الرئيسية » مقالات » الخميس .. يوم إحتلال العدل

الخميس .. يوم إحتلال العدل

في يوم الخميس الماضي.. كانت وزارة العدل قد سقطت تحت رحمة هجمة إرهابية تسببت بما تسببت به من خسائر بشرية ودمار بنوي لحق بمبنى الوزارة الكائن على بعد أقل من كيلومتر من مبنى الحكومة المركزي ، المنطقة الخضراء ، أشد المناطق تحصيناً .. إنفجارات تبعتها إنفجارات وتحرك لقوات النخبة العراقية التي إنطلقت لتحرير البناية من خاطفيها الإرهابيين الذين تمكنوا من الوصول الى طوابقها وتفجير أنفسهم فيها ليلحقها التدمير الكبير الذي قد يكون قد أتى على وثائق مهمة .
لم تكن تلك الهجمة مميزة في التنفيذ عن باقي الهجمات التي مرت علينا الكثير من النماذج الحية منها والتي تمثلت في هجمات : البنك المركزي العراقي ، مبنى مقر عمليات الرصافة في مبنى وزارة الدفاع القديمة ، ومبنى مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة لمرتين ، مبنى محافظة ديالى ، مبنى محافظة صلاح الدين .. وغيرها من الهجمات التي أسقطت فيها بنايات حكومية بالغة الأهمية ، ولكن ما يميز الهجمة الأخيرة هو أنها أسقطت وزارة مهمة من وزارات الحكومة العراقية ، وهي الأولى من نوعها ، وعلى الرغم من أن الهجمة تقليدية لم تأتي بشيء جديد من عالم الإرهاب المخيف .. فإنفجارات إنتحارية عند البوابات الخارجية ومن ثم إستغلال الفوضى التي ستحصل لينفُذ مجموعة من إرهابيين الى داخل البناية مستغلين حالة الهلع التي تصيب كل من هو قريب على موجة الإنفجارات الأولى والدخان الناتج عن التفجير كغطاء مهم للوصول الى قلب المبنى وقد يكون هناك إشتباك بسيط تكون الغلبة للمجاميع الإرهابية القادمة التي ليس لديها شيء لتخسره فهي مهيئة للموت ، وهذا هو التخطيط الأفتراضي لمثل تلك العمليات.
وعلى الرغم من كل أمثلة العمليات السابقة وتقليدية تلك الهجمات إلا إننا على الرغم من كل الخبرات الأمنية والرتب العالية في مجال مكافحة الإرهاب والتدريب من قبل القوات الأمريكية لم نتمكن من إيجاد الوسائل الوقائية لمثل تلك العمليات التي أقتربت كثيراً من المنطقة الخضراء وكأن عقول مؤسساتنا الأمنية قد عَقُرت عن إيجاد وسائل الرد المناسبة لمعالجة مثل حالات الخرق تلك أو أن عناصرنا الأمنية لم يتلقوا التدريب المناسب لمواجهة العديد من السيناريوهات المحتملة لمثيلاتها، ولكن المحصلة النهائية لتلك العمليات أننا مستمرون ، وبنجاح ساحق ، في نزف أرواح ابناء شعبنا وفي إرسال رسائل سلبية خطيرة الى أبناء شعبنا بأننا غير قادرون على حماية وزارتنا المحصنة فكيف سنتمكن من حمايتهم وهم عُزّل يجوبون الشوارع لا تحميهم إلا عناية الله.
كذلك فإن أهم التساؤولات الآن : كيف وصلت تلك الكميات من المتفجرات والعبوات الناسفة والرمانات اليدوية ، غير تلك التي فُجرّت ، الى داخل قلب الوزارة ؟ أو حتى كيف وصلت الى تلك المنطقة المهمة ونقاط التفتيش النشطة متمركزة على مقربة من تلك التقاطعات الحساسة ؟ هل هناك تخاذل في تنفيذ الواجبات أم هناك من أستثقل الأمانة الكبيرة فخانها وخان شرفه العسكري معها .
مجمل العمليات الإرهابية لم يكن مرسوم لها أن تستمر لمدة طويلة بل لسويعات كفيلة بأن تقتل من تقتل من موظفي الوزارة وحمايتها وتحرق ما تحرقه من وثائقها وهذا هو ديدن العمليات الإرهابية دائماً بإستثناء عملية إسقاط مدينة حديثة التي حصلت في العام الماضي ، كان إحتلالها قد أستمر حتى سويعات الفجر الأولى ، فالغرض هو إرسال إشارات مهمة عن واقعنا الأمني والذي يعتقد الجميع بأنه الطريق لكل مفاتيح الحياة في العراق اليوم .
كل يوم نتوقع أنه سيكون أفضل من سابقه ونتوقع أن ننتهي من مسلسل الجرائم الإرهابية الكبرى إلا إن “غزوة العدل” تلك قد أشرت إرتفاع القدرة التخطيطية والتنفيذية للمجاميع الإرهابية مع تدني في مستويات المواجهة من قبل القوات الأمنية ، فلا يعني شيئاً أن تقتل الإرهابيين ولكن الذي يعني أكثر أن تمنع العمليات الإرهابية ووأدها في مهدها وقبل أن تطال مقاصلها رقاب أبناء شعبنا وممتلكاته وننتهي من إرسال الجثث الى الطب العدلي وفرض طوق حول مكان الحادث !
علينا إخضاع جميع منتسبي القوات المسلحة من الجيش والداخلية الى تدريب مكثف وبالذخيرة الحية يعتمد على خطط مدروسة لمواجهة مثل تلك الحالات فهم رجال المواجهة الأولى وعليهم أن يمتلكوا زمام المبادرة في كل شيء وأن يمتلكوا من الحس الأمني بما يعينهم على توقع العمليات الإرهابية قبل وقوعها مع القابلية إمتلاك زمان المبادرة وضبط النفس في المواجهة عند حدوث الطواريء .. كما علينا إبعاد الوزارات عن المناطق المهمة وإبعاد مراكز الوزارات والمؤسسات المهمة عن بواباتها الأمنية الخارجية ، خط الدفاع الأول ، لدرجة تسمح بإتخاذ الإجراءآت والتدابير اللازمة في مواجهة الصدمة الأولى التي تقع ، وإيجاد أكثر من منفذ طواريء مؤمن يتم إخراج المدنيين منه حال حدوثه .. رحم الله شهدائنا من أبناء شعبنا ممن سقطوا في خميس العدل .. وحفظ الله العراق.