الرئيسية » مقالات » حرية الإرادة و فلسفة الحرية و صناعة الحياة المشتركة

حرية الإرادة و فلسفة الحرية و صناعة الحياة المشتركة

بالرغم من أن دراسة الحرية اليوم أصبحت بمثابة دراسة شاملة للوجود الإنساني بأسره وأن المفكرين المعاصرين قاموا بتوحيد الحرية و الوجود الإنساني، نری هناك نزعات إحتمالية في نطاق العلم تعبر عن إمكان قيام حرية ميتافيزيقية شاملة. فالحرية هي قبل كل شيء عملية روحية تعبر عن مقدرتنا علی تحرير ذواتنا، لكن علينا أن نعرف بأن الخصم الحقيقي للحرية هو ذلك المذهب القائل بالإرادة المطلقة والحرية اللامتناهية.
ومن المعلوم بأن الحرية الإنسانية نشاط محرر يفصلنا عن عليّة الطبيعة و يخرج بنا عن نطاق الآلية الشاملة. أما التخلي عن تلك الحرية في سبيل التمتمع بسعادة رخيصة تنحدر فيها إنسانیتنا الی هوة المادية المطلقة، تسودها طائفة من القيم الإقتصادية، تقودنا الی قبول كل نوع من أنواع النفعية السهلة، التي لا تتحقق إلا علی أشلاء القيم الإنسانية العامة. فالإنسان كموجود طبيعي إنساني لا يمكن أن ينظر اليه فقط كمجرد فريسة للضرورة الطبيعية، فإنه بمعرفته للكون الذي يحيا فيه يعمل علی تغييره و التعديل منه. و صلة الإنسان بالطبيعة ليست مجرد صلة خارجية ظاهرية، بل هي صلة باطنية عميقة قوامها التبادل والتصاعد. والشخصية الإنسانية متكونة في الحقيقة من “داخل” وهي بحاجة ماسة الی “خارج” ولكنها أيضاً في حاجة الی “فوق” تكتمل به أبعاد ذات لا تكف عن العلو علی نفسها، وعلی الطبيعة الخارجية.
أما فيما يخص الحرية السياسية، فإننا لسنا مع رأي الفيلسوف والرياضي الانجليزي توماس هوبز (1588-1679) و مذهبه السياسي في تسليم السلطة بأكملها الی فرد واحد، لأن ذلك يؤدي الی ولادة النزعة الإستبدادية المطلقة، و لأنه، حسب نظرية الفيلسوف الهولندي باروخ دي اسبينوزا (1632-1677)، كلما قلّ قدرة ما يتمتع به الأفراد في الدولة من حرية و مساواة، قل حظ الدولة نفسها من الإتحاد و القوة. و بالطبع كلما زاد ميل الفرد الی إيذاء الآخرين و الإعتداء عليهم، كانت الجماعة أقل قدرة علی الإتحاد فيما بينها لمواجهة ما قد يصدر عنه من مخالفات عند الضرورة. اسبينوزا يری في القوة المدنية الكبری حرية مدنية. فالغرض الأسمی للدولة حسب رأیه يجب أن لايكون السيطرة علی الأفراد بالقوة والعنف والإرهاب، بل السعي الی أن تحقق للفرد أكبر قسط من الطمأنية والأمن والحرية.
فالخطر الكبير علی كيان الدولة هو من أن تمتد سلطتها الی العقل والرأي والعقيدة. فالفرد لابد أن يكون له مطلق الحرية في إختيار أسس عقيدته و إطاعة إلٰهه، لكنه يجب أن يكنّ للعدالة والمحبة كل التقديس والإحترام. اليوم تنحو بعض سلطات سياسية في هنا و هناك الی نشر خرافات سياسية بين الناس قوامها التعصب، التي تعتمد علی أسباب جديدة في الدعاية والتبشير السياسي لدمج السلطة الدينية بالسلطة المدنية. ومن الواضح بأن الحياة الجماعية الصحيحة لا تقوم بين الناس إلا حينما يتقبلون بمحض حريتهم تلك الرابطة التي تجمع بينهم، لإن دعامة العدالة الإجتماعية حسب الفيلسوف الفرنسي (1712-1778) جان جاك روسو، هي الإرادة الحرة، بوصفها ماهية الفرد و مبدأ المجتمع نفسه.
وهنا علينا أن نقدم رأي المعتزلة، كتيار كلامي ظهرت في القرن الثاني الهجري في البصرة لترفع شأن التوحيد والعدالة الإجتماعية، و مذهبهم القائل بأن الإنسان خالق لأفعاله وأنه ليس من فعل يفعله الإنسان إلا وهو قادر علی تركه و فعل غيره بدلاً منه. إنهم بمذهبهم هذا يرفضون كل ضرب من ضروب الجبرية، لأنهم لا يتصورون بأن يكون الإنسان مطبوعاً علی أفعاله.
