ترك الامر الى ان تتضح صورة ما الى انهاءه ربما بعد عقد من الزمان وربما بعد قرن …
العدد الكبير من رجال الدين وبعض شيوخ والزعماء القبليين ..بحت اصواتهم من الدعوة الى عدم سرقة المال العام ..لكن لا احد يسمع ما يقولون .. بل هم ذاتهم…رجال الدين وزعماء العشائر …لم ينجوا من اتهامات المواطنين لهم فأنهم يعتقدون بأنهم سراق من طراز ما يسمى ……. ( السرقة الشرعية ) وهم يستولون على المال بحجة (مجهولية المالك) او ارساله للحاكم الشرعي ..اننا امام حالة من الضياع التام في مثل هذا الامر … ولم يعد الشعب يثق بأي موظف حكومي او سياسي ..والشك اصبح هو العنصر الرئيسي والقاعدة ربما استثناء صغير جدا….تلك هي صورة مبسطة من واقع يختلج في صدور الناس واهات متفق عليها لاتحتاج الى جهد التقصي والبحث…وهو .ضياع للامل بالخلاص من هذا الوباء العجيب .