الرئيسية » شؤون كوردستانية » ملحمة اراس في تاريخ النضال البارزاني

ملحمة اراس في تاريخ النضال البارزاني

اراس من اشهر الاسماء لدى الكورد اينما وجدوا و لربما لا يعرف البعض مصدره وبأية مناسبة قد اشتهر و اكتسب القدسية في التداول ولم يكن في الامر الهين ذياع هذا الصيت الا من خلال مناهضة عمل عسير و شاق من قبل كوكبة من المناضلين بقيادة البارزاني الخالد في ملحمة كفاحية لا نظيرة لها في العالم المعاصر و في تاريخ الامة الكوردية من اجل الكرامة و العزة , لم تقهرهم وعورة المناطق الجبلية و لذعة البرد و الجوع و مخاوف العدوان الثلاثي العراقي الايراني التركي و دسائس الخونة من الامة و بمناسبة الذكرى( 66 ) لتلك الملحمة البطولية و ايفاءا منا باستذكار جزء من تضحيات ذلك القائد الفذ الذي ناضل من اجل تحرير امتة منذ نعومة اظفاره الى اخر لحظة في حياتة لم يعرف الاخفاق و عاود النضال ليكسب طموح امته و هذه من صفات اصحاب القضايا المصيرية التي تجسدت في شخصية هذا القائد حيث التجأ مع شقيقه الشيخ احمد البارزاني و مع ألف (1000) من المقاتلين البارزانين و عوائلهم بعد انتكاسة ثورة البارزان (1943-1945) الى مهاباد في ايران لنجدة الثورة الكوردية التحررية بقيادة المناضل قاضي محمد و دخلوا ايران قرب منطقة أشنو في شهر تشرين الاول (1945) و اشتركوا في الثورة كمقاتلين اشداء و نالوا شرف المساهمة الفعالة في تأسيس جمهورية كوردستان الفتية في مهاباد و دافعوا عنها بعزم و ثبات متميزين .
بعد اعلان تأسيس جمهورية كوردستان بتاريخ (2211946) برأسة قاضي محمد عين البارزاني برتبة مارشال في قوات مهاباد و بدأ يكسب قوته من الهجوم على القوات المعادية في سقز و بانة و سردشت التي كانت منعزلة بعضها عن بعض لهطول ثلوج كثيرة , و في نهاية شهر مايس (1946) نشبت سلسلة من المناوشات المسلحة بين القوات الايرانية و المقاتلين البارزانيين الذين تميزوا بتفانيهم للجمهورية و شجاعتهم و مقاومتهم للنيران المعادية و كانوا اشد المدافعين عنها شهور عمرها و لكن شاء القدر أن تتكالب عليها الخيانات بانسحاب رجال القبائل المساندة للبارزانيين الى الشمال و تضاؤل القوات المدافعة عن الجمهورية و سرعان ما انهار الاتحاد الهش بين المدنيين و القبائل وكانت المشاكل السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية بالذات تعصف بمهاباد و لم يحدوها الامل من دون دعم جدي من الاتحاد السوفياتي التي وعدت لايران باعادة قواتها خلال ستة اسابيع من ( 2631946 ) على اثر اتفاقية انشاء شركة نفط سوفيتية ايرانية مشتركة و بناءا على هذه الاتفاقية دخلت القوات الايرانية مهاباد و سقطت الجمهورية في (15121946) و تمت الاطاحة باسسها بكل وحشية .