ومن الجليّ بأن الفعل يبقی دوماً الجسر الوحيد، الذي به نعبر عن الهوة الموجودة بين الفكر والوجود. فهي لا يمكن أن تنحصر في دائرة “النية” أو “التصور” أو “الفكر”. أما الإرادة عند الإنسان، ككائن زمني لا يحيا في المكان وحده بل يجر ورائه تواريخه و يطوي أطواره، فهي تفترض غاية تسعی الی تحقيقها، و فكرة تعمل علی تنفيذها، ومادة تسعی الی بعث الروح فيها و هي حلقة الوصل بين الذات والموضوع. فالإرادة، التي تعبر دوماً عن طابع الخلق،الذي يتسم به النشاط الإنساني، تتوقف الی حد كبير علی تصوراتنا الديناميكية الغير ثابتة و حريتنا تنحصر في إختيارنا لأفكارنا و فتح شعورنا و إغلاقه أمام تلك الأفكار بعد أن تحول زمننا هذا الی زمن الخبرات والمعايشات، التي تولد ما لا يتناهی من الفروقات بين الهويات والثقافات وبعد أن أصبح تاريخ العالم يجري وفقاً لزمن واحد ووحيد، هو زمن عالمي يوصف بأنه فوري و مباشر و مشهدي، عابر للحدود والقارات والمجتمعات واللغات، عبر طرق الاعلام المتعدد وشبكات الإتصال الفوري، و بفضلها يسير العالم نحو تشكيل حضارة واحدة، بعد أن تمكنت الإنسانية من اجتياز زمن العالمية، التي كانت سائدة لمدة قرون، تختزل العالم الی مجرد فكرة أو تصور أو وهم أو ثنائية ضدية، عكست صراعات بين المثالية والمادية، كما كان في زمن هيغل و ماركس، أو بين اللبرالية والإشتراكية أو الی صراع بين الحضارات، كما تصوره صموئيل فليبس هنتنغتون (1927-2008)، أو الی ثنائیة فرانسيس فوكویاما الضدية.
إن علاقة العولمة مع الواقع غير النظرة، التي كانت تتجسم في زمن سيادة الايديولوجيات العالمية أو الأممية. فهي لا تحول العالم الی شعار و لا تختزله الی مجرد عقيدة. كما هي ليست تجسيد لفكرة أو إنعكاس لصيغة، بل هي صناعة واقع جديد عبر الحواسيب و بنوك المعلومات، التي يتحول معها كل معطی عيني أو ذهني الی كائن رقمي. و هذا الكائن الرقمي العامل عبر الشبكات يشعر و كأنه سائح جوّال عبر كل الأمكنة دون أن يبرح من مكانه، لذا يمكننا و بكل بساطة أن نتحدث اليوم عن “الإنسان العالمي”، الذي لا يسدل الستار علی عقله، بل يستفيد من كل تلك الإمكانیات الجديدة، ليتشكل لديه مساحات و أمداء جديدة للفكر والقول والعمل. و هكذا يمكنه التحرر من التعامل مع الأفكار كقوالب محكمة تختزل الوجود الحيّ، أو كتنانين إسمية يتعبّد لها لكي يستبدّ بها أو يقع ضحيتها. فالمصالح والمصائر عنده متشابكة، لأنه يمارس التواضع و يستخلص الدروس والعبر، من إخفاق النظريات أو إستهلاك المدارس والنماذج، في تشخيص الواقع و إيجاد مخارج من الأفخاخ و المآزق.
إن إدارة المصلحة العمومية و صناعة حياة مشتركة تحتاج الی تغيير يطال الأفكار والأدوار والمهمات وصور الحياة و أساليب العيش وقواعد المعاملة، بعيداً عن العيش والممات داخل مقولات مثل الأحادية والقداسة والتأله والنخبة والبطولة و الإحتكار والقوقعة والمعسكر. فـ”الإنسان العالمي” ينحو نحو مفاهيم تعكس الإعتراف والتعدد والنسبية والمداولة والشراكة والقوة الناعمة. يتعامل مع الآخر كشريك فاعل في إدارة المصالح و صنع المصائر.
الفعل إذن هو التعبير الوحيد عن تلك الحرية الإنسانية التي تندفع نحو تحقيق إمكانیتنا في حركة واحدة تضم الباعث والدافع والغاية معاً.
وختاماً: “الرأي الذي لا يلقی أية معارضة أو تحدّ سرعان ما يستحيل الی فكرة خامدة لا شأن لها و لا طائل تحتها. و الشجاعة لا توجد إلا إذا كان ثمة خطر..