الرئيسية » شؤون كوردستانية » نوروز من الذاكرة الكوردية

نوروز من الذاكرة الكوردية

من مبدأ الحكمة و الاتقان في الروايات و الاساطير التي كانت تنير المضايف الكوردية في القرى و الارياف دون تهجين نتحدث عن واقعة نوروز و اسطورتها الخالدة بعيدا عن ما سطرت عنها في الكتب و المجلات لان كثيرا منها تحيط الشكوك و الغموض بالواقعة و تستميل باصالتها الكوردية الى بعض من القوميات المندثرة و منها الباقية المحتلة لارض كوردستان الكبرى و التي قال عنها ( د. عبدالمنعم ماجد ) في كتابه الدولة الايوبية في مصر الاسلامي بان الكورد خلائق لا تحصى و امم لا تحصر لو لا سيف الفتنة يحصدهم ، و لعل مثلنا كمثل المنغوليين عندما يقرأون تاريخ اجدادهم في المدارس لا احد من التلاميذ يصدقه و الاسباب معروفة لكلا الامتين و اعود الى موضوع البحث بدقة تامة حسب ما سمعتها من اناس روائيين متقنين للقصص و الروايات قبل خمسين عاما عندما كانوا يتسامرون في ليالي الشتاء الباردة حول موقد في المضايف القروية و منهم كانت ذاكرتهم خزائن لاساطير و قصص و روايات لا تعد و لا تحصى و التي لم اسمع او اقرأ نظيراتها في الكتب و المجلات العصرية و منها واقعة و اسطورة نوروز اللتين تناقلتهما الالسن عبر الازمان الغابرة و من مجملها.
كان للكورد امبراطورية مترامية الاطراف حلت بها كارثتين مدمرتين الواحدة منها اشد و اعتى عن الاخرى كانت الاولى سنين عجاف خلفت القحط و المجاعة بين الناس و انهكت قواهم و اضنكت عيشهم مما مهدت السبيل لاحلال الكارثة الثانية و هي افجع و الم و اشجن من الكارثة الاولى و هي استيلاء رجل سفاح ظالم على السلطة مارس القتل من الشباب و اليافعين لاضعاف خصومه ونهب قوت الشعب و هم في عيش رماق و توزيعه على جلاوزه و هناك مفاصل و حلقات اخرى في الواقعة خشية من اطالتها و تكرارها نأتي اليها ضمن الاسطورة بالغة الثراء في الادب الكوردي و التي افرزت هذه الواقعة من بين الوقائع و الشواهد لتكون رأس السنة الكوردية و احتوت الاسطورة الكارثتين باسلوب منمق و بصيغة تجاذبية لتكون حاضرة في الاذهان لشحذ الهمم ضد الظلم و الاستبداد و هي .
حلت سنين عجاف في البلاد خلفت القحط و المجاعة مما مهدت السبيل الى استيلاء رجل سفاح ظالم على عرش السلطة ، جهز جيشا من القتلة و السفاحين لحماية و حراسة عرشه مارس القتل و الابادة في ابشع صورها و لذلك نبز بـ (ازدهاك ) بالزاء الكوردية ذات ثلاث نقاط و يعني الافعى الكبرى التي تزدرد الانسان و الحيوان و اوصله عنف شروره و استبداده الى الاصابة بمرض عضال و ظهور حيتين على كتفيه لذا اجمع اطباء و حكماء امبراطوريته لمعاينته و من ينقذه من هذه المحنه يكرمه الذهب بقدر وزنه و الا يقطع رؤسهم جميعا و الاح بينهم فاسق ضال اغره المال فاوصاه بان يطعم الحيتين يوميا بمخ شابين ليضمن سلامته و ديمومة حياته و الامساك بزمام السلطة دون الاستعانة بغيره و نال الجائزة و ورث الظلم و القتل في البلاد، فامر السفاح ازدهاك بتنفيذ الوصية فعارضه وزير بلاطه و طلب منه المعالجة بطرق صحية وببدائل اخرى و لكن بدون جدوى واقدم جلاوزته بالقاء القبض على الشباب وذبح اثنين منهم يوميا لاطعام الحيتين بمخهما و لم يبق امام الوزير الا ان يجد وسيلة لتخفيف الام الكارثة على الناس و ذلك باخفاء احدهم و تهريبه الى الجبال بعيدا عن الانظار و احلال مخ حيوان محله لاطعام الحيتين ولم تبق في البلاد عائلة الا