بعد الاطاحة بحكومة كوردستان ناشدت الحكومة الايرانية المارشال البارزاني بالعودة الى العراق او نزع اسلحتهم و توطينهم قرب (ورمي) فأختار شقيقه الشيخ احمد البارزاني العودة الى العراق مع عوائل البارزانيين و لكن ايا من الخيارين لم يكن مقبولا لدى البارزاني الخالد و مقاتليه و قرروا ان يحسموا الامر بالقتال معتمدين على تفوقهم في المهارات القتالية حيث اصبحوا رمزا للكورد في كل زمان و مكان من خلال المسيرة النضالية عبر المناطق الحدودية لكل من العراق و ايران و تركيا و قطعوا في هذه المسيرة الطويلة (220) ميلا من الاراضي الجبلية الوعرة في اتعس ظروف جوية خلال اكثر من اسبوعين تعقبهم القوات النظامية و الجحوش لتلك الدول و قد تفادى البارزاني محاولات تطويقهم الى ان عبر نهر اراس الذي اشتهر باسمه و سلموا انفسهم الى السلطات السوفياتية كلاجئين سياسين , وقد بدأت سيناريوهات هذه الملحمة في (1541947) و كان يوما وطيسا و صعبا عليهم ليقرروا مصيرهم من بين جموع الاعداء الشوفينين الطامعين للنيل من عزتهم لو لا حنكة و عظمة قائد مسيرتهم البارزاني الخالد حيث تقرر بان يعود الشيخ احمد البارزاني مع اصحاب العوائل و كبار السن الى العراق و ان يسلك البارزاني الخالد طريق الردب في مسيرة نهار كامل باتجاه العراق الى منطقة برادوست و عند وصولهم الى قرية كوجار أوعز البارزاني بتغير مسارهم للابتعاد عن القرية لان مالكها ( يوكو اغا ) كان عميلا للقوات الايرانية و لقي حتفه بايدي قوات مهاباد و بعد فترة وجيزة وصلوا الى قرية ( بنى ) حيث استقبلهم شيخ القرية ( مجيد خاني ) استقبال الابطال و جهزهم بالمؤنة الكاملة و من ثم واصلوا المسير باتجاه قرية ( هيشمي ) و باقترابهم منها شعرت القوات العراقية بهم و اغلقت عليهم الطرق لمنعهم من الدخول الى العراق .
لتحاشي الاصطدام سلكت القوة طريف ( درياسور ) ووصلت الى تلك القرية مع الضياء الاول صباحا دون ان تشعر القوات العراقية بعبورهم و نالوا قسطا من الراحة في القرية و من ثم واصلوا المسير نحو الحدود العراقية التركية و انقسموا الى خمسة ارتال لخطورة الوضع الامني في المنطقة لاجل العبور باقل مايمكن من الخسائر و ارباك العدو و بهذه الحنكة و الجرأة وصلوا جميعا الى قرية مزوريان سالمين و استقبلوهم بحفاوة و تكريم .
اثناء تواجدهم في المنطقة و بالقرب من مخفر ( زيتة ) اصطدموا مع قوة عراقية استشهد على اثره المناضل تيلي عبد الكريم و اصبح اول شهيد في ملحمة اراس التاريخية .
بتاريخ ( 2341947 ) و بناءا على طلب الحكومة العراقية ذهب البارزاني مع عدد من مقاتليه الى قريه ( بركوش ) للتفاوض مع ممثلين من الحكومة العراقية و هم المفوض ( علي بك قمجي رش ) و ( ولي ابراهيم هرسي ) و ( امين راوندوزي ) و بعد التفاوض معهم استنتج البارزاني بانهم يبحثون عن مسائل تافهة لا تستوجب السماع اليها و يكيدون لمؤامرة خبيثة , قدم البارزاني مطالبه اليهم لتقديمها الى الحكومة العراقية و عاد البارزاني مع مقاتليه الى مقر تواجدهم و قبل ان تصل مطالبه الى الحكومة هاجمته القوات العراقية من ثلاث محاور, شيروانة و ريكان و اكري من الشرطة و الجحوش و القوات التركية من الخلف يرومون اغلاق الحدود عليهم دارت معركة شرسة بين القوات العراقية و المقاتلين البارزانيين في محور شيروانة استشهد على اثرها مقاتلين و تكبدت القوات العراقية عدد من القتلى و بعدها تمركزت قوات البيشمركة في قرى , دري و باسيا و ستوني و علمت القوات العراقية بذلك عن طريق عملائها في المنطقة و قصفت تلك القرى بتاريخ ( 2351947 ) باربعة عشر طائرة حربية و استشهد خلال القصف مقاتلين من البيشمركة .
جهزت قوات البيشمركة بالمأونة اللازمة من قبل اهالي قريتي دري و ستوني و اعطي لكل مقاتل من البيشمركة (45) رغيف خبز من قبل المدعو حمد امين مير خان و شدوا المقاتلين ازرهم على الرحيل الى الاتحاد السوفيتي و بتاريخ ( 2451947) اتجهوا الى قرية ( ناوجلي) و (بيداو) تلك القرية الواقعة على الحدود العراقية التركية التي شطرتها الايادي الخبيثة عند تجزئة كوردستان و اصبح قسما منها ضمن تركيا و الاخر ضمن العراق .
