الرئيسية » مقالات » ثقافة السخرية في المجتمعات البدائية !!

ثقافة السخرية في المجتمعات البدائية !!

يا أيها الأنسان .. ان كنت فعلا إنسان لا تحتقر أحد ..
فأحيانا تعتقد أن بعض الناس أقل ذكاء لمجرد أنهم لا يتصرفون على هــــواك، والواقع أنك تستصغرهم عن جهل !!.

أسوق لكم هذه المقدمة ليس من باب المزايدة على أي شخص ولا من باب التشدق بالقيم الانسانية بل هو واقع اعتنقه عن قناعة تامة ،القناعة التي تجعلني اعتقد أن الانسان لا تسقط عنه انسانيته مادامه لا يحيق السوء والمكر بغيره من بني البشر او يسبب الأذى لهم و يتجاوز على قناعات الاخرين .. اما من هم دون ذلك فهم يقينا لا يحسبون على بني البشر .

وكي لا نذهب بعيدا عن لب الموضوع ..
تواردت انباء عن انتحار شابة عراقية ( رغد الجباري) بعد اخفاقها في مسابقة من المسابقات التي تنتشر في الفضائيات العربية ( تحديدا السعودية ) , اسم البرنامج هو Arab Idol وهو اقتباس حرفي لبرنامج امريكي (American Idol) , وانا هنا لست بصدد تقييم هشاشة الفضائيات العربية في انتقاء برامجها , او لماذا هي عاجزة عن ابتكار البرامج التي تنسجم والواقع العربي وتنفرد فيه ببصماتها , كما لن اعلق على لجنة المحكمين في النسخة العربية والذين لا يمتلكون الخلفيات التي تجعل منهم مؤهلين لصفة التحكيم , فجميعهم عبارة عن فنانين يصح عليهم وصف الـ ( فقاعة ) وتاريخهم الفني فقير جدا ويحمل صفة البؤس .
وبغض النظر ان كان خبر انتحار هذه الفتاة صحيح او غير ذلك ( واتمنى من كل قلبي بان لا يكون الخبر صحيحا) ،فما يهمني مناقشته هوسلبية التناول الاعلامي العراقي وردود الفعل الجماهيرية ضد هذه الفتاة المراهقة , والتي ان كان اداءها سيئ فهو لكونها ضحية مجتمع وضحية ظروف منها معلومة لدينا ومنها خافية عنا , إذ لم اجد من خلال تصفحي لصفحات التواصل الاجتماعي العراقية وغيرها من المواقع ما يتضمن قراءة تحليلية سايكلوجية علمية جادة لفهم سلوكيات هذه المراهقة , كما لم اجد من يعطيها الحق في كونها شابة لها طموح ولديها احلام بان تصبح نجمة في عالم الفن والغناء وبغض النظر عن مستواها وبغض النظر ان كانت حسنة او سيئة فهذا شانها وحدها مع ملاحظة بانها ليست اسوء من غيرها ممن دخل هذا المحيط , لكن ما استفزني هو أنني لم أقرأ غير تعليقات بائسة وهجوم قاسي وفيه تحقير لشخصها .
وشخصيا انا اول مرة اتابع مثل هذا البرنامج لاني مقتنع تماما بانها برامج تجارية الهدف منها استغفال المشاهد العربي وتلهيته عن واقعه البائس، والتربح بمبدأ ( رزق الهبل ع المجانين ) .

وهناك سبب لمتابعته كونه كواليسه صورت في مدينة عراقية ( اربيل) واحببت ان اسمع اصوات عراقية تذكرنا بالفن الاصيل .
ولا اخفيكم .. حين رأيت هذه الشابة وسمعت صوتها وطريقتها المتصنعة في الكلام ,, لعنت الظروف التي اوصلتها لهذه الحالة , واحسست بأشمئزاز بما يتعلق من الناحية الفنية وليس من شخصها , ومع ذلك امتعاضي لم يكن بالدرجة التي انال منها كانسانة او ان انتقص منها .
وبصراحة ما جعلني اشعر بأشمئزاز اكثر هو طريقة إستقبال لجنة التحكيم الـ ( تهريجية) لهذه الشابة ، والتي كانت بحق طريقة سخيفة وممجوجة ولا تليق بفنانين يحملون رسالة .
فهل هذه هي طريقتهم في تشجيع الشباب ؟!.
للأسف .. طريقتهم المشوهة ستكون لها تبعات نفسية وردود فعل سلبية على المشاركين الذين اخفقوا ، وكانهم بذلك يشجعون المجتمع على ثقافة السخرية والتي باتت اليوم من الثقافات البدائية .. في الوقت ان مجتمعاتنا لديها ما يكفيها من الثقافات البدائية .

واعود هنا للجمهور العراقي الذي جعل من هذه الفتاة مادة دسمة للسخرية عبر صفحاتهم الفيسبوكية والتويترية وايضا في منتدياتهم .. هذا علاوة على بعض المثقفين الذين ركبوا موجة السخرية من باب ( حشر مع الناس عيد) :

ترى مالذي جعلكم تنقلبون لحيوانات مفترسة كاسرة ؟!

شابة عراقية توهمت بأن لها فرصة للفوز وكانت غير مؤهلة له ، مثلها مثل الكثير من المشاركين والمشاركات , أذن لماذا التهجم عليها وبهذه الطريقة القاسية ؟
هل لأنها حاولت أن تقلد هيفاء وهبي؟ وشنو يعني ؟!

هل كفرت احد .. هل فجرت احد .. هل قتلت احد .. هل ذبحت احد ؟؟!!

أذن لماذا التهجم عليها ونحن لدينا العشرات بل المئات من الشعراء والفنانين والاعلاميين والمثقفين والسياسيين الفاشلين ممن اعتادوا التقيؤ علينا وبشكل يومي ؟؟!!
مثلما لدينها قائمة طويلة وعريضة من القتلة والمجرمين !!.
فهل ربما انتقادكم لها فقط لان ( ديكورها ) الخارجي لم ياتي وفق هواكم ؟!
ام ربما لكونها إمراة (( عورة ))؟! فجميعا رأينا من الرجال الذين اخفقوا من هو اسوء منها!..فلماذا يا ترى انصب الهجوم والنقد اللاذع عليها دون الاخرين ؟!!.

وهنا يحضرني قول جميل للسيد المسيح حين هم الـ( المؤمنين ) برجم مريم المجدلية:

من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر !!

على اي حال .. ان صح خبر انتحارها فانا ادعو كل من سخر منها بان يطهر نفسه من الرواسب الحيوانية ,, عل وعسى ان يعود كما ولدته امه .. انسان !!
ومقالي هذا ليس دفاعا عن شخص رغد بل هو محاولة لتذكير البعض بأن يبدأ كل انسان باصلاح نفسه اولا قبل ان يسخر من الاخرين , وليكن المثل العربي القديم حلقة نضعها في اذاننا :

كلكم عورات وللناس أعين !!

مهند الحسيني
17/03/2013