و دفعت قرابين لحياة الطاغوت باعداد مفروضة عليهم من السلطة و من ضمنهم جاء دور الابن الاخير لكاوة الحداد فاقتادوه ليلتحق باشقائه الاحد عشر السابقين في وقت و فصل ملائم لمقارعة حكم الطاغوت و الخلاص من جبروته من الناحيتين المعاشية و المعنوية لتهاتن السماء عليهم تبشيرا بسنة خير و هم اهل المدينة و ثاروا بقيادة كاوة الحداد و هاجموا بلاط السفاح و اقدم عليه كاوة الحداد و هشم راسه بمطرقته و انقذوا البلاد من ظلمه و بسماع نبأ انتصارهم هرع الناس الى المرتفعات لاشعال النيران تبشيرا لعظمة انتصارهم ومن يومها اصبحت مناسبة قومية و راس سنة كوردية و التي صادفت يوم 21 من شهر اذار سنة 700 ق.م حسب التقديرات الموثوقة .
ترمز الاسطورة الى الكارثتين بالحيتين و اكدت الويل و الدمار فيهما بذبح الشابين و نوهت عن اطالة الظلم لمدة (12) سنة من خلال اعداد اولاد كاوة الحداد والجشع والاستبداد من اعراض مرضه الخبيث و لربما قد فقدت الكثير من مضامنها اثناء غياب الكورد عنها لاهتمامهم بالتوحيد بامتياز و انعطافهم عن الهوية القومية عبر الازمان الغابرة و لعل احداها تضمير الاسطورة بحرف الضاد العربية و هم لا ناقة و لا جمل لهم فيها بتسمية الطاغوت بـ(ضحاك) و هناك بعض من الرواد يختلفون في سردها و ليس في مضمونها بدلا من اطعام الحيتين بمخ شابين هو تدهين اورام الطاغوت بهما لتخفيف الامه و كذلك ورد اسمه ب(ازدال) الطائر الكبير الذي يزدرد الجيف و هذا لا يعني الخلاف في جوهر الاحداث لاسطورة متداولة منذ اكثر من 2700 سنة في رقعة واسعة من كوردستان في العراق و تركيا و سوريا و ايران و قوقازيا و اينما وجد الكورد تجدهم يحتفلون بعيد نوروز بنفس الحلة و الابتهاج و بفضل المغتربين اصبح نوروز سفيرا للكورد في جميع ارجاء المعمورة و لا ننسى بان وقت و فصل و قدم الواقعة لها الاثر الكبير في مشاركة القوميات الاخرى في الاحتفالات السنوية بهذه المناسبة مع الكورد كما نرى من مشاركة جميع القوميات في اعياد رأس السنة الميلادية و كذلك نمط اسطورة نوروز و روعة صياغتها و براعتها خلدت الواقعة لدى العالم كما جرى في تخليد البعثة الاستكشافية العلمية التي غرقت سفينتهم عند اصطدامها بجبل ثلجي و ادت بحياتهم عام 1912 الا نفرا قليلا منهم باسطورة تايتانيك التي اذهلت العالم بجمال صياغتها و لو لا تلك الاسطورة لذهب صيتهم ادراج الموجات و كذلك احتفلت دولة اليابان قبل عامين بالذكرى التخليدية الالفية لاستطورتهم المشهورة (جين جي) اللتين سبقتهما اسطورة نوروز الكوردية الشهيرة بمئات السنين وتعتبرمن رموز الامة و تستحق الاحتفاء بها في المحافل الادبية و الثقافية لان لو لا هذه الاسطورة مغروسة في الاذهان و يحكى عنها شعبيا في المضايف و الاسر الكوردية دوما خارقة جدار الموانع بفعل روعة صياغتها و صدق احداثها في اظهارمرارة الالام و الاحزان و زرع الثقة بالنفس و كذلك الافراح و الابتهاج بالخلاص من الكارثتين لكانت واقعة نوروز في طي النسيان خلال تراكم مئات السنين على ممانعة الاحتفال بها او التحدث عنها من قبل السلطات المحتلة لكوردستان لاسباب سياسية مدعومة بتاثيرات دينية بتكفير من يشعل نار نوروز و يحتفل بها و اختلاق الشكوك عن اصالتها الكوردية لاغراض طمس الهوية و المشاعر القومية و كذلك تبين الاسطورة حضارة هذه الامة بين الامم لولا الفتنة و الصراعات الداخلية التي تلاحقها الى ما فيها اليوم .

9/3/2012