عند وصول قوات البيشمركة الى تلك القرية الجريحة وجدوا القوات التركية قد احكمت الطوق على المعابر و ان القوات العراقية تتابعهم من الخلف لذلك اضطروا الى ترك جريحين في القرية و مغادرتها فورا لان القوات التركية تابعتهم ايضا , في خطة جريئة و في زاوية عميقة عبر قسما من المقاتلين البيشمركة الى الاراضي التركية و القسم الاخر تهيأوا لمشاغلة القوات التركية عند الضرورة فقد وصلوا الى جبل ( تشتي بيداوي ) بامان قبل ان تشعر بهم تلك القوات و بتاريخ ( 2551947 ) اصبحت القوة في احضان مضيق ( زينا اسنكر ) الذي يقع بين منطقة ( دراكه نري ) مصدر زاب بادينان و منطقة شمدينان و شعرت القوات البيشمركة بان القوات التركية في المنطقة متاهبة في خنادق محكمة للاشتباك و الطائرات العسكرية تستطلع المنطقة بحثا عنهم و اختبؤا في الوديان و الاحراش الى ان زالت المخاوف نسبيا , اجرى القائد البارزاني خطة عسكرية تكتيكية للتظاهر في السير باتجاه الشرق و بالقرب من المضيق تسربوا الى الخلف و عبروا المضيق خفية و كان البارزاني مع عدد من البيشمركة تظاهروا في السير لمخادعة القوات التركية الى ان تواروا عن الانظار و بهذا التمويه الجريء عبرت القوة المضيق دون ان تشعر بهم تلك القوات الى أن وصلوا الى جبال سبيريز و تعقبت القوات التركية اثرهم بالمدفعيه دون جدوى .
هذة المرة ايضا سجلت قوات البيشمركة للكورد و التاريخ اروع الملاحم البطولية بامكانياتهم البسيطة و بملابسهم و اخفافهم المتهريه و اسلحتهم الشخصية الاعتيادية مقارنة بامكانيات القوات المعادية قد اجتازوا حدود كوردستان المصطنعة ووصلوا الى الجهة المقابلة في ايران و تحشدوا في جبل ( سبيريز) لعدة ايام يفترشون الارض و يلتحفون السماء و يسدون ضورهم بالحشائش و النباتات البرية لنفاذ المؤنة لديهم و في مساء ( 2751947) انسحبوا الى قرية جيرمي بقيادة البارزاني الخالد و استقبلوهم اهاليها بحفاوة و تكريم الابطال و اوفروا لهم احتياجاتهم من المؤنة و من هناك استمروا في السير مشيا على الاقدام باتجاه قرى ( ام بي و دربند و تلي ) و هذه القرى كانت تابعة الى ( بك زادة ) و لاقت القوة منهم الترحيب و التكريم في حين بيكاتهم ( اغوات ) ولوا فرارا الى مدينة ( ورمي) خشية من المحاسبة و المسالة على مواقفهم المشينة اتجاه حكومة كوردستان المنهارة في مهاباد و بقيت القوة هناك ثلاث ايام في المخيمات و المصايف في (هركيان) لغاية ( 3151947) .
شعرت الحكومة الايرانية بتواجد البارزاني مع مقاتليه البيشمركة على اراضيها , اجتمعت الحكومة مع رؤساء العشائر و بعد المداولة معهم ارسلت رشيد بك رئيس عشيرة هركيان ممثلا عنها الى البارزاني حاملا رسالة خطية تطالب فيها البارزاني بالخروج من اراضيها باسرع ما يمكن و كذلك حمله البارزاني رسالة الى الحكومة الايرانية يطمانها بانه سيخبرهم لاحقا بما يرضيهم و كان الغرض من هذه المناورة هو كسب الوقت و درأ التصادم معهم .
