الرئيسية » مقالات » دراسة في مستويات التقبل الفهمي للناخب العراقي

دراسة في مستويات التقبل الفهمي للناخب العراقي

واحدة من الملاحظات الشائعة في الشعب العراقي أن كثيرا من ردود الأفعال التي تصل منهم حول نتاجهم الثقافي والإعلامي او السياسي تؤكد أن المعلق أو المتحدث او الناخب بصورة خاصة لم يتفهم ويدرك الكيان السياسي او برنامجه او خطابه الوطني ، بل اكتفى بنظرة سريعة ولحاظ اسرع إليه ثم أعلن حكمه الصارم بلا تردد. يظهر ذلك في انتقاء وانتخاب حسب رأيهم الاصلح والانزه والوطني .. واذا هو العكس تماما كما نراه اليوم بالمفسدين والسراق من المرشحين الذين فازوا.
فجزء من المشكلة يأتي بسبب سطحية نسبة عالية من الشعب العراقي ، فكثير من المواطنين لا يقرأون ولا يدركون حقيقة الاشياء وثبوتية وتيقن وطنية الكيانات السياسية بل يجرون “مسحا” سريعا للمرشح الذي أمامهم خلال مدة معينة ، الأمر الذي لا يسمح لهم بفهم التفاصيل أو الخوض في أعماق القضايا، وهذه المشكلة لها مشكلات أخرى مرتبطة بها,وهذا ما نحن عليه الان بسبب شهواتهم وانتماءاتهم الخاطئة وولاءاتهم الاندفاعية فالمواطن العراقي يوالي في كل شيء ما يضطره إلى أن يكون سطحيا وبعيدا عن الحقيقة برمتها .. وهذا مصدر فعلا حيث يأتي الناخب ويطلب (س) من المرشحين دون فهمه وإدراكه من يكون هذا الشخص وما طبيعة عمله وتطلعاته للمستقبل.
لكن الجزء الرئيس من المشكلة تشرحه نظرية علمية شهيرة اسمها “الاستقبال الانتقائي” Selective Perception، وتقول هذه النظرية إن الإنسان بطبعه يتعامل مع كل المعلومات التي يمكن لحواسه استقبالها من خلال ثلاثة “فلاتر” أو مستويات من الانتقائية التي تتالى الواحدة بعد الأخرى

1- المستوى الأول هو “التعرض الانتقائي” Selective Exposure حيث يختار الإنسان ما يتعرض له أصلا، ويبحث عما يناسب اتجاهه وميوله ورغباته وتخصصه ليتلقى منه المعلومة. والاستفادة بحياته
2- المستوى الثاني هو الاستقبال الانتقائي حيث يفهم المرء مما يتعرض له معلومات معينة تتناسب مع ما يبحث عنه، فالشخص الذي يقرأ كتابا لديه الفرصة لاستقبال عدد هائل من المعلومات، ولكن الطبيعي أن المواطن يختار معلومات معينة دون غيرها ليستقبلها فتدخل نظامه الإدراكي الداخلي ويفهمها ويحللها ويصدر ردود فعله تجاهها.
3- المستوى الثالث هو “التذكر الانتقائي” Selective Retention, حيث يتذكر الشخص نسبة معينة من المعلومات التي جذبت انتباهه وقرر في باطنه أن يحتفظ بها لحين الحاجة.
اذن المشكلة في المواطن العرقي أن سطحيته وتأثره الحاد بالأفكار المسبقة والأطر الأيديولوجية وعاطفيته في التعامل مع الأئتلافات او الكيانات تجعل استقباله وتذكره الانتقائي متأثرا بذلك القالب الذهني المسيطر عليه، فكل ما يقرأه أو يراه أو يسمعه يخضع للأحكام الجاهزة التي تراكمت في داخله عبر الزمن. خاصة تلك التي كان يرق قلبه لها او انه كان متعاطفا معها ظلن من يمثلها يحقق شيئا هو اراده.
بكلمات أخرى، تخلت نسبة عالية من المواطنين العراقيين عن قدرة التفكير المستقل والنقدي واستبدلوها بأحكام جاهزة، وهم عندما يقومون بعملية المسح الضوئي للكيانات او الائتلافات والاحزاب فالهدف في الغالب هو معرفة الكيان وغيره الذي يقع فيه المراد أو الهدف حتى يتم الحكم عليه وليس التفكير والنقد بشكل مستقل.
وعليه القوالب الذهنية الجاهزة تتحجر مع الزمن بحيث يصبح من الصعب على صاحبها أن يتخلص منها، وتصبح مسيطرة عليه ويفقد معها القدرة على الاستقلال الذاتي – وهذا ما نراه جليا الان- والأسوأ من ذلك أن هذه القوالب هي أيضا “قوالب اجتماعية” بمعنى أنها قوالب حصل عليها الشخص من أمثاله في المجتمع، ويتأثر بهم، فإذا قال أحد ممن يشاركه القالب نفسه إن الكيان او الائتلاف الفلاني يستحق الانتخاب بل وحتى التثقيف والثناء، شاركه كل من يحمل نفس قالب الرأي ذاته دون تفكير مستقل. وإذا شعر الشخص فجأة بأن قالبه الذهني غير صحيح، فإنه لا يمكنه أن يحدث تحولات في هذا القالب لأنه “متحجر” ولذا فإن عليه أن “يكسر” هذا القالب ويستبدله بقالب جديد تماما.
ولكن ما الحل ؟
الحل في رأيي سهل، وهو التشجيع الدائم على التفكير النقدي Critical Thinking، وهي مادة تعتمد على اساسين اثنين احدهما الضمير والثاني الخارج. لكن على ما يبدو الان من الصعوبة تحريك الضمائر الا برحمة من الله وتوفيق ، لكن بقي الخارج هو المسؤول عن ذلك .
فلو كنا نفكر لتخلصنا من فكرة أن كل كيان أو حزب عليه أن يكون تابعا لاتجاه معين تنطلق منه كل أفكاره، ويحكم عليه بما يحكم به على كل التابعين لذلك الاتجاه، ولصار الأصل في الحكم على الأشياء هو الأفكار فقط
لو كنا نفكر لتخلصنا من ديكتاتورية الرأي التي لا تقبل الرأي الآخر وتهاجم كل من خالفت أفكاره قوالبنا الجاهزة.
الأمر يحتاج فقط إلى بعض التفكير!
وعلى هذا الاساس يتطلب منا اولا كعراقيين وطنيين ان نحيي ذلك الضمير الخامل ونفجر فيه ثورة التخلي عن ديكتاتورية الرأي المتحجر .. وان نجلب الاراء والافكار الى قوالب جديدة يحتظنا العقل البشري الصحيح حتى يتمخض عن ذلك نتيجة وثمرة تصب للصالح العام وتخلصنا من حيف الفاسدين . فلو كنا نمتلك التفكير السديد ما صعد الفاسدون طوال شبعة اعوام وهم يهدرون ثرواتنا واموالنا دون رقيب . انما بقينا على تلك القوالب الاجتماعية المهيمنة على ادمغتنا دون تحريك للعقول وإنباه للضمائر.