في مساء ( 3151947) تحركت القوة نحو شكاك و سهول سوما بمرافقة اثنين من الهركيان و هما محى الدين بازاد و لافكو و هو من الجنود الروس الذين دخلوا كوردستان عام 1941 و عند انسحابهم منها بقي في منطقة هركيان , وصلت القوة الى قرى عشائر عبدوي و هم من افخاذ عشائر شكاك فرحبوا بهم و اعتبروهم رمزا من رموز الكوردايتي خاصة في قرية دوستاني من احفاد سمكو شكاكي و كذلك استقبلوا من قبل اهالي قرى ديل زي و حاجي جفان و كوزة رش و هفلران و بروش خوران و عند استضافتهم في تلك القرى قدموا لهم اسمى ايات الترحيب و التكريم من قبل اهالي القرى و بعكس ذلك اغوات القرى كانوا يفرون الى احضان الحكومة خوفا من ملاحقتهم على ما اقترفوا من اعمال شنيعة تجاه حكومة مهاباد و من هؤلاء (خليفة صادق) من قرية (بروش خوران) اوفدته الحكومة الايرانية الى البارزاني ليسلموا انفسهم و تؤمن الحكومة لهم مطالبهم دون اجحاف و ان المخارج قد اغلقت بوجوههم و لا يمكن خرقها و لكن افشى سره مرافقه لاحد افراد البيشمركة بان لاصحة لادعاء الموفد و لاتوجد اية قوة في المنطقة عدا قوة مسلحة على طريق مضيق كوتولي و بدورهم اخبروا البارزاني بذلك و تظاهر البارزاني للموفد بانه مع قواته ينتظرونه في هذه المنطقة لحين عودته و اخبار الحكومة الايرانية على موافقته .
غادر الماجور خليفة صادق المنطقة مسرعا الى مدينة خوي ليحقق ماربه الخبيثة لجلب قوات ايرانية لتطويق المنطقة و اسر البارزاني و افراد قوته و كان شاه ايران بانتظاره و يعد القوات للهجوم , بعد ان تراوى الموفد عن الانظار جهز البارزاني قواته و حملوا معه المؤنة و غادروا المنطقة في ليلة (45حزيران 1947) متجهين نحو مضيق كوتولي يرافقونهم خمسة من عشائر شكاك كمرشدين لغرض مباغتة القوة المتمركزة في المضيق و مهاجمتها , اجتازوا الحدود التركية سيرا على الاقدام لعدة ساعات و عند اقترابهم من تلك القوة لاذت بالفرار الى القرى المجاورة و عبروا المضيق نحو عشائر عاروسي قبل ان تصل الامدادات الحكومية الى المضيق و رحبت بهم اهالي قرى كلتي ونداو و من هناك شدوا الرحال الى قريتي بلة سور و بلة رش الى ان وصلوا الى قرية ملهمي التابعة لعشائر ميلي ليلا و في مسيرتهم الملحمية وصل البارزاني مع افراد قوته الى قرية عمبادي بتاريخ (661947) و منها اتجهوا الى قرية هاسون يرافقهم رجل مسن يدعى ميرزا عبدال و عند اقترابهم من نهر اراس اقترح عليهم الرجل مسلكين لعبور النهر , الاول, هو عبور الاراضي التركية الوعرة المكتظة بالمخاطر و الثاني , باتجاه الاراضي ماكوكا لربما تصادفهم القوات الايرانية و اختار لهم هذا الطريق و وافق البارزاني على ذلك بتاريخ (861947) وصل البارزاني مع قوته الى قريتي كليس كند و داغ داش المهجورتين مسبقا قبل وصول طلائع البيشمركة خشية من الاصطدام المسلح مع القوات الايرانية المتحشدة لتطويق المدينة .
اخذت القوات البيشمركة قسطا من الراحة في القريتين المهجورتين و قرر البارزاني اعادة تنظيم قوته و تقسيمها الى مجموعتين مجموعة مهاجمة من قرية كليس كند كانتحاريين برئاسته لكسر الطوق المحكم عليهم و المجموعة الثانية من قرية داغ داش برئاسة اسعد خوشوي تهاجم خلف المجموعة الاولى كاسناد لفتح ثغرة بين القوات المعادية للعبور و الا سيلقون حتفهم المحتوم .
نفذت الخطة التي رسمها القائد البارزاني بمعنويات عالية و هي معركة حياة او موت و تمكنت من الاجتياز بعد معركة ضارية و كبدت القوات الايرانية المعادية عشرات القتلى من الضباط و الجنود و اسقاط طائرة و تدمير عدد من المدافع و الدبابات و اسر (271) مسلحا و اطلق سراحهم في ساحة المعركة و اغتنمت القوة مئات البنادق و البغال مع اجهزة عديدة و كانت تضحياتها استشهاد حجي كويزي و صالح ليدي مع عدد من الجرحى , بعد تلك المعركة الضارية واصلت القوة سيرها نحو راس جسر ماكو و تحشدت بالقرب منه ليلة (1112/6 /1947) و وجدت طرفي الجسر مطوق بالقوات الايرانية .
لغرض العبور بموجب خطة مرسومة ان يجتاز الجسر سبعة عشر مقاتلا من البيشمركة كقوة ضاربة تمهد الطريق لعبور مجموعات اخرى منهم و عند تعرضهم لنيران معادية و فقدان الارتباط بينهم يتحشدون في قرية هاسون من الصوب الاخر و من هؤلاء المضحين علي جهانكير و جادر جهانكير و ميستو مزوري و ملكو زيرو و ميران مير خان يتراسهم اسعد خوشوي , نجحت القوة في العبور و مهدت الطريق لعبور مجموعات اخرى و لكنها اشتبكت مع القوات الايرانية و جرح على اثرها كل من جادر جهانكير و ملكو زيرو ولم يمض وقتا طويلا وصلت الامدادات للقوات الايرانية و احكمت الطوق على الجسر , خرقت المجموعات الباقية من قوات البيشمركة صفوف القوات المعادية في ليلة مظلمة تحت نيران كثيفة و جرح في هذة العملية مل محمد امين ليري بنيران صديقة و استشهد محمد ميلكا سوري و سيطرت القوة بعد العبور على المسالك المؤدية الى تلك القرية التي تحشدت فيها و هي قرية هاسون التابعة لعشائر الجلاليين و هم من الكورد و الفرس و قد فروا جميعا الى القوات الايرانية و اثناء تواجد القوة فيها قصفتها الطائرات الحربية الايرانية و استشهد فيها الجريح مل محمد امين ليري .
زار عمر اغا رئيس عشيرة الجلاليين القائد البارزاني في القرية و تظاهر امامه كبقية الاغوات بانه يدعم البارزاني في مسيرته هذه بمسلحين من عشيرته و توصل الى اتفاق لتوحيد صفوفهما و بناء قاعدة لهما في جبال اكري داغ في حين كل واحد منهما يعرف نوايا الاخر و يكسب الوقت لصالحه حيث سبق للاغا ان هجر سكان قراه الى السلطات الحكومية قبل توغل البارزانيين فيها بغية تسهيل السيطرة عليهم و النيل من عزيمتهم يقال بان الملا لعشيرة الجلاليين قد ابلغ البارزاني بنواياه الدفينة و الذي ارتكب سابقا اكبر جريمة خيانة بحق القائد القبلي سمكو شكاكي .
كان البارزاني يعلم بنوايا عمر اغا لذلك لم يتريث ليحقق ماربه , ارسل وفدا للاتحاد السوفياتي كل من مير حاج و لافكو الجندي الروسي السابق و حاج حيدر و خليل هركوش لاستحصال الموافقة على اللجؤ , تبين لاحقا بان بقاء البارزاني مع قواته في قرى الجلاليين كان لاجل الراحة و انتظار جواب الاتحاد السوفياتي ولكن في نفس الوقت ادرك مخاطر خيانة عمر اغا مما اضطر الى اجلاء قواته من جبال اكري داغ باتجاه ضفاف نهر اراس .
بعد عبور الوافدين لنهر اراس و هما مير حاج و لافكو الذين اختارهما حراس السوفيت كموفد و مترجم و اعيدوا كل من حاج حيدر وخليل هركوش باعتبارهما زائدين عن الحاجة و بقى الوفد عبر النهر ثلاثة ايام بانتظار الجواب و يقال بان الوفد عاد على ادراجه الى البارزاني لان الحراس ابلغوهم بعدم وجود هذه الصلاحيات لديهم و من ثم اعادهم البارزاني محملا رسالة خطية الى الاتحاد السوفياتي طالبا فيها قبول لجؤهم اليها و عبر الوفد كل من مير حاج و لافكو نهر اراس ثانية و سلموا الرسالة الى الحراس و بقيا هناك بانتظار الجواب .
خلال الفترة من (17/6/1947) رابطت قوات البارزاني على ضفاف نهر اراس بانتظار رد الاتحاد السوفياتي دون مؤنة تذكر حيث عانت الضور و كانوا يتناولون الشعير و يمتصون نسغ عروق القصب لتذليل الام جوعهم .
اضطر البارزاني لارسال سليماني دركلي الى قرى عشائر الجلاليين لانقاذهم من مهالك الجوع فوجدها مهجورة و خالية و عاد على ادراجه دون الحصول على المؤنة مما دفعهم اليأس الى ذبح البغال لاكل لحومها في صراع من اجل الحياة و لكن المفاجأة حالت دون ذلك في هذا الظرف العصيب حدث انفراج من الضيق بعودة الموفد مير حاج حاملا معه بشرى موافقة الاتحاد السوفياتي على لجؤهم اليها و ازالت عنهم المتاعب و الضور و انشغلوا بمهام العبور لنهر اراس و تفادي تهديدات القوات الايرانية و لم يبق امامهم الا عائق اجتياز نهر اراس الهائج في موسم غله و قوات البيشمركة كانوا مرهقين من مصاعب الضور و المشي واصبح الاجتياز عليهم شاقا لنهر عرضه اكثر من ثلاثمائة مترا.

وزع البارزاني السباحين وسط النهر كنقاط للسيطرة على العبور و من ضمنهم البارزاني نفسه و هكذا مهدوا الاجتياز الى اخر فرد منهم و كاد ان يغرق البيشمركة صديق دشتازي لو لا البارزاني بنفسه انقذه في عملية جريئة و بهذه المعانات قد عبرت القوة البالغ عددهم الخمسمائة مقاتل نهر اراس و سلموا انفسهم الى السلطات الارمنية و التي كانت ضمن الاتحاد السوفياتي برئاسة ستالين انذاك بتاريخ (18/6/1947) و انهوا مسيرة ملحمية لا نظيرة لها في العالم المعاصر و في تاريخ الكورد باختراقهم قوات ثلاث دول معادية و في اتعس الظروف الجوية و المناطق الوعرة و الدسائس و المؤامرات التي حيكت ضدهم من قبل الاغوات طوال رحلتهم و تحمل الام الضور التي لا تطاق اثناء السير على الاقدام من منبع الابطال في البارزان الى اراضي الاتحاد السوفياتي و بهذه الحنكة و الشجاعة سجل البارزاني الخالد الذي وشح ذراعه بعلم كوردستان و لم يسمح ان ينتكس بعد استشهاد جمهورية كوردستان في مهاباد و ابقى شعلة الثورة التحررية الكوردية متوهجة دوما و انبثقت منها ثورة ايلول التحررية و قد سجل البارزاني الخالد و رفاقه البيشمركة اروع ملحمة في تاريخ الكورد و فتحت افاقا رحبة ليتعرف العالم على الهوية الكوردية و قضيتها المصيرية العادلة و برهن بانه القائد المنقذ للامة لان لم يظهر احد من قبله و كذلك طيلة غيابه عن ارض الوطن وكان الكورد بانتظار عودته و البارتي خير دليل على ذلك .
ان الملحمة كما شخصت المخلصين و المضحين من ابناء الامة كذلك كشفت الغطاء عن الخونة من الاغوات المتواطئين مع الحكومات المعادية للكورد و المساهمين في اسقاط جمهورية كوردستان في مهاباد لارضاء اعداء امتهم لقاء جاه او حفنة مال تخلفان لهم اللعنة الى الابد الابدين .
لذا ننحني اجلالا و اكبارا لقائد تلك الملحمة الرائع الصيت و كل من شارك و ساهم فيها لانها نواة ثورة ايلول العظيمة و انبعاث الوعي القومي لدى الكورد اينما وجدوا و خاصة في الاجزاء الاربعة لكوردستان و اليوم ننعم بمكارم ذلك القائد و الاب الروحي للكورد و من يزور ضريحه المتواضع
و المهيب في معانيه يدرك بان شخصيته كانت سجلا حافلا عن تاريخ الكورد و امجادهم و حاضرهم و مستقبلهم و لم يبخل على الكورد اغلى ما يملكه و لم يساوم على شبر من ارض كوردستان و ان المناطق المتنازع عليها شاهدة العصر على ذلك و تعرف اليوم بالمادة 140 من الدستور .

المراجع

1. مؤتمر الذكرى (90) لميلاد البارزاني الخالد.
2. تاريخ الكورد الحديث / ديفيدمكدول,ت راج آل محمد . 8 آذار 2013